ناجي العلي… الرصاص الذي لم يقتل حنظلة، د. زياد الزبيدي

2 آب أغسطس 2026

ليس من السهل أن يُختزل ناجي العلي في صفة «رسام كاريكاتير». فالرجل الذي سقط برصاص مجهول أمام مقر صحيفة القبس في لندن في 22 من تموز/يوليو 1987، قبل أن يفارق الحياة في 29 من آب/أغسطس، لم يكن مجرد فنان يرسم تعليقًا ساخرًا على حدث سياسي. لقد كان شاهدًا على مرحلة كاملة من التاريخ الفلسطيني والعربي، وضميرًا نقديًا لم يعترف بالخطوط الحمراء، حتى إنتهى به الأمر إلى أن يصبح واحدًا من أشهر ضحايا الاغتيال السياسي في التاريخ العربي الحديث.

وبعد ما يقرب من أربعة عقود على الجريمة، لا تزال الأسئلة الكبرى بلا إجابات حاسمة. من أطلق النار معروف، أما من أمر بالاغتيال فلا يزال موضع جدل. وبين الاتهامات التي وُجهت إلى الموساد الإسرائيلي، والشبهات التي طالت شخصيات وأجهزة فلسطينية بسبب انتقاداته اللاذعة لبعض قيادات منظمة التحرير، والفرضيات التي تحدثت عن تداخل أدوار أكثر من طرف، بقي الملف مفتوحًا دون حكم قضائي يحدد المسؤول النهائي. لكن المؤكد أن ناجي العلي كان قد نجح، قبل اغتياله بسنوات، في صناعة خصوم أكثر مما يستطيع أي رسام كاريكاتير أن يحتمل.

وُلد ناجي العلي في قرية الشجرة في الجليل، وعاش النكبة طفلًا، قبل أن تنتهي به رحلة اللجوء في مخيم عين الحلوة في لبنان. هناك تشكلت ذاكرته السياسية والإنسانية، وهناك أيضًا ولد عالمه الفني. لم يكن اللجوء بالنسبة إليه حادثة تاريخية، بل تجربة يومية عاشها بكل تفاصيلها؛ ولهذا جاءت رسوماته خالية من الزخرفة، قاسية في خطوطها، ومشحونة بوجع المخيم ولغة الناس البسطاء. لم يكن يرسم فلسطين بوصفها فكرة مجردة، بل باعتبارها حياة سُلبت من أصحابها، وما زالوا يطالبون باستعادتها.

على امتداد مسيرته رسم ما يزيد على أربعين ألف لوحة كاريكاتيرية، إلا أن قيمتها لا تكمن في عددها، بل في أنها نجحت في تحويل الرسم إلى أداة تحليل سياسي لا تقل تأثيرًا عن المقالة أو الخطاب. فقد هاجم الاحتلال الإسرائيلي باعتباره المسؤول الأول عن المأساة الفلسطينية، لكنه رفض في الوقت نفسه أن يجعل من هذا الاحتلال ذريعة لإعفاء الأنظمة العربية أو القيادات الفلسطينية من النقد. ولذلك جاءت سهامه في اتجاهات متعددة؛ نحو الاستبداد العربي، والفساد، والبيروقراطية، والثراء الفاحش للنخب، والتنازلات السياسية التي رأى أنها تُفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها.

في هذا السياق ولد حنظلة عام 1969، الشخصية التي تجاوزت شهرتها شهرة مبدعها نفسه. لم يكن الطفل الصغير مجرد توقيع يضعه ناجي العلي في زاوية الرسم، بل تحول إلى البطل الحقيقي لكل أعماله. إخطار له عمر العاشرة، وهو العمر الذي كان عليه عندما هُجّر من قريته عام 1948، مؤكدًا أن حنظلة لن يكبر إلا يوم يعود الفلسطيني إلى وطنه. وهكذا أصبح الزمن متوقفًا في هيئة طفل، في استعارة مكثفة عن شعب يعيش منذ عقود في انتظار نهاية لم تتحقق.

حتى الاسم لم يكن اعتباطيا. فالحنظل نبات صحراوي شديد المرارة، لكنه قادر على الحياة في أقسى البيئات. ومن خلال هذه المفارقة جمع ناجي العلي بين مرارة المنفى وصلابة البقاء، ليمنح شخصيته بعدًا يتجاوز الفرد إلى الجماعة، ويتجاوز اللحظة إلى التاريخ.

أما ملامح حنظلة فكانت بيانًا سياسيًا بصريًا أكثر منها عناصر فنية. طفل حافي القدمين، بثياب ممزقة، ينتمي إلى الفقراء والمنسيين، لا إلى أصحاب المكاتب الفخمة والبدلات الرسمية. ومنذ عام 1973 أدار ظهره للعالم، وشبك يديه خلف ظهره، في حركة فسّرها ناجي العلي بأنها رفض للواقع المفروض ولأي حلول لا تحقق العدالة كما يراها أصحاب القضية. ولم يكن إخفاء الوجه تعبيرًا عن الغموض، بل عن الشمول؛ فحنظلة لا يمثل طفلًا واحدًا، وإنما كل فلسطيني اقتلعت حياته من مكانها، بل وكل إنسان يجد نفسه في مواجهة الظلم دون أن يفقد كرامته.

ولعل سر خلود هذه الشخصية أنها لم تتحول إلى شعار سياسي جامد، بل بقيت شاهدًا أخلاقيًا على الأحداث. كان حنظلة يقف صامتًا وهو يشاهد الاحتلال، كما يشاهد الاستبداد العربي، والفساد، والتفاوت الطبقي، والانقسامات الفلسطينية. وحين تغيرت الظروف، ظهر أحيانًا مشاركًا في المقاومة الشعبية، وكأن الشخصية نفسها كانت تنمو مع تطور القضية التي تمثلها، رغم أن عمرها بقي ثابتًا عند عشر سنوات.

هذا الاستقلال الفكري هو ما جعل ناجي العلي حالة استثنائية. فقد رفض الانضواء تحت أي سلطة أو أيديولوجيا، واحتفظ لنفسه بحق انتقاد الجميع. لذلك لم يكن مستغربًا أن تتسع دائرة خصومه بقدر اتساع دائرة قرائه. لقد كان يدرك أن الكاريكاتير ليس مجرد فن للسخرية، بل وسيلة لمساءلة السلطة أيًا كان شكلها، وهو ما جعل رسوماته تحتفظ براهنيتها حتى بعد مرور عشرات السنين.

واليوم، لا تزال شخصية حنظلة حاضرة على جدران المخيمات الفلسطينية، وفي شوارع المدن العربية، وعلى ملصقات التضامن في الجامعات الغربية، وفي الأعمال الفنية المعاصرة. لم تعد مجرد رسم كاريكاتيري، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة البصرية العالمية للقضية الفلسطينية، ورمزًا يتجاوز الانتماءات السياسية ليعبر عن الكرامة ورفض الظلم والتمسك بالحقوق.

وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن قاتل ناجي العلي نجح في إسكات صوته، لكنه لم يستطع إسكات الصورة التي ابتكرها. فما زال حنظلة، بعد عقود من اغتيال صاحبه، يقف في المكان نفسه، يدير ظهره إلى عالم لم يحسم بعد أسئلته الكبرى، ويواصل مراقبة التاريخ بصمت، وكأنه يذكر الجميع بأن بعض الرسومات تعيش أطول من الرصاص، وأن الفنان قد يغيب، لكن الضمير الذي رسمه يبقى حاضرًا في وجدان الشعوب.