بهلوانيات فوكوياما عند “نهاية التاريخ”، سعيد محمد

في مناسبة صدور مذكرات فرنسيس فوكوياما، يعود السؤال عن حق المنتصر في إعلان اكتمال التاريخ، فيما تكشف تناقضات الرأسمالية المسافة بين وعود الديمقراطية الليبرالية والسلطة الفعلية التي تمنحها الثروة لأصحابها

19 أيلول 2026

منح فرنسيس فوكوياما (1952)، المفكر الأميركي من أصول يابانية، نهاية الحرب الباردة معنى يتجاوز موازين القوى التي أعادت تأسيسها، حين قدّم الديمقراطية الليبرالية بوصفها الصياغة النهائية للحكم، فارتقى بمؤسسات مرتبطة بمرحلة تاريخية محددة إلى مرتبة نظام يقدم شروط استمراره بوصفها حدوداً للعقل والحرية، ما يدفع دائماً إلى التساؤل عن المصالح التي يخدمها ذلك التثبيت لعلاقات الملكية والسلطة القائمة باعتبارها سقوفاً لما تستطيع المجتمعات البشرية بلوغه.

تكتسب العودة إلى هذه الأطروحة اليوم دلالة خاصة مع صدور مذكراته «في عالم الإنسان الأخير» (دار فارار، شتراوس وجيرو ـــ 2026)، حيث يستعيد تجربته في الأوساط الأكاديمية والسياسية الأميركية، ومراجعاته الفكرية التي أعقبت غزو العراق (2003) وأزمة الأسواق المالية العالمية (2008)، فتتيح سيرته التجوال في عقل اختبر المسافة بين الوعود التي حملتها سياسات دافع عنها والنتائج التي ترتبت عليها، وتطرح بذلك سؤالاً يمتد إلى أطروحته الأشهر: كيف تغيّر التجربة أحكام المفكر؟ وإلى أي مدى يستطيع إخضاع يقينه المطلق بوجهة التاريخ للمراجعة ذاتها؟

الديمقراطية بوصفها نهاية

يتطلب نقد أطروحة «نهاية التاريخ» أولاً تحريرها من سوء الفهم الذي صاحب شهرتها، فقد قصد فوكوياما في مقاله سنة 1989 وكتابه سنة 1992 بلوغ الديمقراطية الليبرالية موقع الصيغة النهائية للحكم، مع استمرار الحروب والأزمات واحتمالات التراجع. ولذلك تبقى الإشارة إلى حدث عنيف هنا أو سقوط حكومة هناك حجة قاصرة، بينما يظل الاعتراض الأساس متعلقاً باعتبار مبادئ النظام الليبرالي ومؤسساته أفقاً يستوعب التناقضات ويحصر تحولات مستقبل البشرية داخل حدوده.

استند فوكوياما في تأسيس أطروحته إلى هيغل عبر المفكر ألكسندر كوجيف، حيث تتخذ حركة التاريخ اتجاهاً جدلياً نحو تحقق الحرية والاعتراف المتبادل، ويتجاوز البشر أوضاعاً كانت دائماً تحمل في تناقضاتها أسباب تحوّلها. وقد قرأ فوكوياما المواطنة المتساوية والحكم برضا المحكومين بوصفهما استجابة نهائية للصراع على الاعتراف، ووجد في الليبرالية السياسية بنموذجها الغربي إطاراً لمصالحة نهائية بين حرية الفرد والنظام الاجتماعي.

البهلوانيات الاستدلالية في الأطروحة كانت في قفزتين مترابطتين: أولاهما في معاملته تناقضات الأنظمة السابقة بوصفها أسباباً لتجاوزها، نافياً تلك الخاصيّة عن الديمقراطية الليبرالية، وثانيها اعتبار تفاوت الثروة والنفوذ في تلك الديموقراطيات قصوراً في التطبيق تستطيع مؤسساتها إصلاحه، متجاهلاً بذلك علاقات الإنتاج التي تولّد هذا التفاوت وتعيد إنتاجه. فالمجتمع الرأسمالي يجمع بين مساواة الأفراد (نظرياً) أمام القانون وتفاوت مواقعهم في الإنتاج، حيث يدخل العامل وصاحب رأس المال عقداً يفترض أنه يعترف بحريتهما، في الوقت الذي يملك فيه أحدهما وسائل العمل ويتوقف معاش الآخر على بيع قوة عمله. تنتج عن هذا الاختلاف قدرة متفاوتة على تحديد الأجر والوقت وشروط الاستخدام، فتظهر الحرية التعاقدية في واقعها مجرد شكل داخل علاقة اجتماعية تمنح المسيطر فيها على الموارد الصلاحية للتحكم في حياة الآخرين.

ومن هذه العلاقة يستمد مفهوم «الاستغلال» دلالته عند ماركس، إذ يتعلق باستحواذ مالكي رأس المال على فائض القيمة الذي ينتجه العامل داخل عملية يحميها عقد معترف به، فتتجاوز المسألة سوء سلوك صاحب عمل أو قسوة نهج إداري معين، لتتصل بتنظيم الإنتاج وتوزيع عوائده، وبالضغط التنافسي الذي يدفع المؤسسات إلى زيادة الإنتاجية وضبط الأجور وتوسيع العائد على الاستثمار.

الديمقراطية تحت ضغط رأس المال

وتمتد آثار هذا التفاوت في الأنظمة الديمقراطية إلى التمثيل السياسي، إذ يتطلب الترشح وقتاً وموارد وشبكات دعم تتفاوت قدرة الطبقات على توفيرها، وتواجه الحكومات المنتخبة بدورها ضغوط رأس المال ومتطلباته، فتتشكل مساحة القرار الديمقراطي داخل صراع يتجاوز نتائج صناديق الاقتراع إلى توزيع القوة الاقتصادية والاجتماعية على نحو يحيل خيارات واسعة التأييد إلى موقع السياسات المرتفعة الكلفة على من يحاول تنفيذها.

السؤال الذي تطرحه «نهاية التاريخ» يتعلق بمن يملك سلطة تحديد المستقبل


وفي هذا النظام تظل الدولة نفسها ميداناً للصراع، تتقاطع فيه حاجات تراكم رأس المال مع مطالب الأجور والخدمات والاستقرار الاجتماعي، فتستطيع القوى الشعبية انتزاع إصلاحات وتوسيع دائرة حقوقها، بينما تواجه تلك المكاسب ضغوط الممولين والمنافسة بما يظهر الفرق بين قابلية النظام لتقديم تنازلات وبين انتهاء تناقضاته، لأن التسوية التي تحسن شروط العمل قد تعيد ترتيب أوراق الصراع،
لكنها بالضرورة تترك مسألة السيطرة على أدوات الإنتاج قائمة.

وتفسر هذه الصلة الوظيفة الأيديولوجية لفكرة «نهاية التاريخ»، إذ تجعل الشكل السياسي المصاحب للرأسمالية مرجعاً نهائياً، وتدفع الصراع نحو تحسين إدارة النظام وتعديل نتائجه، بينما تحيل السؤال عن الملكية والسيطرة على الاستثمار إلى الهامش. وتعمل أيديولوجيا الهيمنة هنا عبر تعميم تجربة تاريخية وتحويل مصالح استمرارها إلى بداهة وأصل الأشياء، إذ تبدو المطالبة بتجاوزها خروجاً عن العقلانية التي احتكر النظام تعريفها.

وعلى المستوى الدولي، يتيح هذا المنطق للقوى المهيمنة تقديم حروبها وتدخلاتها باعتبارها وسائل لدفع الشعوب نحو مستقبل تقرر شكله سلفاً، فتتداخل مصالح النفوذ وإسقاط الأنظمة الخصمة مع خطاب نشر الديمقراطية في العراق، وحماية المدنيين في ليبيا، ودعم الانتقال السياسي في سوريا – مع اختلاف ظروف هذه الحالات وأشكال التدخل الغربيّ فيها -، وتصبح النظرية أداة تسويق تحوّل حق الشعوب في تقرير مصيرها إلى مبرر لوصاية خارجية تحدد لها النظام المقبول وحلفاءه وشروط اندماجه في الاقتصاد العالمي، وتوظّف لغة «التحرر» لإضفاء المشروعية على إعادة ترتيب علاقات الهيمنة.

تتضح هذه الوظيفة الأيديولوجية للأطروحة على مستوى الاقتصاد حين يروج لقرارات الخصخصة أو خفض الإنفاق الاجتماعي باعتبارها استجابات تقنية تفرضها الضرورة الاقتصادية بحيث تصبح اختيارات توزيع الثروة مسائل تحسمها خبرة المختصين، ويُلقي بظلال شديدة على هوية المستفيدين منها مقابل المتضررين للتعمية على المضمون السياسي لهذه القرارات، وحقيقة ارتباطها بموازين القوى الطبقية التي تمنح مصالح معينة أولوية على حاجات اجتماعية أخرى.

حين صار الانتصار دليلاً

جاء انهيار الاتحاد السوفياتي لاحقاً ليعزز جاذبية أطروحة فوكوياما، ويمنح هزيمة تجربة تاريخية محددة دلالة تتجاوز مؤسساتها وظروفها. على أن تحويل ذلك السقوط إلى برهان على الزعم بنهائية الرأسمالية تطلب الانتقال من تفسير نتيجة تاريخية إلى الحكم مسبقاً على إمكانات التنظيم الاجتماعي التي قد تنتجها صراعات المستقبل.
وتتيح قراءة تاريخ الديمقراطية نفسها مساءلة هذا الانتقال، إذ توسعت حقوق الاقتراع والتنظيم والحماية الاجتماعية عبر صراعات عمالية ونسوية ونضالات ضد التمييز، فاكتسبت المؤسسات الليبرالية مضموناً تشكل تحت ضغط القوى المُستبعَدة.

ويظهر سوء فهم ثانٍ في صيغة «الإنسان الأخير»، حيث استعار فوكوياما من نيتشه صورة الإنسان الذي يطمئن إلى إشباع حاجاته ويتراجع طموحه، وأدخل في تحليله احتمال التمرد على حال الرضا والرغبة في التفوق. ولذلك، يستوعب تصوره أخطار الغضب والشعبوية، لكنه يتعامى عن الموقع الطبقي لهذا الإنسان، ومدى تمثيله مجتمعات يتوزع فيها الأمان والوقت وفرص تحقيق الذات بصورة شديدة التفاوت.
فالعامل الذي يخشى فقدان مسكنه وصاحب الثروة الذي يطلب مجداً سياسياً قد يجتمعان في خطاب احتجاجي، لكن حاجتهما إلى الاعتراف تتشكل داخل مصالح مختلفة، ويصبح تفسير غضبهما أكثر دقة حين يكشف تحليل تباين القدرة التفاوضية وتوزيع المكاسب ومصادر التمويل السياسي الكيفية التي تسمح لقيادة شعبوية بتحويل خسائر اجتماعية إلى عداوة قومية، وتوجيه الاعتراض على التفاوتات الاقتصادية نحو المهاجرين والأقليات مع حماية علاقات الملكية التي تنتج تلك التفاوتات.

أزمة 2008 تعيد فتح السؤال

أظهرت أزمة 2008 هذا التناقض الجذري بين السلطة الاقتصادية والمساءلة العامة، حين استدعى تعثر المؤسسات المالية تدخلاً من الحكومات لحماية النظام الائتماني، بينما تحملت العائلات تكلفة ذلك التدخل على شكل خسائر الوظائف والمساكن، ما جدد السؤال عن الجهات التي تقرر المخاطرة بالأصول مقابل الجهات التي تدفع كلفة الخسائر، وكيفية انتقال الأزمات من ميزانيات المؤسسات إلى شروط معيشة المجتمع وقدرته على تمويل احتياجاته الأساسية.

إن السؤال الذي تطرحه «نهاية التاريخ» يتعلق بمن يملك سلطة تحديد المستقبل، فالمجتمع الذي ينتج ثروته من جهد ملايين العمال ويترك إدارة استثماراته وتوزيع عوائده لدوائر ضيقة من المتنفذين يظل يحمل أسباب الصراع في صميم تنظيمه، وهذا التناقض يحجب عن الرأسمالية صفة الاكتمال، ويكشف عن حدود ديمقراطية شكلية تتعلق باختيار الشخصيات الحاكمة من مرشحين يسمح بهم النظام، مع بقاء القرارات الاقتصادية الكبرى بعيدة عن متناول الأكثرية العاملة.
لن تتحقق نهاية التاريخ قبل أن تصبح الحرية قدرة متنامية على تغيير علاقات العمل والملكية والسلطة، ويظل المستقبل موضوعاً للفعل الجماعي الذي يختبر إمكانات تتجاوز ما أتاحه انتصار تاريخي بعينه.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….