التشافيزية والتراجع التكتيكي: أيّ مستقبل للثورة البوليفارية؟ إبراهيم يونس

«أيّها الرفاق، لسوء الحظ، في الوقت الراهن، لم تتحقق الأهداف التي رسمناها (…) سوف تحلّ ظروف جديدة، وعلى البلاد أن تسلك طريقها نحو مصير أفضل» ــــــــ هوغو تشافيز، 4 شباط/ فبراير 1992.
صحيح أن العدوان الأميركي على فنزويلا في الثالث من كانون الثاني/ يناير الماضي غيَّر كثيراً من المعادلات، إلى الحدّ الذي دفع بعض القراءات إلى التعامل مع ما جرى باعتباره هزيمة نهائية للمشروع التشافيزي وخضوعاً كاملاً لضغوط الإمبراطورية الأميركية، أو حتى «خيانة» لمسار تشافيز ومادورو كما يرى البعض.

بيد أن النظر إلى الثورة البوليفارية باعتبارها مجرّد سلطة دولة سقطت بعدما تعرّضت لضربة جوية واختُطف رئيسها وقدّمت حكومتها الحالية تنازلات محدّدة، يُغفِل طبيعتها بصفتها مساراً للتحرر الوطني والاجتماعي متراكماً منذ أكثر من ربع قرن يخوض اليوم أصعب فصوله تحت تهديد السلاح. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التنازلات الأخيرة على أنها تمثّل حتى الآن «تراجعاً تكتيكياً» تفرضه لحظة اختلال حادّ في موازين القوى لا تسمح بمواجهة عسكرية مباشرة. والمعنى الحقيقي لما يجري لا يُفهم خارج ديالكتيك بناء الاشتراكية، حيث الطريق إلى قمّة الجبل مُتعرّج دائماً.

الاشتراكية ذات الخصائص الفنزويلية

لم تكن التشافيزية في يوم من الأيام استنساخاً للنموذج السوفياتي ولا للتجربة الصينية، وإنما صياغة فنزويلية للانتقال نحو الاشتراكية، تستند إلى تاريخ بوليفار وإلى موروث المجتمعات الأصلية في القارة اللاتينية وإلى التجربة المريرة لخمسة عقود من اقتصاد ريعي حوَّل النفط إلى قناة تبعية، وإلى ما يزيد على عقدين من نضالات الحركات الاجتماعية قبل الثورة. لقد وضع تشافيز رؤيته للاشتراكية ذات الخصائص الفنزويلية على شكل انتقال من خلال خمسة محاور مترابطة:

(1) تحويل القاعدة الإنتاجية للبلاد، (2) وإعادة بناء دور الدولة لضمان السيادة وتوجيه التراكم نحو كفاية الحاجات الأساسية، (3) وتوسيع آليات الإنتاج المستقلة الذاتية التحكّم عبر الكوميونات والتعاون الأفقي بينها، (4) واعتماد التخطيط الديمقراطي لتنظيم علاقات الإنتاج، (5) وأخيراً تأكيد استقلال البلاد في مواجهة العولمة الرأسمالية.

هذه المحاور مجتمعة تجعل من التشافيزية مشروعاً متجذّراً في خصوصية محلية لا يقبل القياس على غيره، كما أنه بُني على افتراض أن السلطة المؤسَّسة في الدولة وحدها لا تكفي لتجاوز الرأسمالية، وأن المطلوب هو نقل تدريجي للقرار من القمّة إلى القاعدة عبر بُنى تعبّر فعلاً عن إرادة المنتجين المباشرين وعلى رأسها الكوميونات. ولذلك صار خطر هذا المشروع على الإمبريالية أكبر من خطر أي تجربة يسارية أخرى – باستثناء تجارب حرب الغوار وحرب الشعب – في القارة اللاتينية خلال الخمسين عاماً الماضية.

يتموضع المشروع الكوميوني في قلب هذه الاشتراكية بصفته الخلية المؤسِّسة لشكل جديد من السلطة الشعبية يضع وسائل الإنتاج والأرض في أيدي المجتمعات المحلية ويُديم الحياة السياسية اليومية بآليات الديمقراطية التشاركية. وتضم فنزويلا اليوم ما يزيد على خمسة آلاف كوميونة ينتظم داخلها أكثر من خمسين ألف مجلس كوميوني، وهي تستند إلى قانون صدر في عام 2010 ووزارة مختصة، مع هدف استراتيجي للمشروع الثوري ككل يتمثَّل في بناء «الدولة الكوميونية».

فحين أطلق تشافيز شعار «الكوميونات أو لا شيء» في آخر خطبه المتلفزة، كان يضع الإصبع على النقطة التي يمكن من خلالها تحريك مجتمع بأكمله بعيداً عن منطق رأس المال والسوق، نحو نظام يقوم على الملكية الاجتماعية – بالمعنى الماركسي – لوسائل الإنتاج، والإنتاج المُخطّط والمُدار اجتماعياً، وإشباع الحاجات الاجتماعية لغالبية الشعب، باعتبار هذه العناصر الثلاثة «المثلّث الأولي» لأي بناء اشتراكي حقيقي في القرن الحادي والعشرين.

ومن ثم فإن المكاسب الحقيقية للثورة البوليفارية ليست في التمثيل الشعبي الحقيقي عبر الانتخابات أو في حصص الإنفاق الاجتماعي فحسب، وإنما بالأساس في القيادة الثورية الملتحمة مع السلطة الشعبية، وفي آلاف الكوميونات التي تشكّل عصب المشروع الثوري، وفي الميليشيا التي تضمّ ملايين المتطوّعين المُدرّبين على أساليب حرب الشعب، وفي الجيش الوطني الذي جرى «شعبنته» عبر عقيدة «الدفاع الشامل» التي تنطوي على التحالف العسكري-المدني المتمثّل في الميليشيا والشرطة الكوميونية.

العدوان العسكري وميزان القوى

أتى عدوان الثالث من كانون الثاني/ يناير الدموي على شكل لم تكن فنزويلا قد استعدّت له. فالعقيدة العسكرية البوليفارية بُنيت طوال عقدين على فكرة «الدفاع الشامل» الذي يربط الجيش بالمجتمع والميليشيا والكوميونات، ويفترض حرب شعب طويلة ترفع تكلفة الغزو البري إلى حدّ يردع كل محاولة احتلال. لكن ما جاء من الولايات المتحدة كان شيئاً مختلفاً تماماً: ضربة كثيفة تسندها منظومة أقمار اصطناعية، و150 طائرة حربية من 21 قاعدة قريبة، ونحو عشرين مدمّرة بحرية وغواصة نووية مع قرابة خمسة عشر ألف جندي، وحرب إلكترونية أوقفت الاتصالات – بما في ذلك اتصالات الجيش – واخترقت المنظومات الرقمية بكاملها، إلى جانب تسليح متطوّر لم تتضح طبيعته بالكامل.

وفي عشر دقائق فقط تعطّل نظام الدفاع الجوي بكامله، وخرج الناس إلى الشوارع بأسلحتهم فلم يجدوا عدواً برياً يقاتلونه، باستثناء أكثر من مئة جندي شهيد – بينهم 32 كوبياً – كانوا في صحبة الرئيس وارتقوا في مواجهة ملحمية مع قوات العدو على الأرض بعد أن أوقعوا إصابات بالغة في صفوفه وإحدى – أو بعض (كما في بعض الروايات) – طائراته.

انتهت العملية باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس عضو الجمعية الوطنية ونقلهما إلى الولايات المتحدة بعد تدمير جزء ليس بصغير من العاصمة كاراكاس. ومُنيت فنزويلا بهزيمة عسكرية على وقع الاختلال العميق لميزان القوة العسكرية – والسياسية في الإقليم – لصالح تفوّق واشنطن جوياً وبحرياً بفارق ضخم. وقد أعطى ترامب القيادة الفنزويلية مهلة خمس عشرة دقيقة بين قبول التفاوض القسري أو القصف الشامل لكاراكاس وتحويلها إلى ما يشبه الوضع في غزة.

ولم يكن خيار المواجهة العسكرية المباشرة مطروحاً عملياً في ظلّ الاختلال الهائل في ميزان القوى، إذ كان من المرجّح أن يقود إلى تدمير واسع للعاصمة وانهيار سريع للبنية العسكرية والإدارية للدولة، من دون قدرة فعلية على مجاراة التفوّق الأميركي جواً وبحراً. أمّا الرهانات على تدخّل صيني أو روسي مباشر فقد كانت أوهاماً، لأن لا بكين ولا موسكو ستزجّان بقوات في الكاريبي مخاطرتيْن بحرب عالمية. وعليه، انتقلت المعركة بعد الثالث من كانون الثاني/ يناير من الميدان العسكري إلى المناورة الاقتصادية والسياسية في ظلّ التهديد القائم الذي يطوّق البلاد مع بقاء الأسطول الجوي في قواعد قريبة والأسطول البحري في الكاريبي.

التراجع التكتيكي

وضمن هذا السياق القاهر أقدمت الحكومة البوليفارية برئاسة ديلسي رودريغيز على «تراجع تكتيكي» بتقديم سلسلة من التنازلات الاقتصادية والسياسية تحت وطأة التهديد المباشر بمعاودة العدوان. وعلى رأس هذه التنازلات يأتي تعديل «قانون المحروقات» الذي فتح الباب أمام الشركات المتعدّدة الجنسيات بشروط لم تكن مقبولة قبل ذلك، إلى جانب عودة بعثات صندوق النقد والبنك الدوليين إلى كاراكاس (بلا استدانة حتى الآن) بعد سنوات طويلة من القطيعة، وفتح قنوات تصدير للنفط تنطوي على ترتيبات تحصيل مالية تشرف عليها واشنطن وتخفّف من سيطرة الدولة على تدفّق العائدات للخزانة (وليس إعادة توجيهها) مع استعادة جزء من الأصول المجمّدة في الخارج، فضلاً عن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع الحكومة التي اختطفت رئيس البلاد.

كما جرى تراجع جزئي في السياسة شمل إفراجات محدودة عن سجناء كان بعضهم مُداناً في عمليات تخريب وعنف، إلى جانب ترحيل أليكس صعب، وزير الصناعة السابق، إلى الولايات المتحدة. وعلى أي حال، يظلّ الجانب الاقتصادي هو الأبرز في حزمة التنازلات التي تكشف فعلاً عن ثقل الضغوط التي تتعرّض لها الحكومة.

ولا يجوز إخفاء ثقل هذه التنازلات على أي حال، فهي تُعيد إدخال رأس المال الأجنبي إلى قطاعات حساسة وتضع جزءاً من العائدات النفطية تحت رقابة أميركية بحكم الأمر الواقع. ولذلك فإن الانتقادات التي وجّهتها أصوات تشافيزية بارزة ليست ترفاً ولا تخويناً، وإنما ممارسة لواجب وطني يحمي الثورة من الانزلاق نحو «تراجع» دائم. بيد أن تقييم ما جرى يستدعي الانتباه إلى مسألتين جوهريتين. الأولى أن تعديل قانون المحروقات كان محل نقاش قبل الثالث من كانون الثاني/ يناير بسبب الدمار الذي ألحقه الحصار بصناعة النفط، وأن استعادة الإنتاج النفطي ضرورة لا تحتمل التأجيل بعدما هبط من ذروته التي تجاوزت 2.5 مليون برميل يومياً إلى أقلّ من 800 ألف برميل في عام 2020 وحتى الربع الأخير من العام الماضي.

والثانية أن التنازلات الاقتصادية جاءت مقابل وقف التصعيد العسكري، أي إنها ثمن ظرفي لشراء الوقت يفتح باباً للمناورة على جبهات أخرى ترتبط مباشرة بالقاعدة الاجتماعية العريضة للمشروع التشافيزي. وعلى أي حال، ما زالت الخطوط الحمر للمشروع مصونة حتى الآن، فلم تجر هندسة الجيش من جديد، ولم تُحَلّ الميليشيا، وما زالت الكوميونات تواصل عملها وعلى نحو أوثق مما قبل العدوان، كما ما زالت القيادة الثورية للبلاد والحزب الحاكم ملتحمة بالسلطة الشعبية المنظّمة من القاعدة. وهذه هي الخطوط الحمر الفعلية للمشروع، أي البنى التي تجعل الثورة قابلة لإعادة إنتاج نفسها حتى في أصعب الظروف.

ديالكتيك بناء الاشتراكية

لا يوجد مشروع ثوري من دون طوباوية. علينا أن نبني جزءاً من هذا الواقع المتخيّل في هذا الواقع الذي نعيشه، وعلينا أن نعيش في هذا الجزء وأن نستكمل بناءه ونحن ننظر إلى أحلامنا الجميلة على أنها قابلة للتحقيق. وقد أوجز ماركس هذا الهدف الاستراتيجي عندما اكتشف أن بمقدور البشرية تجاوز «إنتاج القيمة» عبر «الجمعية الحرة للمُنتِجين والملكية الاجتماعية». وسيؤدي إهمال هذا الجانب الطوباوي في أي مشروع ثوري إلى انتكاسة كما سيؤدّي تضخيمه إلى النتيجة نفسها. والخيال السياسي في هذه الحالة يصبح في حدّ ذاته سيرورة الثورة عندما ينزل إلى مستوى الطبقات الشعبية في اشتباكها السياسي اليومي خلال إعادة إنتاج الحياة.

لقد فَهم لينين وماو وغيرهما هذا الدرس في الماضي، واستوعبه في فنزويلا تشافيز ومادورو بالمثل، ولذلك كانت تجربة الكوميونات الاشتراكية المناهِضة للإمبريالية في فنزويلا هي قمّة الخيال السياسي الثوري في القرن الحادي والعشرين بهدفها الطوباوي/ الاستراتيجي البعيد المنال المتمثّل في «الدولة الكوميونية» التي تنتفي معها الدولة البرجوازية ويتحقّق ضمنها مبدؤنا الماركسي القائل: «مِن كُلٍّ حسب قدرته، وإلى كُلٍّ حسب حاجته».

بيد أن المشروع الثوري يجب أن يحافظ على توازنه بين هذا الأفق الطوباوي والضغوط الواقعية التي تفرض تسويات نفعية وتحالفات ضرورية وبناء قدرات دفاعية وتكنولوجية فعّالة. وعليه، فإن مسار المشروع الثوري يكون دائماً مُتعرّجاً مليئاً بالعقبات وليس مستقيماً وسَلِساً. لقد أوجز لينين ديالكتيك بناء الاشتراكية عندما كتب منتقداً منتقدي السياسة الاقتصادية الجديدة (تضمّنت تنازلات اقتصادية للرأسمالية الخاصة) التي أقرّها في عام 1921. آنذاك كتب عن متسلّق جبل – أي السوفيتات – بلغ مرتفعاً لم يبلغه أحد من قبل، لكنه وجد الطريق أمامه مسدوداً فاضطرّ إلى النزول والبحث عن مسار آخر للصعود. والنزول في هذه الحالة أصعب وأخطر من الصعود، لأن المتسلّق يتحرّك بعيداً عن الهدف ولا يدري أين ينتهي هذا المسار الشاقّ، بينما يتفرّج عليه من الأسفل أولئك الذين لم يتسلّقوا جبلاً يوماً وهم يشمتون بتراجعه. لكنّ النزول ليس سقوطاً، وإنما شرط ضروري لإيجاد طريق جديد يوصل إلى القمّة.

عندما قابلت السوفيتات في صعودها طريقاً مسدوداً، وقّع لينين معاهدة بريست-ليتوفسك في آذار/ مارس 1918، وسلّم لألمانيا أراضيَ شاسعة تضم ملايين السكان ومناجم وحقول نفط وغاز. واتُّهم آنذاك بالخيانة من جزء كبير من اليسار الروسي والعالمي، لكن لو لم يوقّع لكانت قوات الإمبراطورية الألمانية قد اقتحمت موسكو وأنهت الثورة البلشفية في مهدها. كسب لينين بهذا التنازل المؤقّت وقتاً سمح للحكومة السوفياتية الوليدة بإعادة تنظيم قواتها وتمتين الجبهة الداخلية، وحين انهارت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى استعادت موسكو لاحقاً أغلب ما تخلّت عنه.

وعندما غزا اليابانيون الصين خلال ثلاثينيات القرن الماضي، كان الحزب الشيوعي الصيني في حرب أهلية ضارية مع حزب الكومينتانغ، الذي ذبح مئات الآلاف من الشيوعيين في الشوارع. اختار ماو آنذاك تجميد الصراع المحلي ودخل في جبهة إنقاذ وطني مع غريمه التاريخي. لقد قبِلَ الشيوعيون التحالف على مضض مع من كانوا يطاردونهم بالأمس لأن الأولوية اقتضت تحرير الأرض من الاحتلال الياباني قبل حسم الصراع الطبقي المحلي. وقد مثَّل هذا التحالف التكتيكي إدراكاً عميقاً لطبيعة التناقض الرئيسي في تلك المرحلة. وحين هُزِمَت اليابان عاد الصراع المحلي مفتوحاً، فانتصر الشيوعيون في عام 1949 وأعلنوا الجمهورية، وهو ما لم يكن ممكناً لولا المرونة التكتيكية التي مارسوها سابقاً.

ولعلّ التجربة الأقرب إلى الحالة الفنزويلية هي ما عاشته كوبا خلال «الفترة الخاصة» بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث تبخّرت سوق السكر الكوبية، وأطبق الحصار الأميركي على الجزيرة بشكل غير مسبوق. فتح كاسترو آنذاك الأبواب أمام السياحة الجماهيرية والاستثمار الأجنبي في الفنادق ضمن صيغ لم تكن مُتاحة منذ الثورة، رغم إدراكه التام لأن هذا انفتاحٌ على رأس المال في أسوأ تجلّياته. لكن البديل كان موت الجزيرة جوعاً واختفاء ما تبقّى من منجزات الثورة.

وكسبت كوبا العملة الصعبة التي احتاجت إليها للبقاء، ثم بدأت في إعادة بناء قاعدتها الإنتاجية والصحية والتعليمية على أسس مختلفة، من دون أن تتنازل عن خياراتها الأساسية، وما زالت صامدة حتى اليوم، فهي الآن تناور الإمبريالية في خِضمّ أكثر حصار مميت شهدته منذ الثورة. وفي تاريخ التشافيزية ذاتها مرجعيتان لهذا الديالكتيك. الأولى يوم الرابع من شباط/ فبراير عام 1992، حين قاد تشافيز محاولة الانقلاب وسيطرت قواته على عدد من الولايات، وكان قادراً على الاستمرار في القتال لكنه أدرك أن ذلك سيؤدّي إلى مذبحة لأنصاره وقواته.

آنذاك قال جملته الشهيرة: «في الوقت الراهن»، وفي هذه الجملة فلسفة كاملة عن الفارق بين التراجع التكتيكي المؤقّت وهزيمة المشروع الاستراتيجي. وخرج تشافيز من السجن لاحقاً ليفوز بانتخابات عام 1998 ويُطلِق مشروع بناء الاشتراكية في فنزويلا. والثانية هي حكم مادورو نفسه منذ عام 2013، حين قاد البلاد عبر حصار مميت غير مسبوق وتضخّم مفرط بلغ في ذروته أكثر من 63,000%، فلجأ إلى توسيع التعامل بالدولار داخلياً وتخفيف بعض القيود، قبل أن يعيد ترسيخ سيطرة الدولة حين سمحت الظروف.

الثورة البوليفارية مستمرّة

تكشف حصيلة خمسة أشهر أن ما حقّقه ترامب عملياً في فنزويلا هو إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل عام 2019 (مع بعض التنازلات)، أي قبل أن يفرض هو بنفسه عقوبات شديدة على البلاد. بيد أن كاراكاس حصدت مما حدث مكاسب لا يمكن إنكارها: رُفعت العقوبات جزئياً وانفتحت قنوات مع شركاء أوروبيين وآسيويين كانت مقطوعة، فيما حافظت الحكومة على سلطتها في توجيه الاستثمار ووجّهت رؤوس الأموال الجديدة نحو مناطق لم تكن مُستثمَرة من قبل. وهذا يعني أن الإمبريالية حين عجزت عن إسقاط الدولة البوليفارية بعد اختطاف الرئيس مادورو لجأت إلى احتوائها، لكنّ هذا الاحتواء نفسه تحوّل – كما يبدو حتى الآن – إلى ساحة لانتزاع مكاسب حقيقية دون التخلّي عن بُنى المشروع الثوري وأهدافه الاستراتيجية.

إن مسألة بقاء هذا التراجع في حيز التكتيك الظرفي القصير الأمد وعدم تحوّله إلى تراجع دائم أمرٌ مرهون بالكامل بقدرة الحكومة (والشعب) على توظيف الوقت الذي اشترته بهذه التنازلات في إعادة البناء وصولاً إلى اللحظة التي تتيح إعادة هيكلة ملف النفط وغيره وفق شروط مرحلة مختلفة تملك فيها كاراكاس أوراقاً إضافية ويكون الظرف الموضوعي فيها مؤاتياً، وهي تفعل ذلك بالفعل. عسكرياً، يجري تشخيص الإخفاقات التي ظهرت في الثالث من يناير وإعادة هندسة الدفاع الجوي والمنظومة الإلكترونية. واقتصادياً، تعيد الحكومة استثمار العائدات في الإنفاق الاجتماعي والكوميونات. وعلى المستوى الشعبي، تواصل القاعدة الاجتماعية للثورة عبر المجالس الكوميونية ولجان الإنتاج والإمداد استيعاب الضغط الاقتصادي ومنع تحوّله إلى انفجار داخلي يخدم العدو، كما تستمر في التعبئة للمطالبة بالإفراج عن مادورو وفلوريس وبرفع العقوبات.

ويتعيَّن على الثورة ألّا تمنح عدوَّها ما عجز عن انتزاعه بالقصف، عبر التشظّي الداخلي والاستسلام للسرديات الإمبريالية، فيما على الحكومة أن تبقى ملتحمة مع الجماهير الثورية الفاعلة وأن تحافظ قدر الإمكان على ألّا تحيد عن مسارها وهي تناور الإمبريالية تكتيكياً واضعةً الأهداف الاستراتيجية للمشروع الثوري نُصب عينيها.
إن الثورة في فنزويلا ماضية ومستمرة، وقد دخلت منعطفاً حَرِجاً تسعى للخروج منه بأقل الخسائر. ومن لم يفهم أن نزول الجبل هنا صعودٌ من نوع آخر، لن يفهم أن تراجعاً تكتيكياً يبدو مناقضاً تماماً للاستراتيجية العامة قد يكون بعينه مناورة مُصِرّة على صعود هذا الجبل!

* باحث ومترجم مصري

:::::

“الأخبار”، لبنان، 4 حزيران 2026

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….