“أنا لستُ سياسيًا محترفًا، أنا فنان بالدرجة الأولى لكن الفنان لا يمكن أن ينفصل عن الشارع والشارع يرفض التبعية ويرفض أن يُشترى بالمال”
هكذا قال صنع الله إبراهيم، وربما هذه العبارة تعطي لمحة بهية ونبيلة عن رجل ثابت وحرّ. قبل عام توفي صنع الله إبراهيم 13 آب/أغسطس 2025 قبل عام كامل سقطت ورقة أخرى من أوراق التين العنيدة تاركةً إيانا في عهد التيه والضياع والبشاعة المطلقة، بعد حياة اشتبك فيها مع قضايا وطنه والجنوب العالمي ككل جاعلًا من الرواية الوثائقية أداة صوتها عالٍ جدًا، فحرس من خلالها الذاكرة وحرس عبرها مخيلتنا؛ من رواية” بيروت بيروت” والحرب الأهلية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، إلى ثورة ظفار المجيدة في رواية” وردة” إلى مقصوصة” تلك الرائحة” وقصص السجن السياسي والذات البشرية المغرقة في الهم العام إلى” القبعة والعمامة” وصورة مصر والإنسان المصري وتناقضاته الاجتماعية تحت الاحتلالين الإنجليزي والعثماني وهزيمة نابليون في العلمين، إلى” أمريكانلي” وحرب الوعي والارتهان للبترودولار، من ثم إلى” التلصص” فالحديث عن الفساد والتفكك والضعف الملكي في مصر وربطه مع وقوع نكبة فلسطين للتأكيد على أن هزائم الخارج تقف أساسًا على داخل متعفّن. هذا هو صنع الله إبراهيم تمامًا، الفنان الذي جعل من غرفته في الشقة الخشبية المعزولة في الدور السابع في مصر الجديدة مطبخًا للصور والخرائط والكتب والمجلات والتسجيلات عن كل بلد وحدث سياسي تأريخي كي لا تفوته جزئية في مجتمعات لم ينشأ فيها لكنه ظل يعيشها عامدًا حتى كتبها مجتازًا بذلك حدود المسافات والذاكرة.
ربما أجمل ما يحسب لصنع الله دائمًا هو وقوفه في خانة الانحياز المباشر لا الحياد؛ الانحياز للمهمشين والمقهورين والفقراء حتى آخر حياته، فالشيوعي الذي سُجن في عهد عبد الناصر لانتمائه لحزب سري ظل مخلصًا لعهد رجل قامت كل فترته على تحقيق السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والتحرر من التبعية فأخلص له ملخصًا تلك العلاقة بعبارة” هو صحيح سجنني، بس دي حاجة ودي حاجة” تعبيرًا عن موقفه الذي لا ينكر عهد مصري رافض للاستعمار هو عهد جمال عبد الناصر.
وفي عالم يستميت في الترويج للموضوعية الباردة ووقوف الفنان على مسافة واحدة من الجميع، وفي مرحلة انفجرت فيها طفرة المؤسسات الثقافية الممولة والجوائز ذات الأجندات السياسية المبطنة لشراء الصوت والسردية استخدم صنع الله إبراهيم كتابته التوثيقية كمقصلة تكشف زيف خطابات التمييع والمساومة التي تمارسها” النخب السياسية والمثقفة” فكشف الأرقام والأسماء والأحداث بهدف منع القاتل والمستغِل من الاختباء خلف المجاز اللغوي والالتفاف على المفردات، سواء تجاه الشعوب التي وقعت تحت الحروب الإمبريالية أو تحت الاستعمار المباشر، ففي رواية” اللجنة” مثلًا نرى تعرية مريرة وموجعة للشخصية التي تحاول استجداء ومجاملة اللجنة أملًا في رضاها( اللجنة التي ترمز هنا إلى قوى العولمة والنظام العالمي والأذرع التابعة) حيث يجبر البطل على تدمير ذاته وتفتيش تفاصيل حياته وصولًا إلى الرضا في إحالة واضحة لكيفية مسخ المثقف عند قبوله بشروط من يدفع له راتبه ويمول مشاريعه، وهو تجسيد حقيقي لما ظل يرفضه صنع الله إبراهيم في حياته رابطًا القناعة بالموقف.
لم يكتفِ إبراهيم برفض الجوائز العربية الرسمية مثل جائزة الأوبرا بل كان من أشرس المدافعين والداعين للمقاطعة الثقافية والأكاديمية للاحتلال الإسرائيلي ولكل المؤسسات الدولية التي تؤيده وتبرر جرائمه معتبرًا أن أي شكل من أشكال التطبيع الثقافي هو المساومة الكبرى التي تنهي مشروعية الفنان وتفقد الفن شرفه، فهاجم الصناديق والمؤسسات الغربية التي تمنح أموالًا تشترط عبرها دعم أنماط معينة من الأدب، ذلك الذي يركز على قضايا هامشية مجزأة ومنزوعة من واقعها لعزل الفنان عن المعركة الأم ضد الإمبراطورية والتبعية الاقتصادية.
من الأرشيف إلى الحاضر: كيف يتقاطع أدب صنع الله إبراهيم مع واقعنا الحالي؟
وفي النظر للأحداث الحالية المتواصلة في كل منطقة جنوب غرب آسيا التي تستشرس فيها أمريكا عبر قاعدتها العسكرية الإبادية المسماة إسرائيل وقواعدها الأخرى، نجد أن التفكيك الروائي الذي صاغه كاتبنا يعود ليتصدر المشهد بكامل تفاصيله. ففي سنة 2003 ذهب صنع الله إبراهيم إلى دار الأوبرا في القاهرة لفوزه في جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي التي تمنحها وزارة الثقافة المصرية، وحين سئل لماذا ذهبت رغم أنك لا تريد استلام الجائزة؟ قال” ذهبت لأسجل موقفًا سياسيًا وأعبر عن رفضي” وهو ما عبر عنه زملاؤه يومها بعد انتهاء الملتقى بجملة” كنا أمواتًا وأحييتنا” وهو ما فصّله أرشيف وائل عبدالفتاح عبر منصة مدينة في مقال” ما حدث ليلة صدمة صنع الله إبراهيم” توثيقًا تفصيليًا حول فيه صنع الله استلام الجائزة إلى تظاهرة حقيقة، عندما وقف على المنبر بعد أن ترك الجائزة بلامبالاة وقال” إنني لا أستطيع أن أقبل جائزة تمنحها حكومة لا تملك مصداقية منحها في وقت تُقمع فيه الحريات ويسود فيه الفساد وتخترق سيادتنا الوطنية، إنه قدر الكاتب العربي فليس بوسعه أن يتجاهل ما يجري حوله وأن يغض الطرف عن المهانة التي تتعرض لها الأمة من المحيط إلى الخليج، عن القهر والفساد والعربدة الإسرائيلية والاحتلال الأمريكي والتواطؤ المزرية للأنظمة والحكومات في كل ما يحدث، ففي هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقى من الأرض الفلسطينية وتقتل النساء الحوامل والأطفال وتشرّد الآلاف وتنفذ بدقة منهجية واضحة خطة لإبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان وعلى بعد خطوات من هنا يقيم السفير الإسرائيلي في طمأنينة وعلى بعد خطوات أخرى يحتل السفير الأمريكي حيًّا كاملًا بينما ينتشر جنوده في كل ركن من أركان الوطن الذي كان عربيًا… لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات وصندوق أكاذيب لم يعد لدينا صناعة أو زراعة أو عدل تفشى الفساد والنهب ومن يعترض يتعرض للإهانة والضرب، انتزعت القوة المستغِلّة منا الروح….” انتهى الاقتباس.
كما أن الواقع الحالي يثبت نبوءته عندما آمن بترابط العواصم العربية في خط واحد وأن خنق الحريات والفساد الاقتصادي فيها يؤدي بالضرورة بل هو سلاح يستخدم لتمرير مشاريع التصفية والتطبيع، وهو ما نراه الآن، فالشعوب المكبلة بالأزمات المعيشية والقمع والمغرقة في ثمار ربيع أمريكا العربي الفاسدة، يراد لها أن تنعزل عن قضاياها المصيرية وتشتغل بالهوامش، أو في أحسن تقدير، في إيجاد خبزها اليومي، كما أن هذه الإبادة المستمرة والممتدة من أكتوبر 2023 حتى الآن عرت الوعي الثقافي تمامًا كما فعلت كلمات صنع الله في دار الأوبرا عن وسط فني لا يتعدى كونه ظاهرة صوتية وصدى في بلاط ملكي.
جماليات الرواية الوثائقية
لا يمكن إغفال التعريج على جمالية روايات صنع الله إبراهيم وإن كان هذا المقال ينحاز لجانبه السياسي والمجتمعي عامدًا، والحديث عن كيف ابتكر صنع الله أسلوبًا سرديًا فريدًا في الرواية العربية يقوم على قطع النص الروائي بقصاصات من الجرائد اليومية والإعلانات التجارية والبيانات السياسية الرسمية والمذكرات التاريخية والأصوات الإذاعية في أسلوب يعمد إلى الكولاج المكتوب، وليس أبدًا رصدًا باردًا، بل رصدًا يرصف التناقضات بين ما تقوله السلطة في أوراقها الرسمية وما يعيشه المواطن المطحون في تفاصيل يومه، عند ربط كل هذه القصاصات في قصص وشخصيات تتداخل وتنسجم مع الأحداث انسجامًا كأنها وليدتها أو متنًا مأخوذًا منها وفيها.
إن استحضار صنع الله إبراهيم وطرحه اليوم واستعادته في ذكراه لهي تعويض صفيق عن عدم لقائه والحديث المطول معه، وهي أيضًا وفي الأساس طريقة لإبقاء نهج لم يحِد ورؤية عابرة للوقت تحت الهيمنة، الوقت الذي مروره يختلف عن الوقت الحقيقي، فالوقت تحت الهيمنة تشكله التبعية بخط ثابت ومكرر وسمج وثقيل، وهو ما يظل يلحّ علينا أن نسمع لصوتنا الداخل صوت الفطرة البشرية التي لم تلوّثها يد التزييف والصهر، وإن الغوص في أعماق الـ88 عام التي عاشها كاتبنا، يمكن أن يشرح بالقياس ماذا خسر الوسط الفني العربي برحيل صنع الله الجميل.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
