قراءة في فيلم: الذاكرة في مواجهة المحو “كلّ ما تبقّى منك” لشيرين دعيبس، قراءة سعيد عريقات

9/5/2026

في الأول من أيار، جلستُ لمشاهدة فيلم “كلّ ما تبقّى منك” (2025) للمخرجة شيرين دعيبس، دون تصوّرٍ بأنني على وشك أن أُستدرج إلى قلب حكايةٍ تنبض بالألم كما تنبض بالحياة. لم تكن مجرد صورٍ تمرّ على الشاشة، بل وجوهٌ تتنفس، وذكرياتٌ تستيقظ، وجراحٌ ترفض أن تصمت. الفيلم لا يسرد الحكاية بقدر ما يوقظها، ينتشلها من بين الركام، ويضعها أمامنا عاريةً، كحقيقةٍ لا تقبل التجميل. هنا، لا تظهر النكبة كذكرى بعيدة في زمنٍ منقضٍ، بل كنبضٍ لا يهدأ، كوجعٍ مفتوح، وكحياةٍ تُقاتل، بكل ما تبقّى فيها، كي لا تُمحى.

تنسج دعيبس عملها بخيوط الذاكرة الممزقة، وتقول بصوتٍ منخفض لكنه نافذ: ما حدث لم ينتهِ. فالبيوت التي هُدمت، والأراضي التي سُلبت، والوجوه التي أُجبرت على الرحيل، لم تُدفن في أرشيف التاريخ، بل تحوّلت إلى واقعٍ يوميّ يتوارثه الأبناء كما يتوارثون أسماءهم. النكبة هنا ليست ماضياً يُستعاد، بل حاضرٌ يُعاش، يتبدّل شكله، لكنه لا يفقد جوهره.

يفتتح الفيلم رحلته في الضفة الغربية المحتلة خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حيث نلتقي نور، الفتى الذي يحاول أن يكبر في مكانٍ يضيق بكل معنى للنمو. نور ليس بطلاً بالمعنى التقليدي؛ إنه مجرد صبيّ يحلم بأن يمشي دون خوف، أن يضحك دون أن يراقبه جندي، أن يكون عادياً في عالمٍ يحرمه حتى من عاديته. تلاحقه الحواجز، وتراقبه البنادق، وتثقل خطواته أسئلة لا تليق بعمره.

تلتقط الكاميرا تفاصيل الحياة تحت الاحتلال كما لو كانت تلامس جرحاً مفتوحاً: الطريق إلى السوق مغامرة، والوقوف في الشارع مخاطرة، والهتاف في مظاهرة قد يكون آخر ما يُقال. وحين تنطلق الرصاصات نحو المتظاهرين، لا يبدو المشهد صدمةً مفاجئة، بل كأنه استمرارٌ بارد لمنطقٍ طويل من السيطرة، حيث يُختزل الإنسان إلى هدفٍ في مرمى القوة.

ثم، كما لو أن الذاكرة لا تقبل أن تُروى من طرفٍ واحد، يعود الفيلم إلى يافا عام 1948، حيث تبدأ الحكاية التي لم تنتهِ. هناك، نفقد مع شريف ومنيرة ليس فقط بيتاً أو بستان برتقال، بل نفقد فكرة “الاستقرار” ذاتها. تتسلل إلى المشاهد ظلال مجزرة دير ياسين، لا كحدثٍ منفصل، بل كخوفٍ جماعي يسكن العيون ويعجّل الرحيل. كل نظرة بين أبٍ وطفله، كل يدٍ تُشدّ على عجل، تحمل سؤالاً واحداً: إلى أين نذهب حين يُسلب منا المكان؟

ما يمنح الفيلم تلك الرهافة القاسية، هو أنه لا يصرخ بقدر ما يهمس، ولا يدين بقدر ما يكشف. إنه يقف في وجه عقودٍ من السرديات التي جرّدت الفلسطيني من صوته، وحوّلته إلى رقمٍ أو خبرٍ عابر. هنا، يستعيد الإنسان اسمه، وملامحه، وحقه في أن يُروى كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.

ومع ذلك، لا يبقى الفيلم أسير الماضي. إذ يستحيل على المشاهد اليوم أن يفصل بين صوره وما يحدث في قطاع غزة، حيث تتكرر المأساة بأدواتٍ أكثر فتكاً، لكن بالمنطق ذاته: أحياء تُمحى، وأجساد تُثقلها الحروب، وذاكرة تُدفع نحو النسيان. وكأن الزمن يدور في حلقةٍ مغلقة، يعيد كتابة الألم ذاته، بأسماءٍ مختلفة.

ويمتد هذا الصدى إلى ما هو أبعد من فلسطين، إلى لبنان، وإلى فضاءاتٍ لا حدود لها، حيث يتكرر منطق القوة ذاتها، وتُعاد سردية الإفلات من الحساب. في هذا الاتساع، لا يعود الفيلم مجرد حكاية شعب، بل شهادة على عالمٍ يختار أحياناً أن يغضّ الطرف.

ومع كل هذا الثقل، يترك الفيلم فسحةً للحنين، للدفء الإنساني الذي يرفض أن ينكسر. نرى الأعراس، ونسمع الضحكات، ونشهد لحظات حبٍ صغيرة، كأنها تتحدى الخراب. الفلسطيني هنا ليس فقط من يتألم، بل من يحب، ومن يحلم، ومن يتمسك بالحياة كما لو كانت آخر ما تبقّى له.

يقدّم آدم بكري أداءً مشبعاً بالصمت النبيل، حيث تختبئ الأحزان في نظراته أكثر مما تُقال بالكلمات. أما محمد عبد الرحمن، فيجسّد شخصية نور بصدقٍ هشّ ومربك، كأننا نرى في عينيه طفولةً تحاول أن تنجو من ثقل العالم. الصورة السينمائية، بضوء المتوسط ودفء حجارة البيوت، تمنح الفيلم روحاً مزدوجة: حميمية كذكرى، واتساعاً كملحمة.

قد تبدو بعض لحظات الفيلم مباشرة في خطابها، لكن هذه المباشرة، في عالمٍ يعتاد تجاهل الألم، تصبح ضرورة. فحين تُنكر الحكاية، يصبح قولها بصوتٍ واضح عملاً أخلاقياً بحد ذاته.

في الختام، لا ينطفئ هذا الفيلم على شاشةٍ سوداء، بل يظلّ متوهجاً في الذاكرة كجرحٍ يرفض أن يلتئم. إنه ليس مجرد حكاية تُروى، بل شهادة تُنتزع من قلب الصمت، وصرخةٌ أخيرة في وجه عالمٍ اعتاد أن يدير نظره. هنا تبلغ الحكاية ذروتها لا بالنهاية، بل بالاستمرار: ذاكرةٌ تقاوم المحو، وصوتٌ يرفض الاختفاء، وحياةٌ تتشبث بما تبقّى منها تُعلن بإصرارٍ يشبه الخلود، إن ما يُراد له أن يُمحى، يظلّ حيّاً في الوجدان، عصيّاً على النسيان.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….