الخليج: أنظمة واقتصادات وخيام من زجاج أم غياب قرار سيادي، عروبيات حلقة (6)، عادل سماره

الخليج: أنظمة واقتصادات وخيام من زجاج

أم غياب قرار سيادي

الطوفان أحرج الخليج

عروبيات حلقة (6)

عادل سماره

تعيش مختلف الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي قلقاً وجوديا هذه الفترة يزداد بشكل مضطرد على ضوء اشتباك مختلف دول العالم على مصالحها واشتباك دول كبرى وإقليمية على الوطن العربي نفسه كضحية. والسؤال: هل تجهل هذه الأنظمة أن تجاوز هذا القلق المصيري هو بيدها، أم تعلم ذلك وترفضه! فليست جغرافيا بلد وحدها التي تجعله هشاً، مثلا منطقة سهلية أو صحراوية أو جبلية، ولا فقر البلد من حيث الموهوبية الثرواتية أو توفر هذه الموهوبية حتى الغرق في السيولة المالية بل اساساً طبيعة السلطة الطبقية الطائفية أو العشائرية الحاكمة قبل كل شيء وحدود وعيها الوطني والعلمي أو جهلها به.

في هذا يقول الشاعر:

كالعيسِ في البيداء يقتلها الظما… والماء فوق ظهورها محمولُ

في الحقيقة، هذه الأنظمة صيغت وخُلقت لتكون عدو الأمة، وبالتالي خلاصها في الوحدة العربية حتى لو مناطقية، لكنها هي ضد الوحدة العربية باحثة عن خلاصها في التبعية التي وصلت حد ممارسة الخيانة الفعلية وحماية ذلك ونفسها بأجهزة قمع مدربة ومسلحة ومؤدلجة غربيا وصهيونياً.

أربك العدوان الأمريكي الصهيوني ضد إيران مختلف هذه الأنظمة فتفرقت تستجدي وتبحث هنا أو هناك عن حُماة! وليس العدوان الأمريكي الصهيوني ضد إيران هو الحدث الوحيد الذي كشف كفر هذه الأنظمة بما لدى الأمة العربية من إمكانات الخلاص وحتى فرض موقع أو مقعد لهذه الأمة على صعيد عالمي.

هنا يجب العودة إلى عقود سبقت للتذكير بفرص تمت إضاعتها قصدا ومذلة لأن هذه الأنظمة تصنيع إمبريالي ضد الأمة بأسرها، والفرص في عرف التنمية والاستقلال الاقتصادي خاصة تتأتى غالباً حين تتراخى قبضة الإمبريالية على بلدان المحيط. لكن هذا الاستغلال لتراخي قبضة الوحش يشترط قيادات وحتى جماهير لديها مشروعا تنمويا كقرار قيادي وثقافة عامة، أُسمِّي ذلك التنمية بالحماية الشعبية والتي لم تتوفر في الخليج قط بعد سحق المد العروبي الناصري هناك.

كانت الفرصة الأولى وذات الأهمية الهائلة حينما ارتفع سعر النفط على شكل طفرة عام 1973. ورغم أن حصة أنظمة الخليج كانت اقل مما تغتصبه الشركات الغربية ضمن مفهوم “اقتصاد التساقط” إلا أن هذه الأنظمة حولت تلك الفوائض لسيدها الإمبريالي بدل أن تفتح مجرد تحالف استثماري حتى مع أنظمة عربية تابعة مثلها! أي توظيف في الصناعات المصرية والزراعة في السودان وبالتالي انتهت هذه الأموال في الشركات والبنوك الغربية وسندات الخزينة الأمريكية ولا يمكن استعادتها. وبوسع القراء الرجوع لكتاب جون بيركنز “اعترافات قاتل اقتصادي”. وتكرر الأمر في الطفرة السعرية النفطية في بداية الثمانينات مضافا إليها تكديس كميات هائلة من الأسلحة التي لم نكن نعلم أنها مكدسة للعدوان ضد اليمن لتقسيمه.

أما الصناعات التي أقيمت في الخليج على هامش الثروة النفطية فكانت بناء على استشارات خبراء غربيين وبالطبع هي تصنيع وسيطي يُصدر للغرب كي يُستكمل هناك علاوة على كونها صناعات متنافسة متماثلة بين دويلات الخليج وليست بالطبع موجهة لتكامل اقتصادي بينها ولا بين الاقتصادات العربية، وهي باختصار صناعات وسيطة موجهة للتصدير لا تأخذ ضرورة التصنيع للمحلي وللسوق الإقليمي بالاعتبار مما يجعل اقتصاداتها متخارجة تابعة بقرار وبالتالي هشة حتى لو درَّت سيولة عالية. ذلك لأن استدخال التبعية ينتهي لاستدخال والتعايش مع الهزيمة رغم الإمكانات التي لم تُدار بخطة محلية بل من مستشارين غربيين؟

وكانت الفرصة الضخمة الثانية حينما وقعت الأزمة الاقتصادية الكبيرة في الغرب بداية ب 2007 عموما والولايات المتحدة خصوصا، ورغم الأزمة استحوذت هذه الأنظمة على فوائض وكانت من البلدان القليلة في العالم التي لديها القدرة على الشراء الاستهلاكي العالي وشراء الخبرات والتقنية الإنتاجية نظراً لتوفر السيولة المالية، لكن هذه الأنظمة لم تستثمر هذه الفرصة في تحصيل أي موقف لصالح أي بلد عربي في تناقض ما مع الغرب الإمبريالي وذهبت كما وصف لها الغرب الإمبريالي نحو الطرقات والشوارع  وخاصة إقامة مدينة نيوم في السعودية كمثال وإقامة المواقع السياحية والفندقية التي جذبت مافيا الكوكب…الخ. . بل حينما بدأت كارثة الربيع العربي 2011 تم إنفاق 2 ترليون دولار من الخليج، كما أكد وزير خارجية إمارة قطر الأسبق حمد بن جاسم على تدمير الجمهوريات العربية، وكانت حصة تدمير سوريا من قطر خاصة 132 مليار دولار.  كما قامت أنظمتها بإنفاق هائل على تخريب الثقافة العربية وخاصة إقامة إمبراطورية عزمي بشارة لجذب ذباب الثقافة من مختلف الأقطار العربية وقامت الإمارات بحملة تقديم الجوائز للكتاب العرب الذين تقاطروا على نظام يتصهين على رؤوس الأشهاد وبالسباق على الجوائز ونيلها يتم خصي أكبر عدد ممكن من الكتاب حيث يحجون إلى جوائز في الثقافة يشرف عليها متخلفين ثقافيا إن لم نقل عقليا!

لذا، ليس شعراً أن نقول بأن أنظمة الخليج خلقها الغرب وأدار اقتصادها الهش ضمن مشروعه العدائي للأمة العربية منذ ثلاثة قرون وحتى حينه.

وهنا تجدر الإشارة أن تصنيع هذه الكيانات تم على ضوء تحكم الغرب الإمبريالي بالنفط وخاصة منذ نهاية الستينات حيث كان لا بد من التصدي للمد العروبي بقيادة مصر. أي أن ما يسمى استقلال هذه الكيانات كان منحة من سيد متعالٍ وخبيث حيث قام بتنصيب مشايخ بدو بلا عقلية عصرية وبأفق الجمل والخيمة. لذا لم يخرجوا من إطار الإمارة ولو حتى إلى نطاق وحدة الجزيرة.

لقد لعب هؤلاء الأوغاد دورا هائلا ضد الأمة العربية وأعلنوا ذلك بكل تفاخر الجلفاء. ومرة أخرى إشتروا فيالقا من المثقفين المأجورين من مختلف البلدان العربية وحتى من أوغاد فلسطين ليقوم هؤلاء المأجورين بتغطية ثقافوية لما تحت عباءات حكام الخليج.

رحل شهداء طوفان الأقصى وقادته، ولذا، لا ندري، وقد لا ندري، إن كان ضمن أهدافهم تعرية هذه الأنظمة، لكن ما نراه أن وضاعة مختلف الأنظمة العربية والإسلامية  ال 57 وخذلانها لغزة والضفة الغربية ولبنان قد منحت قيادة الكيان فرصة الشعور بنشوة التوسع وتغيير كامل خريطة الوطن العربي وخاصة بعد سقوط النظام العروبي في سوريا على يد التحالف الأمريكي التركي الخليجي الصهيوني بامتطاء مئات الوف إرهابيي قوى الدينسياسي، هذه القيادة مأخوذة بخرافات الأحبار الذين وضعوا نصوصا توراتية ملخصها ان يستوطن اليهود في فلسطين لإجراء مذبحة ممتدة يكونون فيها قتلة ومقتولين!

قادت هذه النشوة كل من الولايات المتحدة والكيان للعدوان ضد إيران على الرغم من ان إيران لم تشارك، عسكريا، في التصدي لعدوان الكيان ضد غزة ولا ضد لبنان. ورغم وجود إجماع عالمي بأن نتنياهو لعب دور الساحر في إغواء ترامب بالعدوان ضد إيران، كما فعلت الراهبة في إغواء إنكيدو بمضاجعتها مما أفقده حياة البرية الجميلة، إلا أن إسقاط إيران وتدميرها وتجزئتها هي بلا شك من طموحات الإمبريالية الأمريكية حتى دون إغواء نتنياهو.

لم أقتنع أي يوم بأن هدف تدمير إيران هو النووي، بل الحيلولة دون دولة قوية في المنطقة، وهذا نهج الإمبريالية في كل العالم، نهج الإخضاع والنهب والتقشيط الشامل أو ما أمكن.

وكانت الصدمة صمود إيران واكتشافها النووي الهرمزي حيث أمسكت العدوان والعالم الصامت على العدوان من خصيتيه. وكان الثمن الأكبر على التوابع العربية النفطية خاصة وذلك في مستويات ثلاث:

شل الدفاعات الجوية الغربية عن حماية كتاكيت أنظمة البدو

شل حركة بيع النفط والأسمدة والألمنيوم أي الصناعات والإنتاج الريعي الموجه للتصدير

والتأكيد بان الخليج قد يفقد شريان حياة كل فرد بتدمير شبكات الكهرباء وتحلية المياه

وترتب على هذه التطورات توقف السياحة الخِلَّيعة في الخليج وهروب رجال المافيا وخلو الفنادق كما خلت المساكن في أمريكا إثر أزمة 2007، وباختصار أصبحت الملاذات الآمنة ماليا وعلى نهج إبستين قاعا صفصفاً.

أما الولايات المتحدة فلم تفقد ماء وجه المضادات “ثاد” وحسب بل لم يعد بوسع حكام الخليج الالتزام بما وعدت به قبيل العدوان كأتاوات للسيد الإمبريالي.

بعد أشهر من استعراض ترامب لعضلاته الجمركية وفشل وعوده بإعادة الشركات الأمريكية إلى بلادها، كان لا بد له من توفير سيولة بديلة كانت بتعهدات دول الخليج — السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت مجتمعة — باستثمار 1.8 تريليون دولار قبل نهاية عام 2027، في الذكاء الاصطناعي وغيرها من الشركات والقطاعات في الولايات المتحدة.

وهذا يعني 1,800 مليار دولار. وتعهدت السعودية والإمارات العربية المتحدة بشراء أسلحة من المجمع الصناعي العسكري الأمريكي بقيمة تقارب تريليون دولار. وكان من المفترض أن يأتي تريليون دولار إضافي من دول الخليج، وأن يُنفق خلال عام 2026 وبداية عام 2027 إجمالًا، نتحدث عن نحو 3 تريليونات دولار كان من المفترض أن تتدفق من دول الخليج إلى وول ستريت.

لكن هذا انتهى وانتهى لأن دول الخليج فقدت سيولتها. فهي لا تبيع ما يكفي من النفط، وإضافة لما ذكرنا أعلاه، فالأمر لا يتعلق فقط بالنفط وحده. فدبي، مثلًا، نوعت اقتصادها بعيدًا عن النفط إلى حد كبير. وهي منخرطة في تجارة الذهب؛ فمعظم الذهب الهندي يجري تداوله عبر دبي. وهناك قطاع الفنادق أيضًا، أي قطاع السياحة الضخم. وهي تعمل حاليًا عند نحو 10% من طاقتها، أي أن 90% من الغرف فارغة.

صحيح أن لدى حكام الخليج ما يقارب 6 تريليونات دولار من الأصول المقوّمة بالدولار الأمريكي. لكن هذا رصيد (stock)، وليس تدفقًا (flow) نقديًا أي لا يسهل سحبه الفوري هذا إن كان سيُسمح بسحبه فبوسع الولايات المتحدة رفض تسيييله أي وضع اليد عليه تقشيطا كما فعلت أوروبا بأرصدة الإتحاد الروسي وطبعا بتوصية أمريكية، وكما فعلت منذ عقود بأرصدة إيرانية منذ عهد الشاه.

أما مبلغ 2.7 أو 2.8 تريليون دولار الذي تعهدوا به لبيسنت وزير الخزانة الأمريكية أو لترامب لهذا العام، فكان تدفقًا ماليًا، وهذا التدفق جفّ والأرصدة لا يمكن تسييلها. والواضح أن وول ستريت حُرمت من تدفق يتراوح بين 1,5 -1,6 تريليون دولار خلال فترة 18 شهرًا، في ​وقت شره الأسواق الاستهلاكي/الإنفاقي عامة مما ينذر بانفجار فقاعة مجددا.

أما ما يثير الضحك فهو توسل حكام الخليج، والشح وصل الحنجرة، للحصول على مبلغ 20مليار دولار الذي اقترحه سكوت بيسنت في إطار خط المبادلة، فهو مجرد مبلغ ضئيل جدًا.

قد يتسائل البعض ما المقصود بالشره الإنفاقي وخاصة في الولايات المتحدة، وهو نفقات على القواعد العدوانية في كامل الكوكب، وعلى الحرب الممتدة ضد إيران، ونفقات الجيش الأمريكي نفسه، وتحويل الشركات الكبرى لأرباحها الهائلة إلى ملاذات آمنة بحيث لا يتم استثمارها إنتاجيا والإنفاق على الكيان الصهيوني الذي يدير عدوانا مستداما.

ولعل أهم ما يعنيه هذا، إلى جانب تقليص الضرائب على حيتان المال وتعميقها على الطبقات الشعبية، هو أن النظام السياسي في الولايات المتحدة هو طبقي بامتياز. أي أن سياسات الإدارة الأمريكية تدفع باتجاه تناقض طبقي يزداد شدة.

إلى جانب هذا المأزق فإن كثيرا من دول العالم غير التابعة، سواء بشدة أو نسبيا، لنظام الدولار تتجه للتبادل دون استخدام الدولار مما يقوّض هيمنته على العالم، أي يقلل اضطرار هذه الدولة أو تلك لشراء الدولار ناهيك عن تقليص كثير من دول العالم لمشترياته من السندات الأمريكية بل وبيع هذه السندات لأنها تعلم أن أمريكا لن تدفع ديونها. مختصر هذا أن تقليص شراء الدولار يقوض أحد ذراعي الهيمنة الأمريكية حيث الذراع الآخر هو القوة العسكرية العدوانية.

وبالتالي، فلا شك ان الإمبراطورية في تراجع ملحوظ الأمر الذي يزيدها شراسة من جهة ولا يسمح بتحديد متى تتردى وتقارب الانهيار. ولهذا حديث آخر، ولكن سيجد أيتام التبعية أنفسهم على الصحراء بلا تبريد.

شاهد الفيديو: الاقتصاد السياسي: الطوفان أحرج الخليج

 ADEL VID الأنظمة وإضاعة الطفررات.mp4

________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….