الضفة الغربية: ضمّ زاحف باسم (القانون)، سعيد محمد

  • تواجه الضفة الغربية منعطفاً بنيوياً يهوّد هويتها القانونية والميدانية بشكل متسارع

سعيد محمد

لندن

Jul 03, 2026

تواجه الضفة الغربية منعطفاً بنيوياً يهوّد هويتها القانونية والميدانية بشكل متسارع، بعدما وافقت الحكومة الإسرائيلية في منتصف فبراير / شباط الماضي على رصد موازنة مالية تبلغ مائتين وأربعة وأربعين مليون شيكل لتأسيس وإدارة مشروع شامل يعنى بتسجيل الأراضي وتسويتها في المنطقة المصنفة (ج وفق ترتيبات اتفاق أوسلو). ويقضي هذا التدبير التنفيذي بنقل ملف السيادة العقارية على الأرض الفلسطينية من صلاحيات الإدارة المدنية التابعة للمؤسسة العسكرية إلى عهدة سلطة السجل العقاري التابعة لوزارة العدل الإسرائيلية مباشرة في خطوة سيادية بالغة الأثر تعزز الضم العقاري والمدني وتدمج هذه المناطق في الهيكل القانوني للكيان العبري.

تقول أبحاث حركة “السلام الآن” الإسرائيلية المناهضة للاستيطان اليهودي في الضفة الغربية أن المساحات المفتقرة إلى التسجيل الرسمي في المنطقة (ج) تتجاوز ثمانية وخمسين بالمئة من المساحة الكلية، ما يترك نحو المليون وسبعمائة ألف دونم تحت طائلة التهديد المباشر لمفاعيل القانون الجديد. وتعود جذور هذه الوضعية القانونية إلى عهد الإدارة الأردنية – بين عامي ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين وألف وتسعمائة وسبعة وستين -، إذ تم تقييد ثلث المساحة فقط تماشياً مع الآلية الموروثة عن حقبة الانتداب البريطاني. ولاحقاً تسببت ظروف حرب عام سبعة وستين، وما تلاها من أوامر عسكرية قضت بتجميد أعمال التسوية، في بقاء هذه المساحات الشاسعة معلقة ومعتمدة على الحيازات العرفية والمستندات العائلية القديمة.

تضع الخطة الإسرائيلية الإستراتيجية الجديدة هدفاً يقضي بإتمام أعمال المسح والتسجيل لخمسة عشر بالمئة من هذه الأراضي، ما يعادل مائتين وتسعين ألف دونم، خلال جدول زمني ينتهي بنهاية العقد الحالي. وتفرض هذه العملية على حائزي الأراضي الفلسطينيين تقديم وثائق ملكية بالغة التعقيد وخرائط هندسية مساحية دقيقة تعود إلى عهود تاريخية غابرة، وهو ما يمثل شرطاً تعجيزياً يصعب الوفاء به. ومن شأن تعذر تقديم هذه المستندات النادرة تحويل ملكية الأراضي تلقائياً لتصبح مسجلة كـ “أملاك دولة”، على نحو يشرع الأبواب أمام تخصيصها للمشاريع الاستيطانية والمزارع الرعوية مع منع أصحاب الأرض الحقيقيين من استغلالها.

انقلاب تشريعي

اتخذ الكابينت الوزاري الإسرائيلي حزمة من التعديلات القانونية الجوهرية التي تستهدف تصفية الضمانات الحمائية المعمول بها طوال العقود الماضية. وشمل التّعديل الأول إلغاء التشريعات الأردنية والمحلية السابقة لعام سبعة وستين والتي حصرت صفقات بيع العقارات بالحق الحصري للسكان الفلسطينيين المحليين، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام الشركات العقارية والمجموعات الاستيطانية الكبرى لتبني صفقات شراء واسعة النطاق في عمق التجمعات العربيّة السكنية المزدحمة.

تزامن هذا الانقلاب التشريعي مع إسقاط متطلب الحصول على “تصريح المعاملة” المسبق، وهو الإجراء الذي كان يتيح لوزارة الدفاع تدقيق الوثائق ومكافحة التزوير ومنع الاستحواذ على أراضٍ في مواقع ذات حساسية ديموغرافية أو عسكرية. كما أقرت الحكومة كذلك فتح السجلات العقارية للمراجعة العامة، محققة غاية قديمة للحركات الاستيطانية الطامحة لتعقب الملاك الغائبين، وتسهيل وضع اليد على العقارات المشاع.

تجاوزت مفاعيل هذه القرارات حدود المنطقة (ج) لتصل إلى قلب الصلاحيات الإدارية التي منحتها اتفاقيات أوسلو للسلطة الفلسطينية على مساحة أربعين بالمئة من الضفة الغربية، إذ منحت التدابير الجديدة لوكالات إنفاذ (القانون) الإسرائيلية سلطة التدخل المباشر وهدم المباني والمنشآت الفلسطينية بدعوى حماية التراث والمواقع الأثرية، وضبط معايير البيئة، ومراقبة مصادر المياه والآبار في المنطقتين (أ) و(ب).

وفي مدينة الخليل، جرى عزل البلدية المحلية الفلسطينية عن إدارة ملفات التخطيط والبناء في المركز السكاني والتجاري، ونقلت هذه الصلاحيات بالكامل إلى القيادة العسكرية الإسرائيلية، ما يمهد لتوسيع المستوطنات في قلب المدينة القديمة بمعزل عن رأي المجالس المحلية المنتخبة. وتكامل ذلك مع إنشاء هيئة خاصة لإدارة موقع قبر راحيل في بيت لحم لتخصيص الموارد المالية والإنشائية للمدارس الدينية المجاورة للموقع.

تسريع الاستيطان

توازياً، صاغت الحكومة الإسرائيلية خطة طوارئ عمرانية عاجلة تهدف إلى زرع بؤر استيطانية جديدة في ستين موقعاً معزولاً على امتداد التلال والقمم الاستراتيجية في الضفة الغربية. وتهدف هذه الخطة إلى فرض وقائع مادية معقدة يصعب التراجع عنها مستقبلاً، عبر تخصيص خمسة عشر منزلاً متنقلاً وبنيتين مجتمعيتين لكل تجمع مستهدف. وقد رصدت المؤسسات الرسمية موازنات مالية ضخمة تجاوزت المليار شيكل لتشييد شبكات طرق حديثة تربط هذه النقاط بالمستوطنات الأم، وتدمجها في المنظومة العامة للكيان.

وكانت السنوات الثلاث الأخيرة شهدت زيادة كبرى في وتيرة البناء الاستيطاني، حيث تسجل تقارير حركة “السلام الآن” قفزة بنسبة ثمانين بالمئة في معدلات الاستيطان منذ نهاية عام ألفين واثنين وعشرين. ونجحت المنظومة السياسية الحالية في منح صفة الشرعية القانونية بأثر رجعي لعشرات البؤر الاستيطانية التي كانت تصنف مخالفة للمعايير الإسرائيلية الداخلية السابقة. ترافق ذلك مع اعتماد إستراتيجية “المزارع الاستيطانية الرعوية” التي توظف قطعان الماشية كوسيلة قسرية للسيطرة على مساحات شاسعة من السهول والمراعي، ومنع أصحاب الأرض من دخولها.

تتقاطع هذه الهندسة العمرانية الاستيطانية مع الاندفاعة الكبرى لتنفيذ مشروع البناء في المنطقة الاستراتيجية الحساسة “E1” شرقي القدس، إذ طرحت السلطات مناقصات لبناء ثلاثة آلاف وأربعمائة وواحدة وحدة سكنية لتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم. وسيكون نتاج هذا التوسع قطع الاتصال الجغرافي العمراني بين مدن رام الله والقدس الشرقية وبيت لحم، على نحو يكرّس تقسيم الضفة الغربية إلى شطرين منفصلين تماماً، وينهي مقومات قيام كيان فلسطيني متصل وقابل للحياة. وتشير الدراسات الحقوقية إلى أن هذه البؤر والمزارع نجحت بالفعل في الاستحواذ على نحو أربعة عشر بالمئة من المساحة الكلية للضفة الغربية، وحرمان التجمعات الفلسطينية من استغلالها.

نهج الترحيل القسري

توضح بيانات صادرة عن منظمة العفو الدولية والأمم المتحدة أن حملات الضغط الميداني والاعتداءات المنظمة أسفرت عن تفريغ وإخلاء أكثر من مائة تجمع بدوي وقرية فلسطينية بشكل كامل أو جزئي بين مطلع عام ألفين وثلاثة وعشرين وربيع عام ألفين وسبعة وعشرين. ونشرت صحف عالمية تقارير مفصلة تعكس فداحة الأثمان الإنسانية الناتجة عن تكامل الممارسات العسكرية وهجمات قطعان المستوطنين المسلحة.

يجسد واقع المزارع والقرى في تلال رام الله والغور هذه المأساة. ففي تجمع “بدو المعرجات الشرقية”، واجه السكان المحليّون هجوماً عنيفاً قاده عشرات المستوطنين الملثمين باستخدام المركبات الرباعية، دمروا خلاله المساكن وروعوا الأطفال والنساء وسرقوا منظومات الطاقة الشمسية والممتلكات. وكان أن أجبر هذا الهجوم العنيف التجمع السكاني بأكمله على النزوح الجماعي في عتمة الليل، لتتحول منازلهم المبنية من الحجارة القديمة إلى ركام، وتصبح مدرستهم التاريخية المؤسسة عام ألف وتسعمائة وأربعة وستين مهجورة تتناثر في ساحاتها الحقائب المدرسية والمستلزمات التعليمية. وفي تجمع رأس عين العوجا قرب أريحا، واجهت مائة واثنتان وعشرون عائلة بدوية تضم أكثر من ستمائة مواطن حملة طرد مماثلة أجبرتهم على النزوح في أجواء الشتاء القارص عقب استيلاء بؤرة استيطانية رعوية على مصادر عيشهم.

كما شهدت بلدة قصرة مواجهة دامية أسفرت عن مقتل الشاب أمير عودة (28 عاماً) برصاص مباشر أطلقه مستوطنون مسلحون، وتعرض والده لطعنات متكررة وضربات قاسية أفقدته الوعي. وفي بلدة سنجل، أدت الاعتداءات الميدانية إلى مقتل الشاب سيف الله مسلّط جراء ضرب مبرح تعرض له من قطعان المستوطنين، وعثر الأهالي في الليلة ذاتها على جثمان الشاب محمد شلبي مصاباً برصاص مباشر وكدمات شديدة في الرقبة. وتعكس هذه القصص المتواترة طبيعة المخاطر الحياتية التي تحاصر المزارعين الفلسطينيين وتجعل وجودهم اليومي في حقولهم التاريخية مغامرة محفوفة بالموت، وتدفعهم إلى الرحيل.

البنية المؤسسية للاعتداءات

تثبت الوقائع الموثقة أن أعمال العنف والترهيب الميداني تنبع من سياسة عامة تتجاوز العفوية، وتتحرك ضمن هيكلية إسناد مؤسسي وقضائي متكامل توفره أجهزة الدولة العبرية. وتكشف معطيات إحصائية صادرة عن منظمة “يش دين” الحقوقية أن ستة وتسعين بالمئة من الشكاوى والتحقيقات التي تباشرها الشرطة الإسرائيلية بشأن اعتداءات المستوطنين تنتهي بالإغلاق التام وحفظ الملفات مع غياب تام لتقديم لوائح اتهام بحق الجناة. وتحظى المنظومة الشرطية بإشراف وتوجيه مباشر من وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير، الذي يمتلك تاريخاً معروفاً في الدفاع القانوني عن عناصر الجماعات المتطرفة المنخرطة في مهاجمة القرى.

وتشير إفادات كبار القادة الميدانيين في الجيش الإسرائيلي إلى وجود تعاطف واسع وتنسيق ميداني وثيق بين الجنود وعناصر البؤر الاستيطانية، إذ تكتفي القوات العسكرية في كثير من الأحيان بمراقبة الاعتداءات وتأمين الحماية للمهاجمين، هذا إن لم تشارك فعلياً في عمليات الطرد وهدم المنشآت.

وعمدت وزارة الدفاع إلى تقنين هذا الدعم عبر تأسيس وحدة إدارية مخصصة لرعاية الشبان المستوطنين المنخرطين في حركات “فتية التلال”، فضلاً عن تخصيص موازنات كبرى لشراء معدات أمنية وتقنية حديثة تشمل طائرات مسيرة ومركبات رباعية الدفع مخصصة للمناطق الوعرة. وتستخدم هذه المعدات الرسمية الممولة من خزينة الدولة بشكل يومي لملاحقة الرعاة الفلسطينيين، وتطويق التجمعات السكنية العربيّة المنعزلة.

ويساهم الخطاب السياسي المتبنى من قبل الحكومة الإسرائيلية في توفير الغطاء الكامل لهذه الممارسات، إذ يحرص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على تقزيم حجم العنف، ووصف المجموعات المنخرطة في تدمير وحرق الممتلكات بأنها مجرد “حفنة من الفتيان”. ويمنح هذا الخطاب الحماية والغطاء لنحو ألف مستوطن متطرف يشكلون كتلة صلبة منظمة تقود حملات الترحيل، وتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي على امتداد تلال وجبال الضفة الغربية.

تداعيات اقليمية

وتواجه التدابير التشريعية والميدانية الإسرائيلية إدانات دولية تستند إلى ركائز القانون الدولي الإنساني والمواثيق الأممية. محكمة العدل الدولية كانت في فتواها الاستشارية الصادرة عام ألفين وأربعة وعشرين بطلان كافة الإجراءات الهادفة إلى تغيير الهوية القانونية والديموغرافية للضفة الغربية والقدس الشرقية، معتبرة سياسات مصادرة الأراضي ونقل المجموعات السكانية ممارسات باطلة ومحظورة تفرض إنهاء الاحتلال في أسرع وقت ممكن. وتعد آلية السجل العقاري الجديدة والمصادرات الحالية خرقاً مباشراً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، كما قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الصادر عام ألفين وستة عشر.

خطوات السيطرة العقارية أثارت موجة استنكار لدى عواصم إقليمية؛ إذ وصفت وزارات الخارجية في الأردن ومصر وقطر وتركيا هذه السياسات بأنها عملية ضم فعلية وممنهجة تقضي تماماً على مقومات السلام وحل الدولتين. وبشكل خاص، يمثل هذا التحول الجغرافي القسري تهديداً مباشراً لركائز معاهدة (السلام) الأردنية-الإسرائيلية “وادي عربة” الموقعة عام ألفين وتسعمائة وأربعة وتسعين، والتي من المفترض أنها تأسست على مبدأ الحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع سيناريوهات التهجير القسري الجماعي عبر الحدود المشتركة.

تتحرك المواقف الرسمية الغربية في مسارات عديمة التأثير؛ فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن معارضته اللفظية لخطط الضم الرسمي الشامل، بينما تغض إدارته الطرف عملياً عن المشاريع العمرانية المكثفة وشبكات الطرق الجاري تشييدها في عمق الأراضي الفلسطينية. وتساهم هذه البيئة السياسية الدولية المرنة في تمكين الحكومة الإسرائيلية من استكمال هندسة الضم العقاري والبيروقراطي الهادئ، محولة جغرافية الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة ومحاصرة بالكامل بالأسوار والمواقع العسكرية والبؤر الاستيطانية الثابتة.

:::::

يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط

التالي:

https://substack.com/@counterculture68

https://counterculture1968.substack.com/p/a30?utm_campaign=email-post&r=2qtlf6&utm_source=substack&utm_medium=email

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….