حرب الغرب ضد إيران: كيف تُسرّع المواجهة تفكك الهيمنة المالية الأمريكية؟ عبد العزيز بن صالح

22 يوليو 2026

ليست الحروب الكبرى مجرد مواجهات عسكرية تُحسم في ميادين القتال بل هي أيضا لحظات تاريخية تعيد تشكيل النظام الدولي وتُحدث تحولات عميقة في الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. ومن هذا المنظور لا يمكن النظر إلى المواجهة الغربية مع إيران باعتبارها نزاعا إقليميا. يقتصر على أمن الخليج أو البرنامج النووي الإيراني بل بوصفها اختبارا لموازين القوة العالمية في مرحلة انتقالية يتراجع فيها النظام الأحادي الذي تشكل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بينما تتقدم قوى جديدة تسعى إلى إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والمالي.

هذا ما يذهب إليه عدد من الباحثين وفي مقدمتهم الأكاديمي النرويجي جلين ديسين والمحلل المالي الصيني شون فو، اللذان يريان أن الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران قد تحقق مكاسب تكتيكية محدودة، لكنها في المقابل تُسرّع عملية إعادة تشكيل النظام الدولي وتدفع عددا متزايدا من الدول إلى البحث عن بدائل للهيمنة الأمريكية.

الإمبراطوريات لا تسقط عسكريا فقط

يُعلّمنا التاريخ أن الإمبراطوريات نادرا ما تنهار بسبب هزيمة عسكرية مباشرة، بل تبدأ رحلة التراجع عندما تصبح تكلفة المحافظة على النفوذ الخارجي أكبر من قدرة الاقتصاد الوطني على تحملها.

هذا ما حدث للإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، حين خرجت منتصرة عسكريا لكنها منهكة ماليا، واضطرت إلى التخلي تدريجيا عن مستعمراتها. واليوم يطرح كثير من الباحثين السؤال نفسه بشأن الولايات المتحدة التي تجد نفسها أمام التزامات أمنية وعسكرية تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وصولا إلى المحيطين الهندي والهادئ، في وقت تتزايد فيه أعباء الدين العام والعجز المالي.

لقد تجاوز الدين الفيدرالي الأمريكي 39 تريليون دولار، فيما تستنزف خدمة الدين جزءا متزايدا من الميزانية. ومع كل أزمة دولية جديدة ترتفع كلفة الإنفاق العسكري فتدخل المالية الأمريكية في حلقة معقدة من الاقتراض والعجز وارتفاع الفوائد.

هرمز… نقطة الاختناق في الاقتصاد العالمي

تُدرك إيران أن ميزان القوى التقليدي لا يميل لصالحها، ولذلك بنت استراتيجيتها على مفهوم الردع غير المتماثل الذي يقوم على امتلاك القدرة على رفع كلفة أي مواجهة عسكرية.

ويُعد مضيق هرمز أبرز أدوات هذا الردع إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط البحرية العالمية. لذلك فإن مجرد التهديد بتعطيل الملاحة يكفي لرفع أسعار النفط وإرباك الأسواق المالية.

ولا تقتصر النتائج على قطاع الطاقة بل تمتد إلى التضخم العالمي. وأسعار الغذاء وسلاسل الإمداد وأسواق المال، ما يجعل أي حرب في الخليج حدثا اقتصاديا عالميا قبل أن يكون مواجهة عسكرية.

عندما يتحول الدولار من امتياز إلى أداة ضغط

منذ سبعينيات القرن الماضي، شكّل نظام البترودولار أحد أهم مصادر القوة الأمريكية، إذ أدى ربط تجارة النفط بالدولار إلى تكريس الطلب العالمي على العملة الأمريكية ومنح واشنطن قدرة استثنائية على تمويل عجزها وفرض عقوباتها.

غير أن الإفراط في استخدام الدولار ونظام “سويفت” كوسائل للضغط السياسي دفع عددا متزايدا من الدول إلى مراجعة حساباتها.

فالصين وروسيا والهند، إلى جانب عدد من الاقتصادات الصاعدة وسّعت استخدام العملات الوطنية في التجارة البينية، كما ارتفعت مشتريات البنوك المركزية من الذهب إلى مستويات تاريخية. في مؤشر على تنامي الرغبة في تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار.

ولا يعني ذلك أن الدولار سيفقد مكانته قريبا. لكنه يكشف عن اتجاه استراتيجي يتمثل في تقليص احتكاره للنظام المالي العالمي.

التكنولوجيا… المعركة التي لا تقل أهمية عن النفط

إذا كان النفط هو وقود الاقتصاد الصناعي فإن البيانات والرقائق الإلكترونية أصبحت وقود الاقتصاد الرقمي.

ولهذا تحولت صناعة أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي إلى ساحة المنافسة الرئيسية بين الولايات المتحدة والصين.

وقد راهنت واشنطن على إبطاء التقدم الصيني عبر فرض قيود على تصدير الرقائق المتقدمة، لكن النتائج جاءت أكثر تعقيدا ́،إذ دفعت هذه القيود بكين إلى الاستثمار بكثافة في بناء منظومة تكنولوجية مستقلة، وهو ما سرّع وتيرة الابتكار المحلي بدلا من إيقافه.

وفي المقابل، فإن استمرار التوتر في الشرق الأوسط يهدد مشاريع تحويل المنطقة إلى مركز عالمي لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، لأن هذا القطاع يحتاج إلى بيئة مستقرة وطاقة آمنة واستثمارات طويلة الأجل.

العالم يدخل مرحلة انتقالية

ربما يكون أهم ما تكشفه الأزمة هو أن النظام الدولي يعيش مرحلة انتقالية لم تكتمل بعد. فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك أكبر اقتصاد في العالم وأقوى قوة عسكرية وأعمق الأسواق المالية، لكن قدرتها على فرض قواعد اللعبة بمفردها لم تعد كما كانت قبل عقدين.

وفي المقابل، تعمل القوى الصاعدة على بناء مؤسسات مالية جديدة. وشبكات دفع بديلة وتحالفات اقتصادية أكثر استقلالا بما يعكس انتقالا تدريجيا من عالم أحادي القطب إلى عالم تتوزع فيه مراكز القوة.

خاتمة

قد تحقق الحرب أهدافا عسكرية محدودة لكنها كثيرا ما تُنتج نتائج استراتيجية لم تكن في حسبان من أشعلها. وإذا استمرت المواجهة مع إيران في إطارها الحالي فإنها قد تُسرّع تحولات كانت قد بدأت بالفعل داخل الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها تنويع النظام المالي الدولي، وإعادة رسم خرائط الطاقة واحتدام المنافسة التكنولوجية وصعود مراكز قوة جديدة.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر في الحرب؟ بل أصبح: أي نظام دولي سيخرج من رحم هذه المواجهة؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي وتوازنات القوة وقواعد السياسة الدولية خلال العقود القادمة.

:::::

المصدر: صفحة الكاتب على الفيس بوك

عبد العزيز بن صالح

عبد العزيز بن صالح‘s post

oprteodSnsg7gt4a63587seYm09tr8a16uucte305: 6fhy84agt6h daac3  ·

#بالاحمر