يُشكّل اعتصام عمال وعاملات شركة النسيج “سيكوميك” بمكناس محطة نضالية تُكثّف جوهر الصراع البنيوي القائم في التشكيلة الاجتماعية، حيث يتجاوز هذا النزاع حدود الخلاف المهني العابر ليكشف عن طبيعة جهاز الدولة كأداة للسيطرة الطبقية وتأمين تراكم أرباح التحالف المهيمن. إن قراءة هذه الأزمة تتطلب تشريح النمط الذي تُدار به العلاقات الإنتاجية في اقتصاد ينبني أساساً على الرأسمالية التبعية بشقّيها الكمبرادوري والبيروقراطي؛ فالقطاع الكمبرادوري، المتمثل هنا في صناعة النسيج الموجهة للتصدير نحو الأسواق الخارجية، يراهن بالكامل على تقديم قوة العمل كعنصر رخيص ومستغل للرفع من هامش أرباح الشركاء المحليين والدوليين، بينما يتدخل رأس المال البيروقراطي عبر أجهزة الدولة ومؤسساتها التشريعية والقضائية والأمنية ليكرّس هذه السيطرة ويحمي كبار الملاكين ورجال السلطة والمال عند وقوع أي أزمة هيكلية.
ويتجلى هذا التدخل الطبقي المنظم من خلال آليات متعددة تبدأ بتوظيف العنف البيروقراطي وتهميش العامل بالزمن؛ إذ تُستخدم المسطرة القضائية المطولة للتصفية كإستراتيجية إنهاك وتجويع تراهن على انكسار صمود الأسر ودفعهما للقبول بفتات التعويضات، مع تصنيف الشغيلة كدائنين عاديين خلف البنوك والدولة ومحو آثار ثروة المشغل التي جُمعت من عرقهم. ويرافق هذا المسار القضائي تواطؤ مؤسساتي صريح، حيث تتغاضى أجهزة الرقابة كفرع مفتشية الشغل وصندوق الضمان الاجتماعي لسنوات عن سرقة اقتطاعات العمال لحماية سيولة المقاولة، مستندة في ذلك إلى مرونة التشريعات التي صُممت بنودها لتسهيل الفصل لأسباب اقتصادية بأقل كلفة ممكنة على الباطرونا. وتكتمل هذه الحلقة عبر الحصار الأمني والإعلامي الصامت الذي يسعى لمنع امتداد الغضب الطبقي إلى الأحياء العمالية المجاورة وضمان حماية ما يُسمى بـ “جاذبية الاستثمار”، والتي ليس لها من معنى سوى الاستمرار في استنزاف المنتجين الحقيقيين للثروة.
إن حالة “سيكوميك” ليست معزولة، بل تكرر ذات النموذج الناظم للسيطرة الطبقية في مواقع إنتاجية متعددة؛ ففي ملف مصفاة “لاسامير” في قطاع الطاقة، تمت خصخصة أصول الدولة وتواطأ رأس المال البيروقراطي مع الرأسمال الأجنبي، ليُترك آلاف العمال يواجهون المجهول وتتآكل حقوقهم في ردهات القضاء فور انهيار المقاولة، بينما ظل المشغل حراً طليقاً. وفي شركات التدبير المفوض للنقل والتوزيع كـ “أمانديس”، تتدخل السلطات المحلية دائماً كدرع حامي للشركات متعددة الجنسيات لضرب العمل النقابي وقمع الاحتجاجات ضد شروط الاستغلال. أما في القطاع الفلاحي بشرق وغرب البلاد ولدى عاملات الفراولة بـ “لالة ميمونة”، فتظهر أقسى أشكال الاستعباد الطبقي من خلال غياب شروط السلامة والتغاضي التام عن حوادث السير القاتلة لسيارات نقل العمال والأجور المتدنية دون الحد الأدنى، وهو ما يعكس حماية الدولة المباشرة لكبار الملاكين العقاريين والمصدرين الذين يشكلون الدعامة الاقتصادية للسيطرة القائمة.
تُبرز هذه المواجهة عدم تكافؤ صارخ بين طرفي الصراع؛ فمن جهة، يملك التحالف البرجوازي الكمبرادوري والبيروقراطي جهاز الدولة بأسره، من قوانين وقضاء وأجهزة أمنية ومؤسسات إعلامية ومالية، ويستخدم الزمن والجوع كأدوات قمع غير مباشر. ومن جهة أخرى، يقف عمال وعاملات “سيكوميك” بالصدور العارية، بلا مقومات سوى وعيهم المتنامي ووحدتهم واستبسالهم لأكثر من سنتين في العراء تحت الخيام. وخلف هذا الصمود تقبع معاناة إنسانية شديدة القسوة تعيشها المئات من الأسر العمالية بين مرارة الفقر، والعجز عن توفير الدواء، وطرد الأبناء من المدارس، وتفكك النسيج الأسري، جراء التشريد الممنهج الذي يمارسه نظام لا يرى في العامل سوى أداة قابلة للاستهلاك والرمي.
إن استمرار هذه المعركة ورفض الشغيلة للحلول الترقيعية يمثل قفزة في وعيها الطبقي الذاتي، إذ أدرك العمال أن قضيتهم ليست مجرد مطالبة بتعويض مالي أو نزاع فردي مع رب عمل، بل هي مواجهة مع المنظومة بأكملها. وهنا تتضح محدودية الأشكال الاحتجاجية العفوية والأطر الجمعوية وحتى النضال النقابي البيروقراطي، الذي يمارس في أحيان كثيرة دور الوسيط الممتص للغضب والمانح للتنازلات ضمن قواعد اللعبة البرجوازية. وما دام الخصم يحارب وهو مسلح بجميع مؤسسات الدولة وجهازها القمعي والتنفيذي، فإن الطبقة العاملة لا يمكنها الاكتفاء بأدوات الدفاع المشتتة والمحاصرة… إن المخرج التاريخي الوحيد يتطلب الانتقال من الصمود العفوي والمطالبة الأجرية الضيقة إلى انتظام واعي ومستقل للطبقة العاملة في تنظيم سياسي خاص بها—حزب سياسي مستقل يعبر عن مصالحها الطبقية، يقود نضالاتها، ويحول المقاومة العارية للعمال إلى قوة سياسية منظمة قادرة على كسر موازين القوى وبناء أفق تحرري يضع حداً للاستغلال والتبعية.
#الجبهة_الشعبية_لمناهضة_الامبريالية_بالمغرب
#ANTI_IMPÉRIALISTE
#ضد_الإمبريالية
#سيكوميك
#الأرض_لست_سلعة
#الحرية
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
