د. منذر سليمان وجعفر الجعفري
تحليل “مركز الدراسات الأميركية والعربية”
التنافس الحاد بين نظم دول الخليج العربي سبق الحرب الأميركية -“الإسرائيلية” الأخيرة، التي ارست تغيرات جيوسياسية ليس في منطقة الخليج فحسب، بل على المستوى الدولي الأوسع؛ وهو بحاجة إلى مناقشة جادة مستمرة.
عند رصد التنابذ السعودي – الإماراتي الأخير، إذا استثنينا لبرهة انسحاب أبو ظبي من منظمة أوبك، نجد أن علاقتهما سادها تنافس شديد في المحيط العربي والإقليمي: البحر الأحمر وموانئ القرن الإفريقي وسعيهما المشترك لتفادي عقدة المرور بمضيق هرمز.
تجدر الإشارة المبكرة إلى موقف واشنطن من خلافات حليفيها، أبو ظبي والرياض، إذ آثرت “عدم التدخل”، كما تجسدت في تصريحات وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو قبل بضعة أيام؛ ووصفته “نيويورك تايمز” بأنه بمثابة “انهيار مبدأ كارتر”، (الرئيس الأسبق)، عن توفير الحماية الأميركية لتلك الدول وعجزها عن “ترجمة” تهديداتها لإيران بضرورة فتح مضيق هرمز للتجارة البحرية. (نيويورك تايمز، 2 أيار/مايو 2026).
النموذج الاقتصادي والأمني الخليجي أضحى مرادف لمن بنى “قصوراً زجاجية” اقتصادية على أرض أمنية هشة، استطاعت إيران ضرب عصبه الحيوي الجديد لهذه الدول (الملاحة، الثقة الأجنبية، سلاسل التوريد) فتحولت نقاط القوة إلى نقاط ضعف.
أولاً: ما هو النموذج الاقتصادي الأمني؟
لم يكن نموذجاً واحداً، بل ثلاثة نماذج تشترك في فكرة “المقايضة”: استخدام الثروة النفطية لشراء الأمان الأمريكي، مقابل بناء اقتصادات ما بعد النفط.
· السعودية: نموذج “المشروع العملاق” (نيوم، مدن صناعية). استند إلى فرضية “أمريكا تحميني،” وأنا أبني مستقبلاً بلا نفط.
· الإمارات: نموذج “الدولة المنصة” (مركز مالي، سياحي، لوجستي). الفرضية: الاستقرار مستمر، ودبي آمنة دائماً.
· قطر: نموذج “القوة غير المتماثلة” (الغاز، الاستثمارات العالمية). الفرضية: أنا شريك لا غنى عنه لأوروبا.
ثانياً: كيف انكشفت الهشاشة أثناء الحرب؟
عندما هاجمت إيران (عملية “الوعد الصادق” وغيرها)، انهارت الافتراضيات وأوهام العظمة:
1. البنية التحتية المدنية أصبحت هدفاً: تعرض ميناء جبل علي (الإمارات) ومنشآت الغاز (قطر) ومصفاة البحرين لهجمات. المعنى: إيران لم تهاجم النفط فقط، بل هاجمت “الواجهة المتحضرة” للخليج.
2. انهيار “أمان” الطيران واللوجستيات: إغلاق الأجواء وتوقف السفن جعل مراكز الطيران (الإمارات، قطر) معزولة.
3. ارتفعت أقساط التأمين إلى 400%، وهرب المستثمرون.
4. . توقف المشاريع العملاقة: نيوم ومشاريع دبي السياحية التي تحتاج لثقة المستثمرين وتدفق بشري. الحرب أوقفت ذلك تماماً، وبدأت العمالة الأجنبية بمغادرة دبي وقطر.
5. التكلفة الاقتصادية الفعلية:
· · انكماش اقتصادات الخليج بنسبة -0.2% في 2026 (كان متوقعاً نمو 4.5%).
· · خسائر الدول العربية: 200 مليار دولار و3.6 ملايين وظيفة (بيانات الأمم المتحدة).
· · المفارقة: ارتفاع أسعار النفط لم يعوض خسائر السياحة والعقار واللوجستيات.
تتوزع الإجابة على ثلاثة أقسام رئيسية:
1. شرح النموذج الاقتصادي الأمني (ما هو؟ وما الفكرة المشتركة بين الدول؟)
2. تفصيل النماذج المختلفة لكل دولة (الإمارات، السعودية، قطر)
3. كيف انكشفت الهشاشة أثناء الحرب (نقاط الضعف التي ظهرت)
القسم الأول: ما هو “النموذج الاقتصادي الأمني” الذي سعت له هذه الدول؟
لم يكن هناك نموذج واحد متماثل، بل كان هناك إستراتيجية مشتركة يمكن تسميتها “اقتصاد الريع المُنوّع “المحمي خارجياً”.
فكرته الأساسية: استخدام الثروة النفطية والغازية الضخمة لبناء اقتصادات متطورة في مجالات السياحة والطيران والتكنولوجيا والخدمات المالية (أي اقتصاد ما بعد النفط)، مع الاعتماد على الضمان العسكري الأمريكي لحمايتها من أي تهديد إقليمي، وخاصة إيران.
هذا النموذج افترض ضمنياً أن “الحرب” لن تطال البنى التحتية المدنية الجديدة (ناطحات السحاب، المطارات، المدن الذكية) لأنها ليست أهدافاً عسكرية تقليدية مثل حقول النفط. وكان الرهان أن الاستقرار السياسي والعسكري يمكن “شراؤه” من خلال التحالفات الدولية، بينما ينشغل الاقتصاد بالتنويع وجذب الاستثمارات الأجنبية.
القسم الثاني: تفصيل النماذج الخاصة بكل دولة
أولاً: النموذج الإماراتي (دولة المنصة – Platform State)
· الوصف: حولت الإمارات، وخاصة دبي وأبو ظبي، نفسها إلى منصة عالمية للخدمات. فالميناء (جبل علي)، والطيران (طيران الإمارات)، والخدمات المالية (دبي المالي العالمي)، والسياحة (بُرْج خليفة، الجزر الاصطناعية) كلها تشكل عصب الاقتصاد.
· الفرضية الأمنية: كون الإمارات “مركزاً للعالم” يعني أن أي زعزعة لاستقرارها ستضر بمصالح الجميع،
· وبالتالي فإن القوى الكبرى (أمريكا، أوروبا، الصين) ستدافع عنها ضماناً لحماية مصالحها.
· كما افترضت أن “الأمان” أصبح سمة ملازمة لعلامة دبي التجارية.
ثانياً: النموذج السعودي (المشروع العملاق – Giga-Project Model)
· الوصف: تحت رؤية 2030، تسعى السعودية لبناء مدن ضخمة بالكامل من الصفر مثل “نيوم” و”البحر الأحمر” و”القدية”. هذه المشاريع تحتاج إلى تريليونات الدولارات، وهي موجهة لصناعات جديدة: السياحة، الترفيه، التكنولوجيا، والطاقة المتجددة.
· الفرضية الأمنية: حجم المشاريع السعودية كبير جداً لدرجة أنها أصبحت “أكبر من أن تُسمح بفشلها”. افترضت السعودية أن أمريكا والصين وأوروبا ستمنع أي حرب قد تعطل هذه المشاريع، لأن خسائرها ستكون عالمية.
ثالثاً: النموذج القطري (القوة غير المتماثلة – Asymmetric Power)
· الوصف: اعتمدت قطر على موقعها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم. فأبرمت عقوداً طويلة الأجل مع دول أوروبية وآسيوية، وجعلت نفسها شريكاً لا غنى عنه في الطاقة. كما بنت اقتصاداً قائماً على الاستثمارات العالمية (صندوق الثروة السيادية القطري) والإعلام والسياحة.
· الفرضية الأمنية: بما أن أوروبا تعتمد على الغاز القطري، فإن أي هجوم على قطر هو هجوم على الأمن الطاقي الأوروبي.
هذا “الرهان على الحاجة الدولية” كان درعاً واقياً، مع وجود القاعدة العسكرية الأمريكية في “العديد” كضمان أخير.
القسم الثالث: كيف انكشفت الهشاشة أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟
عندما اندلعت الحرب، وردت إيران بهجمات مباشرة (مثل عملية “الوعد الصادق” في أبريل 2024، والهجمات بالصواريخ والمسيّرات على أهداف في الإمارات والسعودية، انهارت الافتراضيات الثلاثة دفعة واحدة. وهنا تفاصيل نقاط الهشاشة:
1. البنية التحتية المدنية “الواجهة” أصبحت هدفاً عسكرياً
· ما حدث: تعرضت مصفاة الألمنيوم في البحرين (المملوكة للإمارات) لهجوم. واستُهدف ميناء جبل علي في دبي، وهو أكبر ميناء للحاويات في المنطقة. وتعرضت منشآت الغاز في رأس لفان (قطر) لتهديدات مباشرة.
· الهشاشة المكشوفة: إيران لم تهاجم حقول النفط فقط (كهدف تقليدي)، بل هاجمت “الوجه الحديث” للاقتصاد الخليجي:
· الموانئ، المصانع، ومنشآت الغاز. أثبت هذا أن أي منشأة اقتصادية، حتى لو كانت مدنية، يمكن أن تصبح هدفاً إذا كانت حيوية لاستمرار الاقتصاد.
· تحولت “ناطحات السحاب” من رموز فخر إلى أهداف مكشوفة.
2. انهيار افتراضية “الأمان” في قطاعات النقل والخدمات والسياحة
· ما حدث: بمجرد أن هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز (الذي تمر منه 30% من النفط البحري العالمي)، تعطلت سلاسل التوريد. سفن الحاويات التي كانت تتجه إلى جبل علي توقفت أو غيرت مسارها. كما أدى تهديد الملاحة الجوية إلى إغلاق مؤقت للأجواء في بعض الدول، أو تحويل مسارات الطيران لوجهات أخرى بديلة، مما شل حركة شركتي طيران الإمارات والقطرية.
· الهشاشة المكشوفة: هذه القطاعات (اللوجستيات، الطيران، السياحة) تعتمد كلياً على “الثقة والاستقرار”. إذ أول ما يختفي في زمن الحرب هو الثقة، حيث ارتفعت أقساط التأمين على السفن والطائرات بنسبة تصل إلى 400%،
· وبدأت شركات الشحن العالمية بتجنب موانئ الخليج. السياحة توقفت فوراً، وهرب رجال الأعمال والمستثمرون.
3. توقف المشاريع العملاقة (نيوم وغيرها) وهروب العمالة الأجنبية
· ما حدث: مشاريع مثل نيوم السعودية أو جزيرة “ذا وورلد” في دبي تحتاج إلى تدفق مستمر للاستثمارات والعمالة الأجنبية والزوار.
· الحرب أوقفت تدفق رؤوس الأموال الجديدة، وبدأ المستثمرون بتجميد قراراتهم.
· الهشاشة المكشوفة: هذه الدول تعتمد على العمالة الأجنبية بنسبة تصل إلى 85% في قطر، و40% في دبي.
عندما يلمح أي خطر أمني، تكون هذه العمالة أول من يغادر. وانهيار قطاع العقار (الذي يعتمد على شراء الأجانب للشقق والفيلات) يليه مباشرة. المفارقة أن الحرب لم توقف بناء ناطحات السحاب فقط، بل جعلت من يعمل فيها يهرب.
4. التكلفة الاقتصادية الفعلية (الأرقام)
· الناتج المحلي: حسب تقديرات Oxford Economics، انكمشت اقتصادات دول الخليج مجتمعة بنسبة -0.2% خلال عام 2026، مقارنة بتوقعات قبل الحرب كانت تشير إلى نمو بنسبة 4.5%. هذا تراجع حاد جداً.
· خسائر الدول العربية: قدرت الأمم المتحدة الخسائر الإجمالية للدول العربية (معظمها خليجية) بنحو 200 مليار دولار أمريكي من الناتج المحلي الإجمالي المفقود، بالإضافة إلى فقدان 3.6 ملايين وظيفة.
· المفارقة القاتلة: ارتفع سعر النفط مؤقتاً بسبب الحرب، مما ملأ خزائن الدول الخليجية مالياً. لكن هذا الارتفاع لم يعوض الخسائر الفادحة في القطاعات غير النفطية (السياحة، العقار، الطيران، الخدمات المالية) التي توقفت أو تراجعت بشدة. أي المكسب النفطي القصير لم ينقذ الانهيار الاستراتيجي للاقتصاد المستقبلي.
الخلاصة
كشفت الحرب الأمريكية – “الإسرائيلية” على إيران، وردود إيران المباشرة، أن الأخيرة لم تعد تهاجم النفط فقط، بل استهدفت “العصب الحيوي الجديد” لهذه الدول: حرية الملاحة، الثقة الأجنبية، سلاسل التوريد، والعمالة الوافدة.
وتحولت نقاط القوة الاقتصادية (المراكز المالية، الطيران، السياحة) إلى نقاط ضعف عسكرية واستراتيجية، لأنها أهداف مكشوفة وسهلة ومكلفة للغاية عند تعطيلها. النتيجة: اقتصاد “ما بعد النفط” الخليجي تبين أنه أكثر حساسية وهشاشة من اقتصاد النفط نفسه في زمن الحرب.
:::::
مركز الدراسات الأميركية والعربية، واشنطن
الموقع الإلكتروني:
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
