خلاصة كتاب: الرأسمالية الكانيبالية – كيف يبتلع نظامنا الديمقراطية والرعاية والكوكب؟ وما الذي يمكننا فعله في هذا الشأن؟ لمؤلفته نانسي فريزر

خلاصة كتاب: الرأسمالية الكانيبالية – كيف يبتلع نظامنا الديمقراطية والرعاية والكوكب؟ وما الذي يمكننا فعله في هذا الشأن؟

المؤلفة: نانسي فريزر (Nancy Fraser)

الناشر: Verso (لندن – نيويورك)

سنة النشر: 2022

اللغة الأصلية: الإنجليزية – Cannibal Capitalism: How Our System is Devouring Democracy, Care, and the Planet – and What We Can Do About It

تمهيد

“عادت الرأسمالية”، هكذا تفتتح نانسي فريزر كتابها الأحدث، الصادر عام 2022 عن دار “فارسو”. فريزر، المنظّرة النقدية الأمريكية البارزة، وأستاذة الفلسفة والسياسة في “نيو سكول” بنيويورك، ومن أبرز ممثلي الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت، تقدّم في هذا العمل محاولة لإحداث نقلة ابستمولوجية في فهمنا للرأسمالية. فهي ترى أن العودة السطحية إلى الحديث عن الرأسمالية غير كافية، وأن الأطر الفكرية الموروثة – خاصة ذات المرجعية الماركسية – تفشل اليوم لأنها تنطلق من مرحلة الإنتاج والصراع الطبقي في لحظة تاريخية مضت، مما يؤثر جوهرياً على قدرتنا على فهم أزمات العصر الراهن.

يطرح الكتاب سؤالاً محورياً: ما هو التعريف القابل لأن يحتوي نزاعات الرأسمالية بأشكالها المعقدة؟ تجيب فريزر بأن الرأسمالية ليست مجرد نظام اقتصادي، بل نظام مجتمعي ممأسس له شروطه المادية واللامادية، والتي تكمن فيها أيضاً دواعي أزماته واندثاره. تستخدم فريزر استعارة “الكانيبالية” (أكل لحوم البشر) بمنطق مقلوب: فالمصطلح الذي استخدمه الأوروبيون استعمارياً لنعت الشعوب التي استعمروها بـ”آكلي لحوم البشر”، تعيد فريزر توظيفه للإشارة إلى طبقة الرأسماليين التي تتغذى على الآخرين، وعلى المقومات التي تمكنها من البقاء، لدرجة أنها تلتهم شروط وجودها ذاتها. وغلاف الكتاب الذي يظهر ثعبان “الأوروبوروس” الذي يلتهم ذيله، يجسّد هذه الفكرة: رأسمالية تلتهم نفسها بنهم.

معاني “الكانيبالية” الأربعة في الكتاب:

تستخدم فريزر مصطلح “الكانيبالية” بأربعة معانٍ مترابطة:

المعنى الأول (البيولوجي): أن يتغذى كائن ما على نوعه الحيواني ذاته، في إشارة إلى الرأسمالية التي تدمر أسس وجودها بنفسها، وهو ما يعيد إلى الأذهان قول ماركس “الرأسمالية حفارة قبرها”، لكن بمنظور أوسع ومختلف عند فريزر.

المعنى الثاني (المجازي): حرمان منشأة أو مؤسسة من أحد العناصر الأساسية لاشتغالها بغرض إحداث عنصر آخر أو الحفاظ عليه. وهذا ينطبق على منطق الرأسمالية التي يستنزف جانبها الاقتصادي الجوانب غير الاقتصادية من النظام (الأسر، المجتمعات المحلية، النظم البيئية، نفوذ الدولة).

المعنى الثالث (الفلكي): التهام جسم سماوي أجساماً أخرى عن طريق قوة الجذب، وهو وصف ملائم للعملية التي يجذب بها رأس المال الثروة الطبيعية والاجتماعية من مناطق الهامش ضمن النظام العالمي.

المعنى الرابع (الميثولوجي): مستمد من أسطورة “الأوروبوروس”، الثعبان الذي يقضم ذيله ويلتهم نفسه، وهو المشهد الذي اختارته فريزر صورةً لغلاف الكتاب للدلالة على التطابق بين هذا الكائن الأسطوري والنظام الرأسمالي المصمم على التهام الأسس الاجتماعية والسياسية والطبيعية لوجوده.

الفكرة المركزية

ترى نانسي فريزر أن الرأسمالية المعاصرة ليست مجرد نظام اقتصادي يقوم على استخراج الأرباح وتراكمها، بل هي نظام اجتماعي شامل “كانيبالي” (آكل لحوم البشر) يلتهم مقومات وجوده الأساسية: الديمقراطية، والرعاية الاجتماعية، والطبيعة، والمجتمعات المهمّشة. فهي لا تستغل العمال فحسب، بل تفترس أيضاً أعمال الرعاية غير المدفوعة (التي تقوم بها النساء غالباً)، والموارد الطبيعية للكوكب، والمجتمعات المهمشة عرقياً، والمؤسسات الديمقراطية التي تمنحها الشرعية.

تؤكد فريزر أن الأزمات المتعددة التي نعيشها اليوم – البيئية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية – ليست منفصلة، بل هي أوجه مترابطة لأزمة رأسمالية واحدة. فالرأسمالية، في سعيها الدائم لتراكم رأس المال، تُحدث فجوات بنيوية بين “القصة الأمامية” (الاقتصاد، الإنتاج، العمل المأجور) و”القصص الخلفية” (الطبيعة، أعمال الرعاية، السلطة السياسية، المصادرة الاستعمارية) التي تعتمد عليها، ثم تنكر اعتمادها عليها وتفشل في إعادة إنتاجها، مما يهدد استقرار المجتمع والحياة على الكوكب.

المحاور الأساسية

المحور الأول: الرأسمالية كنظام اجتماعي ممأسس – تجاوز الاقتصادوية

ترفض فريزر النظرة المختزلة للرأسمالية كمجرد نظام اقتصادي، وتقدم بدلاً من ذلك مفهوماً موسعاً يراها نظاماً اجتماعياً شاملاً يتكون من أربع مجالات مترابطة (أو “قصص خلفية”) هي الشروط القبلية لوجودها واستمرارها، وتشكل “الأساس الخفي للتراكم”:

المجال الاقتصادي: الإنتاج، العمل المأجور، تراكم رأس المال، استغلال الطبقة العاملة (القصة الأمامية).

المجال البيئي: الطبيعة، الموارد، المناخ (قصة خلفية تمد الاقتصاد بالمواد الخام والطاقة).

المجال الاجتماعي-الإنجابي: أعمال الرعاية غير المدفوعة (تربية الأطفال، رعاية المرضى، الأعمال المنزلية) التي تقوم بها النساء غالباً (قصة خلفية تنتج وتجدد قوة العمل).

المجال السياسي-القانوني: السلطة العامة، القوانين، المؤسسات الديمقراطية (قصة خلفية تنظم وتحمي الملكية والعقود).

المجال الاستعماري-الإمبراطوري: المصادرة، التوسع، استغلال المجتمعات المهمشة عرقياً في الأطراف والمراكز (قصة خلفية توفر أراضي وموارد وعمالة رخيصة).

وتجادل فريزر بأن استخدامها مصطلح الرأسمالية ليس – كما هو شائع – مجرد تسمية لنظام اقتصادي يعتمد على الملكية الخاصة وتبادل السوق والعمل المأجور والإنتاج من أجل الربح. فهذا التعريف في نظرها شديد الضيق، يحجب الطبيعة الحقيقية للنظام بدلاً من أن يكشف عنها.

المحور الثاني: الحقب التاريخية للرأسمالية وطرق التراكم

تقدم فريزر سردية مغايرة حول الرأسمالية، تتيح لنا إلقاء نظرة كرونولوجية على تاريخها، في ثلاث حقب مختلفة، بدءاً من الحقبة الميركانتيلية (القرن السادس عشر إلى الثامن عشر)، ومروراً بـالحقبة الصناعية (القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين)، ثم وصولاً إلى الحقبة ما بعد الصناعية القائمة على الأموّلة (من السبعينيات حتى اليوم). وذلك عبر تحليل وتتبع للطرق والآليات التي تتراكم بوساطتها “الثروة” في كل حقبة وأشكال توزيعها، والكشف عن الشروط القبلية الاقتصادية وغير الاقتصادية التي تتيح عملية المراكمة، وفهم أشكال التمفصل بين المجالات المختلفة في كل حقبة.

المحور الثالث: الفجوات البنيوية والأزمات المتعددة المترابطة

يفصل الكتاب في كل فصل من فصوله اللاحقة إحدى هذه “الفجوات” بين القصة الأمامية والقصص الخلفية، لكن فريزر تصر على أن هذه الأزمات ليست منفصلة، بل مترابطة عضوياً ضمن أزمة مجتمعية واحدة:

الفجوة البيئية (الطبيعة الملتهمة): تفصل الرأسمالية الاقتصاد عن الطبيعة، وتستنزف الموارد وتدمر المناخ، مهددة شروطها المادية للوجود. ترى فريزر أن السياسة البيئية يجب أن تكون عابرة للحدود البيئية، مرتبطة بالمخاطر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن الحل لا يمكن أن يكون إلا من خلال نهج مضاد للهيمنة، متصل على نحو وثيق بالتهديدات التي تشكل خيوط أزمة مجتمعية كبرى.

فجوة الرعاية الاجتماعية (التهام الرعاية): تفصل العمل المأجور عن أعمال الرعاية غير المدفوعة، وتستغل عمل النساء وتفشل في إعادة إنتاج قوة العمل. توضح فريزر أن الرعاية الاجتماعية تعد من الموارد الأساسية لاستمرار أي مجتمع وإعادة إنتاجه، وهي شرط ضروري للتراكم المستدام لرأس المال. التناقض الاجتماعي هو أحد أبرز تناقضات الرأسمالية؛ فالرأسمالية تعمل على امتصاص أنشطة الرعاية واستنزافها وتقويض أسسها، مما يسبب أزمة النظام الاجتماعي بأكمله. أزمة الرعاية ليست خاصة بالحقبة النيوليبرالية فقط، بل متأصلة في كل مراحل الرأسمالية التاريخية، وإن كانت تتخذ مظاهر مختلفة بحسب كل مرحلة.

الفجوة السياسية (مذبحة الديمقراطية): تفصل الاقتصاد عن السلطة العامة، وتجرد الديمقراطية من محتواها، وتحولها إلى أداة لخدمة المصالح الرأسمالية. تحلل فريزر الأزمة السياسية لعالمنا اليوم، مؤكدة أنها جزء لا يتجزأ من الأزمة الشاملة، وليست أزمة قائمة بذاتها. وتنتقد “السياسوية” (قياساً على الاقتصادوية) التي تتعامل مع النظام السياسي كنظام يقرر مصيره بنفسه، متجاهلة العوامل خارج-السياسية. التناقض السياسي عنصر بنيوي منقوش في الحمض النووي للرأسمالية، وأزمة الديمقراطية اليوم هي الشكل الذي يتخذه هذا التناقض في حقبة الأموّلة.

فجوة المصادرة (الاستعمار والإمبريالية): تفصل استغلال العمال البيض عن مصادرة واستغلال المجتمعات المهمشة عرقياً، وتربط العنصرية والإمبريالية بمنطق التراكم الرأسمالي.

المحور الرابع: “النهم” وانهيار شروط الوجود

السمة الأساسية للرأسمالية الكانيبالية هي “النهم”، أي أنها لا تكتفي باستغلال هذه المجالات، بل تسعى إلى تفكيكها وتدميرها في سعيها الدائم لتحقيق أرباح غير محدودة. فالرأسمالية ليست نظاماً مكتفياً ذاتياً، بل “تركب مجاناً” على هذه المجالات (الطبيعة، الرعاية، السياسة، المصادرة) دون أن تعيد استثمار ما تستهلكه. يؤدي هذا إلى زعزعة استقرار هذه المجالات، مما يهدد في النهاية شروط إمكانية استمرار الرأسمالية نفسها.

المحور الخامس: نحو اشتراكية القرن الحادي والعشرين – البديل الممكن

في الفصل الأخير من الكتاب (قبل الخاتمة)، تسعى فريزر لتطوير مفهوم موسع للاشتراكية، بما هي مشروع بديل قادر على تجاوز مجموع تناقضات المجتمع الرأسمالي المعاصر. تتجاوز الفهم الضيق للاشتراكية (تغيير علاقات الإنتاج الاقتصادية) إلى فهم يستحضر أهمية تغيير العلاقات الأخرى التي تشكل الشروط القبلية للنظام الاقتصادي:

علاقات إعادة الإنتاج الاجتماعي (الرعاية).

علاقة نظام الإنتاج بالسلطة السياسية (الديمقراطية).

مختلف أشكال الثروة الواقعة خارج النطاق الرسمي للاقتصاد (الطبيعة، الخيرات العمومية، ثروات الشعوب المهمشة).

هذا التغيير الجذري لهذه العلاقات لا بد من أن يستهدف القضاء على الاستغلال الرأسمالي للعمل المأجور، إضافة إلى كل أشكال المصادرة التي تقات عليها الرأسمالية (مصادرة أنشطة الرعاية، الموارد الطبيعية، الخيرات العمومية، السلطة السياسية)، والقضاء على كل أشكال التمييز العنصري التي تشكل وقوداً للاضطهاد الرأسمالي. وهكذا، لن تصير قضايا الجندر والجنسانية والعنصرية والبيئة والإمبريالية والديمقراطية مجرد موضوعات ثانوية، بل ستصير من صميم مشروع البديل المجتمعي الاشتراكي. وتشير فريزر إلى أن مفهومها للاشتراكية يختلف عن النموذج السوفياتي من ناحية، وعن التصورات الديمقراطية الاجتماعية من ناحية أخرى.

المحور السادس: جائحة كوفيد-19 كنموذج للكانيبالية

تخصص فريزر خاتمة الكتاب لمناقشة جائحة كوفيد-19 باعتبارها “وليمة كانيبالية”، حيث كشفت الجائحة بوضوح كيف تستغل الرأسمالية العاملين الأساسيين (خاصة من النساء والمجتمعات المهمشة) وتفشل في حمايتهم، بينما تضاعف الأثرياء ثرواتهم. تعتبر فريزر أن هذا الوباء حلقة في سلسلة طويلة من الأوبئة التي انبثقت من الاضطرابات التي ألحقتها الرأسمالية بالبيئة، ومن اختلال التوازنات الطبيعية، نتيجة الاستنزاف المفرط للغابات والقضاء على شروط حياة الكثير من الأنواع الطبيعية. الجائحة، في نظر فريزر، ليست استثناءً، بل تكثيف للاتجاهات الكانيبالية للرأسمالية، ومؤشر واضح على هول الكارثة التي تحيق بالعالم في أثناء استمرار عبث الرأسمالية النيوليبرالية.

الاستقبال النقدي للكتاب

التأثير الإيجابي:

يُعد الكتاب توليفة رائعة لمساهمات فريزر السابقة في نظرية ماركسية للرأسمالية في القرن الحادي والعشرين.

وضوح النثر وابتكار المفاهيم: أشاد النقاد بقدرة فريزر على تقديم حجج معقدة بلغة واضحة ومقنعة، وربط بين قضايا تبدو متباعدة كالعنصرية، وأزمة الرعاية، والتغير المناخي، وإفراغ الديمقراطية.

تجسير الفجوات بين الحركات: يوضح الكتاب أن الصراع الطبقي لا ينفصل عن الصراعات من أجل العدالة العرقية والجنسية والبيئية والديمقراطية، مما يوفر أرضية مشتركة لحركات اليسار المختلفة.

القوة البلاغية: تميز الكتاب بأسلوب بلاغي استعاري يمتح مفرداته واستعاراته من حقل التوحش والحيوانية، مصورةً مشاهد الافتراس الرأسمالي، مما شكل قوة الأسلوب البلاغي للكتاب وجعل القارئ يستشعر جسامة الخطر والتهديد الذي يشكله النظام الرأسمالي تجاه الحياة في بعديها الطبيعي والبشري.

النقد السياسي والمنهجي:

الجمهور الأكاديمي: أشار بعض النقاد إلى أن الفصول الستة (باستثناء الخاتمة) كانت في الأصل محاضرات جامعية ومقالات أكاديمية، مما قد يجعل النص كثيفاً بالإشارات الفكرية لقراء غير متخصصين.

التركيز على الولايات المتحدة: رغم أن الملاحظات الأساسية عالمية، إلا أن معظم التفاصيل التاريخية والمعاصرة تركز على الولايات المتحدة.

النبرة: لاحظ بعض المراجعين وجود تباين أحياناً بين الجدية العميقة والنبرة الشعبوية، لكن هذا وُصف بأنه “تفاصيل تافهة”.

نبذة عن المؤلفة

نانسي فريزر هي منظّرة نقدية أمريكية، وأستاذة الفلسفة والسياسة في “نيو سكول فور سوشال ريسيرش” في نيويورك. تُعتبر من أبرز ممثلي الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، ومن أهم البارزين في الفلسفة النسوية الأمريكية. تمتد كتاباتها على مدى عقود في مجالات العدالة الاجتماعية، وإعادة التوزيع والاعتراف، والنظرية النسوية، ونقد الرأسمالية. من أبرز أعمالها السابقة: “Justice Interruptus” (1997)، و”Scales of Justice” (2008)، و”Fortunes of Feminism” (2013). تتميز فريزر بقدرتها على الربط بين التحليل الماركسي للطبقة والنضالات من أجل الاعتراف والهوية، داعية إلى رؤية متكاملة للعدالة الاجتماعية. وهي من أهمّ البارزين في الفلسفة النسوية الأمريكية، ومن أهم ممثلي الجيل الثالث للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت.

المغزى الفكري

يكمن المغزى العميق لكتاب فريزر في دعوته إلى توسيع فهمنا للرأسمالية، وعدم اختزالها في ظواهر اقتصادية. فالرأسمالية، وفقاً لفريزر، ليست مجرد نظام لإنتاج السلع، بل نظام اجتماعي شامل يعيد إنتاج نفسه من خلال استهلاك مقوماته الأساسية. هذا الفهم الموسع يسمح لنا برؤية الترابط بين الأزمات التي تبدو منفصلة: فالتغير المناخي، واستنزاف أعمال الرعاية، والعنصرية، وإفراغ الديمقراطية، ليست قضايا منعزلة، بل أعراض لنفس المرض: كانيبالية الرأسمالية. تدعونا فريزر إلى التفكير في بديل جذري، ليس فقط في نمط الإنتاج، بل في طريقة تنظيم المجتمع ككل، حيث تُعاد الاعتبارات للطبيعة، وللرعاية، وللديمقراطية، وللمجتمعات المهمشة، في إطار اشتراكية بيئية نسوية تختلف عن النماذج السوفياتية والديمقراطية الاجتماعية على حد سواء. كما أن القوة البلاغية للكتاب تجعله أقرب إلى “دق ناقوس الخطر” منه إلى مجرد تحليل أكاديمي.

الخلاصة النهائية

“الرأسمالية الكانيبالية” هو كتاب موجز، مكثف، وملحّ، يقدّم تشخيصاً دقيقاً لأزمات العصر الراهن من منظور نقدي موسع. تنجح نانسي فريزر في تفكيك الواجهة الاقتصادية للرأسمالية لكشف شبكة الاعتماد الخفية على الطبيعة، وأعمال الرعاية غير المدفوعة، والسياسة الديمقراطية، والمصادرة الاستعمارية. وتُظهر كيف أن نهم الرأسمالية في التهام هذه المقومات يُهدد بإبادة شروط وجودها ذاتها، مثل ثعبان “الأوروبوروس” الذي يلتهم ذيله. الكتاب ليس مجرد نقد، بل هو أيضاً دعوة للعمل، لتشكيل تحالفات جديدة بين الحركات الاجتماعية المختلفة (النسوية، البيئية، المناهضة للعنصرية، العمالية) لبناء رؤية مشتركة لمستقبل ما بعد الرأسمالية، قائم على العدالة الاجتماعية والبيئية، من خلال مشروع اشتراكي موسع يعيد الاعتبار للمجالات الأربعة التي تلتهمها الرأسمالية. يبقى السؤال الذي يطرحه الكتاب: هل يمكننا كسر هذه الدورة الكانيبالية قبل أن تلتهم نفسها بالكامل، في وقت تكشف فيه جائحة كوفيد-19 عن وحشية هذا النظام؟

سؤال للنقاش

ترى نانسي فريزر أن الرأسمالية ليست مجرد نظام اقتصادي، بل نظام اجتماعي “كانيبالي” يلتهم مقومات وجوده: الطبيعة، وأعمال الرعاية، والديمقراطية، والمجتمعات المهمشة. وتؤكد أن الأزمات البيئية، والاجتماعية، والسياسية الحالية هي أوجه مترابطة لأزمة رأسمالية واحدة، ناتجة عن الفجوات البنيوية التي تخلقها الرأسمالية بين “القصة الأمامية” (الاقتصاد) و”القصص الخلفية” (شروط الوجود) التي تعتمد عليها وتفشل في إعادة إنتاجها. وتدعو إلى مشروع اشتراكية بيئية نسوية تتجاوز النماذج السوفياتية والديمقراطية الاجتماعية، وتستهدف القضاء على الاستغلال الاقتصادي ومصادرة الرعاية والطبيعة والسياسة معاً.

وفي المقابل، يرى بعض المنتقدين أن هذا الطرح قد يبالغ في تبسيط تعقيدات النظام الرأسمالي، ويتجاهل التنوع الكبير داخل الأنظمة الرأسمالية الوطنية، ودور السياسات الحكومية والحركات الاجتماعية في تحقيق إصلاحات داخل الإطار الرأسمالي. كما أن التركيز على “الكانيبالية” قد يحجب إمكانية الإصلاح التدريجي والتكيف المؤسسي. كما أن مشروع الاشتراكية الموسع قد يظل طوباوياً بعيد المنال في ظل غياب قوى اجتماعية قادرة على تحقيقه.

السؤال هو: في ظل التفاقم المتسارع للأزمات المناخية، واتساع فجوات عدم المساواة، وتراجع الديمقراطيات الليبرالية، هل ما زالت أطروحة فريزر عن “الرأسمالية الكانيبالية” صالحة لفهم أزمات العصر الراهن، أم أن هناك حاجة إلى نماذج تحليلية أكثر دقة تأخذ في الاعتبار تنوع الرأسماليات الوطنية وإمكانيات الإصلاح داخلها؟ وكيف يمكن للحركات الاجتماعية المختلفة (النسوية، البيئية، العمالية، المناهضة للعنصرية) أن تتحد في إطار رؤية مشتركة للتغيير، دون أن تفقد خصوصية كل حركة وأولوياتها؟ وهل يمكن للتحول نحو “الاشتراكية البيئية النسوية” التي تدعو إليها فريزر أن يكون بديلاً عملياً قابلاً للتحقيق، أم أنه يبقى طوباوياً بعيد المنال في غياب قوى اجتماعية منظمة قادرة على تحقيقه؟

:::::

المصدر: صفحة الفيس بوك

https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=pfbid0PPSW6KqBa1AnJBD9F6bRnERUPGwUCQ9JdC3meg6CzWQF1yCBt4Zh177TTUdwuDRTl&id=100010399395833&_rdr

Wafynasr Nasr’s post

Wafynasr Nasr

prSdontosef8124h47a5185a8m5gmt9864ttcutgh0gc0504h9h8c9c131um  ·

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….