طوفان الأقصى يُحرج صانعة الشمولية وعرب مدرسة فرانكفورت، عادل سماره

الديمقراطية اللبرالية والشمولية مصطلحان لا يلتقيان بافتراضهما نقيضين ناهيك عن أقدمية الديمقراطية وحداثة الشمولية.

الإقرار بتناقضهما يبدو طبيعيا وعليه إجماع في فكر وفلسفة البرجوازية التي أعطت لكل منهما معنى خاصا صاغه فلاسفتها هي وليس شرطاً أن الحقيقة هكذا.

ربما، أول من استثمرت في مصطلح ضد الآخر، أي استثمرت الديمقراطية ضد الشيوعية حيث وصفت الأنظمة الاشتراكية بالشمولية ارتكازا على الديمقراطية في طبعتها البرجوازية الغربية الحالية، هي الكاتبة اليهودية الصهيونية حنه أرندت التي تعتبر الأم الذي أنجبت مصطلح الشمولية في موقف منها ضد الشيوعية عامة وضد الإتحاد السوفييتي خاصة، ولعل التاريخ رحمها أنها ماتت قبل أن تشهد أين انتهت الديمقراطيات البرجوازية الغربية.

ولعل المفارقة أن هذه الكاتبة وقد حملت بجنين فكري سياسي ضد الشيوعية إلى جانب عشق بيولوجي غريب بينها وبين مفكر نازي معروف هو مارتن هيدجر لم تتخلص منه حتى رحيلها! بما هو مفكر الشمولية النازية.

لعل هذا يقود إلى التساؤل: هل من علاقة من قريب أو بعيد بين نقدها المرن للنازي أيخمان  في عملها “أيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشرّ” بأنه كان بيروقراطيّاً عاديّاً، وأنّه فعل ما فعله من دون أي دافع سوى “الاجتهاد مهنياً” في البيروقراطية النازية؟  ولكن، مهما  كان البيروقراطي متجمد الحواس يعمل كما الآلة، فهل يعميه هذا عن هول المذبحة!

هل من صلة بين إصرارها على عشق النازي هايدجر وشبه تبرئة أيخمان؟ هل يمكن القول بانها رأته نازي أكاديمي يخدم المؤسسة النازية دون رؤية فكرية إنسانية لوحشيتها؟ هل كانت تلتمس لنفسها عذرا؟ ولكنها بالمقابل أصدرت موقفاً قطعياً ضد الشيوعية بلا تردد! أم أنها استسهلت غض النظر عن نازيته كما فعلت الولايات المتحدة نفسها؟

وربماـ الغفران لهايدجر هو ما جذب كثيرين من مدرسة فرانكفورت للتجرؤ على دمج الشيوعية بالنازية كما أوضح ذلك توثيقاً وتحليلاً المفكر الماركسي جبرائيل روكهيل في كتابه المميز:”من يدفع لزماري الماركسية الغربية”.

وهناك مفارقة أخرى، وهي أن كثيرا من الأكاديميين الفلسطينيين الذين هم من شعب تعمل الصهيونية سواء الدينية أو شبه العلمانية أو شبه اليسارية على إقتلاعه النهائي من وطنه طالما اختاروا مساقات من أطروحات أرندت ضد الشيوعية مما أوقع في ذهن وثقافة الطلبة خليطا من الأطروحات أوصلتهم إلى التيه في أحسن الأحوال. وكمعترضة، أهداني أحدهم أحد كتبها عام 1974 بعد تحرري من السجن للمرة الأولى وكان قد كتب قصيدة رثاء بالإنجليزية للرئيس الأمريكي جون كنيدي إثر إغتياله 1963 وبقي طبعا من اللبراليين المتغربنين المتخارجين في الأكاديميا الفلسطينية. أو كما كتب اللبناني جورج كعدي في موقع “العربي الجديد”06 يناير 2024، دفاعاً عن موقف أرندت من أيخمان! وهذا الموقع هو من سلسلة المواقع والفضائيات التي يديرها عزمي بشاره بتمويل إمارة قطر العائلية البدوية التفكير وقاعدة كل من الدينسياسي السُّني والمقاتلات الأمريكية وذلك في سياق دور عزمي بشارة بإقامة مدرسة تخريب الثقافة العربية وخاصة الشيوعية في دور يشبه دور مدرسة فرانكفورت.

كتب كثيرون بأن أرندت كانت صهيونية وبأنها تغيرت وتوقعت أن يبقى الكيان في حالة حرب مع العرب، ودعت لدولة واحدة بين الطرفين، ومن بين هؤلاء عرب ممن إستدخلوا الهزيمة إلى درجة العجز عن رؤية أن أي تجمع إستيطاني يقوم بالضرورة على إبادة الشعب الأصلاني بل إن الكيان الصهيوني يعلن ذلك صراحة! وبالتالي فإن أرندت هي صهيونية لكن بغلاف لبرالي كما هو نوعام تشومسكي الذي يقول بأنه صهيوني من الطبعة الأصلية! وبالمناسبة مدرسة فرانكفورت العرب” تعتبره شيخها الجليل!

أما الحدث التاريخي الذي قصم ظهر الديمقراطية الغربية، والذي يعتبر إنتصاراً للشيوعية أو الإشتراكية إن شئت، دون أن يكن ذلك مقصد قادته، هو طوفان الأقصى.

من بين نتائج هذه الحدث إنكشاف التناقض في فهم الديمقراطية بين الأنظمة الرأسمالية البرجوازية الغربية، وحتى في بلدان المحيط/العالم الثالث، إنكشافا فاضحا بين:

·        فهم الشعوب، وخاصة الشباب والطبقات الشعبية للديمقراطية،

·        واستخدام الأنظمة الحاكمة للديمقراطية ومزاوجتها مع شمولية معولمة!.

كان لا بد من حرب الإبادة العلنية وبافتخار من قبل الكيان الصهيوني الأشكنازي في غزة ولبنان لتكشف وتفضح الديمقراطية الغربية بل الرسمية العالمية التي أجازت الإبادة ووصلت التخلي عن مختلف ديباجاتها القوية لغويا فيما يخص حقوق الإنسان والشكلية تطبيقيا.

لذا، في حين أن الطبقات الشعبية والفئات الشابة في الكوكب تقف وتتظاهر وتكتب وتناقش وتحاور ونُحاكَم وتُسجن لصالح الشعب الفلسطيني حتى في قلعة حماية وتسليح وحتى الحرب نيابة عن الكيان الصهيوني أي الولايات المتحدة.

إن هذا الموقف الرسمي المعولم تجاه الإبادة بدرجاته الثلاثة: المشاركة، المساعدة والتغطية بالصمت يعني جوهريا أن النظام الرسمي العالمي هو الشمولية الحقيقية، وأن خبثه ونفاقه قد عرَّاهما طوفان الأقصى.

عودة إلى أرندت، فلعل تعاطفها مع الكيان الصهيوني الأشكنازي ، والذي يزعم البعض أنها غيرت موقفها، كما اشرنا أعلاه، إرتكز على لبراليتها وموقفها ضد النازية، ولكنها  لم تهتم أو لم تعلم بأن الكيان الذي يملأ الإعلام كل لحظة أنه الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط هي الدولة التي رفض مؤسسها ديفيد بن غوريون وصفها بالدولة اليهودية الديمقراطية بل ب “الدولة اليهودية” وأن قانونها الأساسي يخلو من مفردة ديمقراطية، بل حتى المحكمة العليا في الكيان حينما عُرضت عليها شكاوى فلسطينية ضد الإستيطان، قضية مستوطنة إيلون موريه، كانت ردودها “لا علاقة لنا بالإستيطان” أي باعتباره شأنا عسكريا أمنيا لجيش الاحتلال! حيث حكمت بإخلاء المستوطنة، بينما تُعيد بنائها اليوم سلطة الكيان التي يرأس وزارتها بنيامين نتنياهو المطلوب للعدالة الدولية. ومع ذلك فالسلطة الحالية في الكيان تقوم بكل سرعة وقوة لنزع صلاحيات القضاء لصالح السلطة التشريعية في الكيان! وهذا صار طبيعياً حيث أو منذ أن وصل إلى السلطة في الكيان حزب الليكود مع احلافه بقيادة دينية صهيونية أعلنت في عام 2018 أن دولة الكيان هي دولة ليهود العالم فقط، أي إعتبرت الشعب الأصلي هو الذي يعتدي على هذه الدولة ليستوطن فلسطين!

بقي أن نذكر للمقارنة بين حب ارندت وهايدجر وبين حب محمود درويش وريتا راينهارت خاصة وأن درويش هو الإبن البار للحزب الشيوعي الإسرائيلي المتعاقد مع الصهيونية والذي يعترف بالكيان حتى قبل اغتصاب فلسطين. هنا، لا نناقش الجانب العرقي أو القومي وإنما الجانب الإنساني، فريتا لم تكن صهيونية، بل غادرت فلسطين المحتلة إعتراضاً على الكيان واحتفلت مع زوجها عام 2006 بانتصار حزب الله في جنوب لبنان، بينما ارندت غادرت ألمانيا النازية واحتفظت بالمحب النازي!

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….