مقالات مترجمة l من «ابتزاز» الحلفاء إلى «جاهزية 2030» … كيف تعيد واشنطن هندسة الناتو؟ ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

30 تموز يوليو 2026

تهديدات ترامب بالانسحاب تبدو في ظاهرها أزمة داخل الحلف، لكنها قد تكون جزءًا من عملية أوسع لإعادة توزيع الأعباء والأدوار استعدادا لمرحلة جديدة من الصراع الأوروبي.

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عاد الحديث مجددًا عن مستقبل حلف الناتو، لكن هذه المرة في ظل بيئة دولية تختلف جذريًا عما كانت عليه خلال ولايته الأولى. فالحرب في أوكرانيا أعادت رسم أولويات الأمن الأوروبي، والتوتر مع روسيا بات السمة الأكثر حضورًا في الحسابات الإستراتيجية الغربية، فيما تحولت قضية الإنفاق العسكري إلى معيار أساسي لقياس جدية الحلفاء. وفي هذا السياق، يطرح الاقتصادي والمفكر الروسي البروفيسور فالنتين كاتاسونوف، في مقالين نشرهما موقع «صندوق الثقافة الإستراتيجية» يومي 15 و20 يوليو/تموز 2026، قراءة ترى أن الجدل حول انسحاب الولايات المتحدة من الناتو يخفي تحولًا أكثر عمقًا يتعلق بإعادة تعريف وظيفة الحلف وتوزيع الأدوار داخله.

يرفض كاتاسونوف النظر إلى تصريحات ترامب بشأن احتمال خروج بلاده من الناتو بوصفها تعبيرًا عن رغبة حقيقية في تفكيك الحلف، ويعتبر أنها كانت، منذ البداية، «وسيلة إبتزاز طويلة الأمد» هدفت إلى دفع الأوروبيين نحو تحمل جزء أكبر من الأعباء العسكرية والمالية. فمن وجهة نظره، لم يكن الرئيس الأمريكي يسعى إلى الانسحاب، بل إلى تغيير قواعد العلاقة داخل التحالف، بحيث تتحول أوروبا من شريك يعتمد على المظلة الأمريكية إلى طرف يتحمل القسم الأكبر من كلفة المواجهة المقبلة.

قمة أنقرة… بداية مرحلة جديدة

ويجد الكاتب في قمة الناتو التي إستضافتها تركيا نقطة تحول مهمة. فرغم أن البيان الختامي جاء مقتضبًا، فإنه تضمن، بحسب قراءته، مؤشرات عملية على أن الضغوط الأمريكية بدأت تؤتي ثمارها. فقد أعلن الحلف عن زيادة كبيرة في الإستثمارات الدفاعية الأوروبية والكندية، إلى جانب إطلاق برامج تسلح جديدة وتوسيع القدرات الصناعية العسكرية، في خطوة يراها كاتاسونوف إنتقالًا من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة الإعداد طويل الأمد.

ويقتبس من البيان الختامي إعلان الحلف أن الدول الأوروبية وكندا «زادت إستثماراتها في الإحتياجات الدفاعية الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار»، إضافة إلى الإعلان عن «مشتريات جديدة تتجاوز 50 مليار دولار»، معتبرًا أن هذه الأرقام تعكس تغيرًا في طبيعة الدور الأوروبي داخل المنظومة الأطلسية، أكثر مما تعكس مجرد إرتفاع في الموازنات الدفاعية.

ومن هنا يخلص إلى أن تهديدات ترامب بالإنسحاب تراجعت حدتها لأن الهدف الأساسي تحقق جزئيًا، إذ بدأت الحكومات الأوروبية بالفعل برفع إنفاقها العسكري، وباتت أكثر إستعدادًا لتحمل المسؤوليات التي طالبت بها واشنطن طوال السنوات الماضية.

«الجاهزية 2030»… أكثر من مجرد خطة دفاعية

ولا يتوقف التحليل عند الأرقام، بل يمتد إلى قراءة التحولات السياسية والعسكرية التي رافقت المشروع الأوروبي المعروف اليوم باسم «الجاهزية 2030». ويرى كاتاسونوف أن تغيير إسم المشروع من «إعادة تسليح أوروبا» إلى «الجاهزية 2030» ليس تفصيلًا لغويًا، بل يعكس إنتقالًا من مرحلة بناء القدرات إلى مرحلة الإستعداد ضمن جدول زمني واضح.

ويكتب أن أوروبا، وفق هذا التصور، مطالبة بأن تكون «في جاهزية قتالية كاملة بحلول عام 2030»، وهو ما يربطه أيضًا بقرار الحلف رفع الإنفاق الدفاعي تدريجيًا إلى خمسة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، موزعة بين الإنفاق العسكري المباشر وتطوير البنية التحتية الدفاعية والصناعات العسكرية.

ومن وجهة نظره، فإن هذه القرارات تشير إلى أن الحلف لم يعد يكتفي بسياسة الردع التقليدية، بل يعمل على بناء قدرة عسكرية مستدامة تتلاءم مع بيئة أمنية يعتبرها مرشحة لمزيد من التصعيد.

شرق أوروبا… مركز الثقل الجديد

ويخصص كاتاسونوف مساحة واسعة للحديث عن التحول الجغرافي داخل الحلف، معتبرًا أن مركز الثقل العسكري ينتقل تدريجيًا من أوروبا الغربية إلى أوروبا الوسطى والشرقية. ويشير إلى أن بولندا ودول البلطيق تتصدر اليوم معدلات الإنفاق العسكري قياسًا بالناتج المحلي، بل إن بعضها تجاوز الولايات المتحدة نفسها في هذا المؤشر.

ويصف هذه الدول بأنها «رأس الحربة» في التصور العملياتي الجديد للناتو، مستندًا إلى الزيادة المتواصلة في موازناتها الدفاعية، والتوسع في شراء الأسلحة، وإنشاء قواعد ومراكز لوجستية ومستودعات ذخيرة بالقرب من الحدود الروسية.

وفي هذا السياق، يربط الكاتب بين إستمرار الحرب في أوكرانيا وبين إعادة توزيع الأدوار داخل الحلف، معتبرًا أن أوكرانيا تؤدي اليوم دور خط المواجهة الأول، بينما يجري إعداد دول أوروبا الشرقية لتكون العمق العسكري المتقدم في السنوات المقبلة، في حين تركز أوروبا الغربية بصورة متزايدة على الإنتاج العسكري والدعم اللوجستي.

واشنطن… قيادة أقل كلفة وأكثر ربحًا

ومن أبرز ما يطرحه كاتاسونوف أن التحولات الجارية لا تعني تراجع الدور الأمريكي، بل إعادة صياغته. فالولايات المتحدة، بحسب تحليله، تسعى إلى تخفيف كلفة وجودها العسكري المباشر في أوروبا، مع الإحتفاظ بقيادة الحلف سياسيًا وعسكريًا، وفي الوقت نفسه الإستفادة من الزيادة الكبيرة في مشتريات الأوروبيين من الصناعات العسكرية الأمريكية.

ويرى أن العلاقة الجديدة داخل الناتو تقوم على معادلة بسيطة: أوروبا تنفق أكثر، وتتحمل مسؤوليات أكبر، بينما تستمر واشنطن في توجيه المسار الإستراتيجي للحلف والإستفادة إقتصاديًا من عملية إعادة التسلح.

غير أن هذه القراءة تمثل رؤية روسية بالأساس، إذ تؤكد دول الناتو أن زيادة الإنفاق العسكري، وتعزيز الوجود في شرق أوروبا، وتطوير البنية التحتية الدفاعية، جاءت إستجابة للمتغيرات الأمنية التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، وأن هدفها هو تعزيز الردع ومنع إتساع النزاع، لا التحضير لحرب مع روسيا.

ومع ذلك، يبقى الثابت أن الحلف يشهد أكبر عملية إعادة تنظيم منذ نهاية الحرب الباردة، سواء من حيث توزيع الأعباء أو إعادة تموضع القوات أو تسارع وتيرة الإنفاق العسكري. ولذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستغادر الناتو، بل ما إذا كانت بصدد إعادة تشكيله بما يتوافق مع مرحلة دولية جديدة تتراجع فيها الحروب المحدودة، ويعود فيها التنافس بين القوى الكبرى إلى صدارة المشهد.

***

المصدر:

فالنتين كاتاسونوف

مفكر وإقتصادي وبروفيسور روسي

-بتاريخ 15 يوليو/تموز 2026 بعنوان «هل يمكن لأمريكا أن تغادر الناتو؟»، -و20 يوليو/تموز 2026 بعنوان «قمة الناتو في تركيا: الزحف نحو الشرق».

 «مؤسسة الثقافة الإستراتيجية»

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/