- تغلغل أفكار الصهيونية – المسيحية في الثقافة الأوروبية
الجزء الثاني
عينات ونماذج فكرية
نعرض فيما تبقى من هذا الفصل لبعض النماذج الفكرية واللاهوتية والثقافية الأوروبية التي تركت بصماتها العميقة على ثقافة المجتمعات الأوروبية في تلك الآونة في شتّى مجالات المعرفة والفلسفة العلوم والأدب، والتي لا نزال نشهد تأثيراتها في الحياة الدينية واليومية لهذه المجتمعات.
نتناول في هذه القراءة عينة من النماذج الفكرية والثقافي كأمثلة تشير إلى تغلغل الثقافة الدينية (خاصة البروتستانتية) في المجتمعات الأوروبية، وآراء هؤلاء المفكرين حيال اليهود واليهودية. وقد راعينا في هذه القراءة أن تشمل عرضًا مقتضبًا لأفكار هؤلاء المفكرين فيما يتعلق بالدين بشكل عام، قبل الانتقال إلى تناول أبرز أفكارهم ومواقفهم حول اليهود واليهودية.
ربّ قائل إن في هذا استطرادًا واستفاضة غير ضرورية، ولكن الحقيقة أن أهمية عرض أفكار هؤلاء المفكرين حول الدين، والمسيحية تحديدًا، تنبع من أن مفكري المسيحية وعلماءها في العصور الوسطى استخدموا الكتاب المقدس وتفسيرات نبوءاته ومقولاته، بعهديه القديم والجديد، ولم يفعلوا ذلك لمجرد تفسير وشرح تعاليم هذا الكتاب، بل كانت الغاية الأساسية هي تحويل اليهود إلى المسيحية.
لذلك فإن التعرف على آراء هؤلاء المفكرين حيال الدين والمسيحية، خصوصًا في أوساط الحركة البروتستانتية، يشكّل حجر الأساس في فهم موقفهم واطروحاتهم حول اليهود واليهودية.
في الفلسفة
بليز باسكال (1623 – 1662) Blaise Pascal
يُعتبر باسكال فيلسوف الصوفية الكاثوليكية الفرنسية في القرن السابع عشر وكان شديد التدين واتجه نحو اللاهوت والاعتزال، إضافة إلى كونه عالمًا فيزيائيًا ورياضياً.
باسكال والإيمان بالله
نظر باسكال إلى الدين باعتباره المنظومة الوحيدة القادرة على إضفاء معنىً وفهمًا للحالة البشرية. وانطلاقًا من فكرة أن قدرات العقل البشري محدودة، فإن الإيمان بالله عنده لا يمكن استيعابه بشكل كامل إلا من خلال القلب، ويعود ذلك إلى أن باسكال يعتقد أنه لا يتسنى إدراك حقائق الدينا من خلال العقل والمنطق وحدهما، بل من خلال القلب أو الشعور.
يقوم موقف باسكال من الإيمان بوجود الله على مقاربة براغماتية، مفادها أن الإجابة على سؤال وجود الله من عدمه، تستند إلى الرهان على احتمالين:
– فإذا راهن الإنسان على أن الله موجود وكان محقاً في رهانه، فسيحصد مكافأة الجنة ولن يخسر سوى القليل.
– أما إذا راهن على أن الله غير موجود وكان محقاً، فسينال ملذات دنيوية مؤقتة، ولكن إذا كان مخطئاً، فسيخسر كل شيء ويذهب إلى الجحيم.
وعليه، جادل باسكال بأن المصلحة الذاتية العقلانية تقتضي أن نعيش حياتنا وكأن الله موجود، ما يجعل الرهان على الإيمان بوجود الله هو الرهان والأفضل، إذ ينبغي على الإنسان أن يأخذ جانب الحذر والأمان، بدلاً من المخاطرة والوقوع في الندم، ومن هنا فإن الإيمان بالإله هو الاعتقاد الأكثر عقلانيةً.
ولكن يجب ألاّ يفوتنا أن هذا الخيار، في فكر باسكال، يقوم في كل الأحوال على الإيمان بوجود الله على قاعدة الديانة المسيحية وتعاليمها، فالمسيحية عنده هي الدين الوحيد القادر على تشخيص عيوبنا بدقة، وفي الوقت ذاته تقديم العلاج الشافي لها.
أبرز أفكاره حول اليهود
تناول باسكال موضوع اليهود واليهودية من منظور لاهوتي وانخرط في دراسة تاريخهم ونبوءاتهم. وفيما يلي أبرز أفكاره في هذا المجال:
1. خصوصية اليهود: اليهود “شعب استثنائي”
يشير باسكال إلى أن اليهود قد تميزوا منذ فجر التاريخ بكونهم “شعباً استثنائياً”، وتركيبة فريدة من حيث أنهم ينحدرون جميعاً من أبٍ واحدٍ هو إبراهيم. فضلاً عن أن اليهود صمدوا على مدى قرون في المنفى، ورغم الاضطهاد ومحاولات القضاء عليهم، حافظوا على رابطة الأخوة التي تجمع بينهم في شتى أماكن تواجدهم، ويُعد صمودهم هذا، من وجهة نظر باسكال، أمرًا خارقًا للطبيعة ودليلاً حياً على العناية الإلهية.
2. احترام اليهودية وشريعتها
على الرغم من أن فكر باسكال كان متجذراً في اللاهوت المسيحي، إلا أنه كان يُكنّ للاهوتية والتقاليد اليهودية اعجابًا واحترامًا كبيرين. ويعود ذلك إلى تفاني اليهود في الحفاظ على التوراة، والشريعة اليهودية التي اعتبرها باسكال أقدم شريعة في التاريخ البشري، وأن استمراريتها وبقائها أمر مثير للدهشة.
3. مصداقية المسيحية
يرى باحثون أن اليهودية لم تكن محوراً مركزيًا في فكر باسكال، وأنه وظّف تصوره لليهود واليهودية كحجة لإثبات العقيدة المسيحية، ودليل على صدق نبوءات العهد القديم. بعبارة أخرى، نظر باسكال إلى اليهود والتاريخ اليهودي من منظور ديني يهدف إلى الدفاع عن العقيدة المسيحية. ففضلاً عن أنه كان يكن الاحترام لثبات اليهودية واستمرارها وصمود اليهود عبر التاريخ، هناك أيضًا الإرث المشترك بين اليهود والمسيحيين، رغم بعض الاختلافات بينهما.
ومن أبرز علامات قدسية المسيحية، من وجهة نظر باسكال، أنها تستند في أساسها إلى ديانةٍ مقدسةٍ أخرى: أي اليهودية، التي اعتبرها باسكال ديانة عريقة ذات خصائص فريدة. فاليهودية عنده مثّلت شاهدًا على صحة الإيمان المسيحي، كما أن أنبياء اليهود في العهد القديم يمثلون، في نظر باسكال، أعظم البراهين على صدق العهد الجديد.
4. نقد باسكال: رفض اليهود للمسيح
انتقد باسكال رفض اليهود ليسوع المسيح، ووجه لهم اللوم بسبب ما أسماه “عمى البصيرة” لديهم لعدم اعترافهم بالمسيح. ولكنه، لم يكن معادياً لهم، بل قدّر لهم فضلهم في الحفاظ على نبوءات العهد القديم، وكان ينظر إليهم ك “الشعب المختار”، بل رأى فيهم “شعبًا مميزًا”، وشعبٌ “خُلق خصيصاً ليكون شاهداً على المسيح”.
5. جدير بالملاحظ، أن احترام اليهود وتقديرهم لدى باسكال، لم يكن في المقام الأول، نتاجاً للتسامح الديني، بل كان ينبع من صميم العقيدة المسيحية ذاتها. فالمسيحية تقتضي الإيمان بوجوب تعايش العهدين في الكتاب المقدس، القديم والجديد، معاً.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
