12 أيار مايو 2026
في مقاله المنشور بتاريخ 8 مايو/أيار 2026 على موقع Regnum تحت عنوان «غورباتشوف حماس: قادة الحركة يختارون بين قطر وإيران»، يقدّم الكاتب الروسي ليونيد تسوكانوف* واحدة من أكثر القراءات الروسية كثافة وهدوءًا بشأن التحولات الداخلية داخل حماس بعد الحرب الطويلة مع إسرائيل. المقال لا يتعامل مع الحركة بإعتبارها مجرد تنظيم مقاوم خرج من جولة عسكرية دامية، بل كمنظومة سياسية – أمنية – تنظيمية تمر بمرحلة إعادة تركيب شاملة، حيث تختلط معركة البقاء بإعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسة القيادية نفسها.
منذ الأسطر الأولى، يضع الكاتب القارئ أمام فكرة محورية: حماس لا تعيش فقط مرحلة «إعادة بناء»، بل مرحلة «إعادة تعريف ذاتها» بعد الحرب. فالمعركة التي بدأت في خريف 2023 لم تؤد فقط إلى تدمير هائل في غزة، بل ضربت أيضًا البنية الإدارية التقليدية للحركة، وأجبرتها على تعديل آليات إتخاذ القرار، وإعادة النظر في مفهوم القيادة المركزية الذي حكمها طوال سنوات.
ويشير تسوكانوف إلى أن مجلس الشورى، وهو الهيئة السياسية العليا داخل حماس، عقد أول إجتماع تنظيمي واسع منذ عام 2021، لينهي عمليًا سنوات من الإرتباك البنيوي داخل الحركة. هذا الإجتماع لم يكن مجرد عملية إنتخابية روتينية، بل محاولة لإعادة ترميم الشرعية الداخلية وإحياء التسلسل الإداري الذي تعطّل بفعل الإغتيالات والحرب المستمرة.
وقد أسفر الإجتماع عن تثبيت ثلاث شخصيات رئيسية:
▪️خليل الحية قائدًا للحركة في قطاع غزة.
▪️زاهر جبارين مسؤولًا عن الضفة الغربية.
▪️خالد مشعل رئيسًا للمكتب السياسي الخارجي.
لكن الكاتب يلفت إلى أن أهمية هذه التعيينات لا تكمن في المناصب نفسها، بل في ما تمثله هذه الشخصيات من إتجاهات إستراتيجية متباينة داخل الحركة.
فبحسب المقال، كانت حماس طوال تاريخها حريصة على الحفاظ على آليات الإختيار الداخلية وتجديد كوادرها ضمن بنية شبه مؤسساتية، رغم طابعها العسكري السري. إلا أن الحرب مع إسرائيل بعد عملية «طوفان الأقصى» دفعت هذه المنظومة إلى حافة الإنهيار.
ويعتبر تسوكانوف أن إغتيال إسماعيل هنية في صيف 2024 شكّل نقطة التحول الأخطر داخل الحركة. فهنية، وفق توصيفه، كان «آخر المعمّرين» في القيادة العليا، وآخر شخصية إستطاعت الحفاظ على قدر من التوازن بين الأجنحة المختلفة. وبعد مقتله بدأت آليات الإنتقال التقليدي للسلطة تتفكك بصورة متسارعة.
فخلفاؤه، أي الأخوان محمد السنوار ويحيى السنوار، لم يصلا إلى موقعيهما عبر المشاورات الموسعة المعتادة داخل مجلس الشورى، بل عبر ترتيبات طارئة فرضتها ظروف الحرب. وقد منحا، بحسب المقال، «تفويضًا شبه مطلق» لإدارة العمليات العسكرية في غزة، بما يشبه حالة القيادة العسكرية الإستثنائية التي تتجاوز الإجراءات التنظيمية التقليدية.
لكن مع مقتل آخر الأخوين السنوار عام 2025، وصلت الحركة إلى لحظة فراغ حقيقي.
هنا، بحسب المقال، توقفت حماس عن الرهان على «القائد الفرد»، وإنتقلت إلى نموذج جماعي مؤقت تمثل في إنشاء «مجلس قيادة إنتقالي» مكوّن من خمسة أشخاص، تولى إدارة الملفات الأساسية للحركة خلال المرحلة الأخطر من الحرب.
هذه المرحلة، التي يصفها الكاتب بصورة غير مباشرة بـ«الحكم الخماسي» أو «البنتاركية»، لم تكن تعبيرًا عن قوة مؤسساتية بقدر ما كانت محاولة إضطرارية لمنع إنهيار مركز القرار بعد موجات الإغتيالات الإسرائيلية المتلاحقة.
لكن مع تثبيت وقف إطلاق النار الدائم مع إسرائيل، تغيّرت المعادلة. فإستمرار القيادة الجماعية لم يعد عمليًا، لا سياسيًا ولا تنظيميًا. الحركة إحتاجت إلى إعادة بناء هرم قيادي واضح، وإلى العودة تدريجيًا من منطق «إدارة الطوارئ» إلى منطق «إدارة التنظيم».
ومن هنا جاءت إنتخابات مايو/أيار 2026 بإعتبارها بداية إستعادة البنية الطبيعية للحركة، أو على الأقل محاولة لإظهار أن حماس ما تزال قادرة على إنتاج قيادة مستقرة رغم الضربات.
ويلفت الكاتب النظر إلى أن اثنين من الفائزين بالمناصب الجديدة، أي خليل الحية وخالد مشعل، كانا يديران فعليًا هذه الملفات خلال مرحلة «الحكم الخماسي»، ما يعني أن مجلس الشورى لم يخلق موازين جديدة بالكامل، بل منح شرعية رسمية لوقائع تشكلت خلال الحرب.
أما زاهر جبارين، فكان الحالة المختلفة. الرجل الذي يصفه المقال بأنه «محاسب الحركة السابق» وجد نفسه فجأة يتحول إلى المسؤول الأول عن الضفة الغربية، خلفًا لـصالح العاروري الذي أغتيل مطلع 2024 في بيروت.
وهنا يتوقف المقال طويلًا عند شخصية جبارين. فهو ليس قائدًا ميدانيًا تقليديًا، ولا يتمتع بالكاريزما الجماهيرية التي يملكها السنوار أو مشعل، لكنه في المقابل يمثل نموذج «الإداري البارد» القادر على التحرك بين الشبكات المالية والأمنية والتنظيمية. ولذلك يرى الكاتب أن صعوده يعكس تحوّلًا داخل حماس من منطق «القائد الرمز» إلى منطق «المشغّل التقني» القادر على إدارة البنية السرية للحركة تحت الضغط.
وفي الوقت نفسه، يشير المقال إلى أن الموقع الذي أُعطي لجبارين يكاد يكون «منصبًا إنتحاريًا». فالضفة الغربية تحولت بعد الحرب إلى واحدة من أكثر الساحات إختراقًا أمنيًا من جانب إسرائيل، التي أطلقت هناك حملات واسعة من الإعتقالات والتصفيات والإجراءات الإستخباراتية. ولذلك فإن قيادة الضفة لا تُعد فقط مهمة سياسية، بل إختبار بقاء فعلي.
لكن أخطر ما في المقال ليس توصيفه للهيكل الإداري، بل تحليله للإنقسام الإستراتيجي الكامن داخل الحركة.
فالكاتب يرى أن التناقض الأساسي يدور بين خليل الحية وخالد مشعل، وأن هذا التناقض يتجاوز المنافسة الشخصية إلى صراع رؤيتين مختلفتين تمامًا لمستقبل حماس.
الحية، وفق النص، يمثل تيار «المقاومة الصلبة» المرتبط عضويًا بـإيران. إنه رجل الميدان والحرب، والشخص الذي يُقدَّم داخل أوساط الحركة بوصفه أحد مهندسي عملية «طوفان الأقصى»، أي العملية التي «حطمت أسطورة جدار الأمن الإسرائيلي» وأعادت رسم صورة الصراع في المنطقة.
أما خالد مشعل، فيقدَّم بصورة مختلفة تمامًا. فهو «الدبلوماسي» و«رجل التهدئة» و«مهندس وقف إطلاق النار». وبدلًا من الرهان على محور المقاومة وحده، يرى أن مستقبل حماس يمر عبر الحفاظ على العلاقة مع قطر، بما تملكه من قدرة على الوساطة والضغط والتأثير في العواصم الغربية والإقليمية.
ويلاحظ الكاتب أن الخلاف بين الرجلين لا يتعلق فقط بمن هو الحليف الأفضل، بل بأي نموذج سياسي يجب أن تتحول إليه الحركة بعد الحرب:
هل تبقى حماس حركة مقاومة عسكرية ذات إرتباط وثيق بالمحور الإيراني؟
أم تتحول تدريجيًا إلى فاعل سياسي إقليمي أكثر مرونة، قادر على التفاوض وإدارة التوازنات والعمل داخل شبكة العلاقات القطرية – الدولية؟
ومن هنا تأتي العبارة الأكثر إثارة في المقال، حين يشير تسوكانوف إلى أن الإسرائيليين بدأوا يطلقون على خالد مشعل لقب «غورباتشوف حماس».
في السياق الروسي، لا يحمل إسم ميخائيل غورباتشوف دلالة إصلاحية فقط، بل يرتبط أيضًا بالتفكك والتنازلات والإنهيار الإستراتيجي. وبالتالي فإن إستخدام هذا الوصف يكشف، وفق القراءة الضمنية للمقال، عن رهان إسرائيلي على أن مرونة مشعل السياسية يمكن أن تتحول مع الوقت إلى مصدر شرخ داخلي داخل الحركة.
الكاتب يوضح أن إسرائيل لا تراهن فقط على تصفية قادة حماس جسديًا، بل على دفع الحركة نحو صراع داخلي بين البراغماتيين والمتشددين. وحتى إذا إنتصر مشعل في المعركة البيروقراطية داخل الحركة، فإن خصومه قادرون على تصوير أي إنفتاح سياسي يقوم به بإعتباره «إستسلامًا» أو «تعاونًا غير مباشر» مع الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
لكن المقال لا يذهب إلى حد القول إن الإنقسام حتمي. بل على العكس، يوحي بأن حماس ما تزال قادرة على إدارة تناقضاتها الداخلية ضمن بنية واحدة، كما فعلت مرارًا خلال العقود الماضية. فالحركة تاريخيًا جمعت بين العسكري والسياسي والدعوي والدبلوماسي دون أن تنهار بالكامل.
ويشير الكاتب أيضًا إلى أن الطبيعة الخاصة للعلاقة بين غزة والمكتب الخارجي تمنح خليل الحية هامش مناورة واسعًا حتى لو بقي خالد مشعل أعلى منه رسميًا في الهرم السياسي. فالقوة الحقيقية، كما يلمّح النص، لا تُقاس دائمًا بالموقع التنظيمي، بل بالسيطرة على الأرض والسلاح والشبكات التنفيذية داخل القطاع.
ومن الزوايا المهمة التي يتناولها المقال، البعد الأمني المرتبط بإعادة إنتاج القيادة. فبعد سلسلة الإغتيالات الإسرائيلية، بدأت حماس، وفق الكاتب، تعتمد بشكل متزايد على نظام «القادة البدلاء» أو «النسخ الإحتياطية» داخل كل مستوى تنظيمي. أي أن كل قائد رئيسي بات يملك عمليًا بديلًا جاهزًا لتولي موقعه فور إغتياله أو إعتقاله.
وهذه النقطة بالذات تكشف، في رأي الكاتب، أن الحركة إستوعبت درس السنوات الماضية: إسرائيل تستطيع قتل القادة، لكنها تجد صعوبة أكبر في تدمير البنية الشبكية المرنة التي أعادت حماس بناءها خلال الحرب.
وفي القسم الأخير من المقال، ينتقل تسوكانوف إلى الحديث عن حالة الإرتباك داخل إسرائيل نفسها. فبحسب تقديره، تبدو الإستخبارات الإسرائيلية عاجزة هذه المرة عن تحديد من سيفوز في معركة القيادة داخل حماس، لأن الحركة تتعمد ضخ تسريبات متناقضة حول التحالفات الداخلية بين الحية ومشعل وجبارين.
مرة تظهر تسريبات عن تحالف الحية مع جبارين ضد مشعل، ومرة أخرى عن تفاهم بين مشعل والحية لإقصاء جبارين، ثم عن إصطفافات جديدة داخل مجلس الشورى. والنتيجة، وفق المقال، أن أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية أصبحت تغرق في كم هائل من المعلومات المتضاربة.
وهنا يصل الكاتب إلى خلاصته الأساسية:
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تواجه إسرائيل حركة لا تستطيع التنبؤ الكامل بمسارها الداخلي. فجميع المرشحين يملكون تقريبًا فرصًا متقاربة للوصول إلى رئاسة المكتب السياسي الأعلى، الذي ما يزال شاغرًا حتى الآن.
هذا الشغور، كما يوحي النص، ليس مجرد فراغ تنظيمي، بل جزء من لعبة محسوبة. فكلما تأخر الحسم، إزداد إرتباك الخصوم، وإزدادت قدرة الحركة على المناورة وإعادة ترتيب مراكز القوة داخليًا.
وفي النهاية، يقدّم المقال صورة مركبة لحماس ما بعد الحرب: حركة لم تُهزم بالكامل كما أرادت إسرائيل، لكنها أيضًا لم تخرج موحدة ومستقرة كما كانت قبل 2023. إنها تنظيم يعيش لحظة إنتقالية شديدة الحساسية، حيث يتصارع داخله منطقان متوازيان:
منطق «المقاومة الصلبة» المرتبط بإيران والسلاح والعمل العسكري طويل الأمد، ومنطق «البراغماتية السياسية» المرتبط بقطر وإدارة التوازنات والتفاوض.
وبين هذين المنطقين، تتشكل الآن النسخة الجديدة من حماس، بينما تحاول إسرائيل، ومعها القوى الإقليمية المختلفة، فهم أي وجه من وجهي الحركة سيخرج منتصرًا من تحت أنقاض الحرب الطويلة.
*****
ليونيد تسوكانوف
باحث وصحفي دولي روسي متخصص في قضايا الأمن الدولي والشرق الأوسط وأفريقيا، مع اهتمام خاص بالأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب. يحمل درجة «دكتوراه في العلوم السياسية» ويعمل مستشارًا في مركز PIR في موسكو، كما يُعد خبيرًا لدى المجلس الروسي للشؤون الدولية.
تركّز أبحاثه على التحديات المعاصرة للأمن الدولي، والتعاون الروسي مع دول الخليج وأفريقيا، إضافة إلى قضايا التكنولوجيا والأمن السيبراني. تلقى تدريبات أكاديمية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط والإرهاب والأمن الإقليمي في مؤسسات منها معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية وجامعة لايدن.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
