تابعت بعض حلقات الميادين عن الحوار العربي الإيراني وطِبقاً لإدارة الحوار تساءلت:
هل هذا هو الوقت المناسب لإثارة هذه القضايا؟ وتحديداً أقصد ما يلي:
بينما تتعرض إيران لعدوان امريكي وصهيوني وصهاينة عرباً يصبح المطلوب للحوار عرباً يلجمهم العدوان فيتخلون في عدة نقاط عن عروبتهم. وهنا يقعوا في تناقض يُضعف خطابهم، أو إذا نقدوا إيران يظهرون كما لو أنهم مع العدوان!
وعليه، هل اختيار طرح الموضوع اليوم بعد سبعة وأربعين عاماً هو طرح ساذج، أم طرح خبيث! وهل هو من بنات فكر الميادين أم السلطات الإيرانية؟ عموماً النتيجة واحدة.
في مختلف حلقات الحوار كان يبدأ ويكرر المتحدث الإيراني سواء ما شاء الله شمس الواعظين أو أمير موسوي، الهجوم على الرئيس صدام حسين بأنه اعتدى على إيران وبدأ الحرب وأنه كان مدعوما من أمريكا! وطبعا صحيح أنه كان مدعوماً من حكام الخليج لا حُبا به.
أما المتحدثون العرب سواء السيدة كريمة حفناوي من مصر وجمال العسري من المغرب وسامي العريان من تركيا فلم يدافعوا عن صدام، ولم يقولوا مثلا سبب الحرب مشتركا ولم يناقشوا ابدا في موضوع الأهواز المحتلة من قِبل إيران. وهذه المساومة مفهومة في زمن يهرب معظم المثقفين من أي دفاع عن أي عروبي حتى ولو وقعوا في تفريط بالجغرافيا.
وهنا، بعيداً عن اقوال الشخوص الذين شاركوا أو أُشركوا في الحوار، أؤكد ما يلي:
1- في هذه الفترة على كل عربي أن يقف مع إيران ضد العدوان.
2- ولكن، على كل عربي، عروبي، طالما شارك في الحوار أن لا يهرب من ذكر أن الأهواز محتلة من إيران لأنه إذا غض الطرف عن هذا الاحتلال وعاد ليذكره مثلاً بعد عام سيقول له القارئ، أنت كذاب لأنك لم تقل هذا في عام كذا فالقارئ له عقله، واي تثقيف كاذب هو خيانة، فعلى العربي أو غير العربي وحتى الإيراني أن يقول الصدق وأن لا ينكر أو يُساوم على الحق العربي في الأهواز وهي أرض عربية عراقية محتلة من إيران الشاه الأسبق عام 1928 بقصد بريطاني خبيث وهي ممتدة على الشاطئ من هرمز حتى الحدود العراقية الإيرانية.
من المهم التأكيد أن حكام العراق حتى 2003 لم يتنازلوا، ولا يحق لهم التنازل، عن الأهواز بينما النظام الحالي في العراق والذي جلبه الاحتلال الأمريكي هو أداة لإيران. وهنا من المهم التذكير أن إيران الثورة يجب، لأنها ثورة، أن ترفض التعاون مع نظام عميل لأمريكا، لكن إيران احتوت هذا النظام! وها هو يخونها اليوم على يد علي الزيدي! لذا، من يحتوي خائن يكون قد خلق مناخ ولادة خائن مضاد له، هذه حكمة التاريخ لمن يضع الأفعى في عِبِّه.
ومن جهة ثانية، طالما أن استعادة الأهواز هو هدف عراقي وحق، فلماذا لم تقم إيران الثورة بداية من الإمام الخميني مثلا بالتصريح: “نحن نقترح على العرب مناقشة أو التفاوض على منطقة الأهواز”. فتصريح كهذا يخلق هدوءاً في النفوس وفرصة للحوار.
لكن هذا لم يحصل، بل هناك عديد الخطب للإمام الخميني فور سقوط الشاه وعودته إلى إيران وحسم الصراع مع القوى الشيوعية واليسارية لصالح إيديولوجيا الدينسياسي في إيران، وفي تلك الخطب كان الإمام الخميني يهاجم صدام شخصيا ويغوص تاريخيا وعميقا ليصل إلى الهجوم على الأمويين. وهذا الهجوم ليس دينيا بل طائفيا وقوميا! بل هذا خطاب متصحِّر متحجر ولعله تعبير محكم عن خطاب الدينسياسي.
وفيما يتعلق بالداخل الإيراني، الصراع الاجتماعي والإيديولوجي في الداخل الإيراني قد يكن لنا راياً، ولكن تلك أمور داخلية هناك.
ولكن الجبن في مجرد ذكر الأهواز ناهيك عن كونها عربية لا يختلف عن تسليم جزء من الوطن لمحتل. وبالقياس، من يتخلى عن الأهواز يتخلى عن فلسطين ويتخلى عن إنطاكية وعن سبتة ومليلية بل وعن كل سوريا كما يفعل الشيخ سامي العريان الذي يقيم في تركيا التي تحتل سوريا ويُبدي حماسة لإيران أكثر من ألإيرانيين لأن ما يهدف إليه هو مواصلة العداء للقومية العربية ونقده للأنظمة العربية هو من مدخل الدينسياسي وليس من حقيقة أنها أنظمة لا عروبية ومتصهينة، وبالمجموع فالمحتل من الوطن العربي هو بحجم وطن كبير!
لقد استقبل العراق الإمام الخميني أربعة عشر عاما، وحينما طلب منه الرئيس صدام تخفيف الهجوم على إيران رفض ذلك، فطلب منه صدام الخروج، وكما يقول أمير موسوي، لم يجد الخميني سوى فرنسا لاستقباله. ولست بصدد مناقشة هذا الاختيار مثلا من باب أن فرنسا موئل المعارضة الإيرانية حيث تؤوي مريم رجوي حتى اليوم. ولكن، لماذا لم يلوم المتحدث الإيراني تركيا المسلمة بأنها لم تستقبل الخميني. وطبعا بالمناسبة بريطانيا كانت موئل المعارضة العراقية قبل احتلال العراق 2003 ويا لها من معارضة حيث عادت في دبابات الاحتلال ودم الشعب وتغولت في الفساد!
كان سبب الضغط العراقي على الخميني هو توقيع معاهدة الجزائر 1975، حيث تضمنت إعطاء إيران حقا في مياه شط العرب وتعهدت إيران بالتوقف عن دعم الأكراد الصهاينة الانفصاليين.
ولا شك أن العراق اضطر لتقديم هذه المرونات او التنازلات.
ولذا حاول بعد سقوط الشاه تعديل الاتفاقية تفاؤلا بعلاقات طيبة مع الثورة، ولكن قوبل من النظام الجديد في إيران بما يلي:
أولاً: تحرشات حدودية بلغت شكاوى العراق بالمئات إلى الأمم المتحدة.
ثانيا: إعلان تصدير الثورة! والثورة ليست بضاعة للتصدير لأن الطبيعي أن تتأثر بلد بأفكار ثورة بلد آخر، هذا مع العلم بأن مضمون الثورة الإيرانية هو مضمون دينسياسي، وأما التصدير فهو بهدف توسع جيوسياسي قومي.
ثالثا: قامت طائرة حربية إيرانية بقصف العراق يوم 18 أيلول واسقطها العراق وأسر الطيار وأُفرج عنه بعد عشر سنوات. (نشرت الصورة قبل أيام).
رابعا: وكما ذكرنا تعددت خُطب الخميني بالهجوم على صدام وعلى الأمويين وهذا مضمونه طائفي شيعي إيراني ضد الطائفة السنية الأمر الذي جدد أطول صراع عبثي طائفي سياسي وحتى طبقي على مدار قرابة خمس عشرة قرنا تستغله طبقات ورجال طائفيين على دم الطبقات الشعبية وآخر طبعات هذا الصراع منذ الصحوات في سبعينات القرن العشرين هي الحوار بالانتحاريين! وأما ثمرتيه الزقوم فهما نظام طائفي في العراق ونقيضه في سوريا والنظامين عميلين للغرب وللكيان.
خامساً: الصحوات، وهذه ليست محصورة في إيران بل هي شحنة إيديولوجية دينسياسي، وليست إيماناً، مزدوجة حملتها عمائم الطرفين ووصلت بها بعيدا عن الدين نفسه.
وهناك عدة أمور أخرى طُرحت في الحوار بشكل غير منطقي وبعضها لم يُطرح.
لقد تم التركيز جداً على أن أمريكا سلحت العراق بينما تم المرور الهامشي وبقصد تهميش تصدير أسلحة من الكيان للثورة الإيرانية! وتم الحديث الطويل عن دعم حكام الخليج للعراق دون ذكر أنهم كانوا أيضا ضد العراق وخانوه لاحقا. لقد تم الحديث مطولا عن مساعدة إيران للمق ولكن لم يذكر أحداً أن إيران لم تطلق طلقة واحدة ضد الكيان إلا حينما اعتدى عليها، ولعل مذيعة الميادين تعرف وصمتت بخبث عن لقاء مع الراحل أحمد جبريل على الميادين وتكرر عرض اللقاء مرتين حيث قال:” نحن الذين كنا نوصل السلاح إلى السودان ومن هناك إلى غزة وكانت حماس تأخذ 90في المئة وتبقي لنا 10 في المئة، وإذا كانت إيران مع المقاومة فلماذا لا تقاتل معنا”.
ولم يذكر أحد ان تسليح حزب ذي العمامة السوداء كان من سوريا وصناعة سورية، ولكن طالما جرى تدمير سوريا فلا بد من “هز الذنب” للجولاني. وهو أمر لا يفوته أمير موسوي الذي تقطر سحنته الصفراء حقداً على العرب والهزء من سوريا الأسد.
في سياق التزلف المديد لإيران تم التشكيك بأن كل مساعدات الأنظمة العربية للمقاومة كانت فقط بهدف احتوائها، علما بأن الجمهوريات قاتلت الكيان 1967 و1991و 1973 بحروب حقيقية وقدمت للمق أموالا ضخمة ويكفي ما قدمته ليبيا القذافي.
لم يجرؤ المتحدثون العرب على القول بان العراق عرض الهدنة في العام الثاني للحرب ولكن الخميني رفضها على أمل هزيمة العراق ولأجل هذا افتى بشراء السلاح من الكيان فامتدت الحرب لثماني سنوات.
من المضحك أن الموظفة في معرض ردها على ماركسية المتحدث المغربي عن الماركسية والإتحاد السوفييتي أوردت فهمها المحدود والبائس لعبارة ماركس “الدين افيون الشعوب” ليتها تفهم اليوم على الأقل أن الدينسياسي مذبحة العرب. وللأسف المتحدث المغربي أغرق في التنظير الماركسي-اللينيني بينما أغرق الإيرانيون وخاصة الشيخ العريان في الهجوم على الشيوعية بعبارات ركيكة صاغتها الإمبريالية منذ قرن، وليت المغربي تحدث عن العروبة لكان رتق جانبا من الثغرات.
وهكذا، بدل أن يكون هدف الحوار دعم إيران ضد العدوان تحول إلى درجة كبيرة إلى إهانات للعرب!
هامش: تواجه المرء أحيانا أموراً لا بد أن يواجهها بكرامة وصدق، وأعتقد أن هذا لن يفعله الراسخون في القبض.
شاهد الفيديو:
WhatsApp Video 2026-09-10 at 1.20.29 PM.mp4
:::::
صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
