الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركية (الحلقة الحادية والعشرون)، مسعد عربيد

  • متابعة: دور الصهيونية المسيحية في تحول الصهيونية من “فكرة دينية” … إلى “مشروع استعماري – استيطاني“

ثانياً: المسالة اليهودية

يشير مصطلح “المسألة اليهودية” إلى النقاشات السياسية والاجتماعية والفكرية التي دارت في أوروبا، لا سيما منذ أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر، حول وضع اليهود القانوني والسياسي والاجتماعي والديني، وتحررهم ومنحهم المساواة في الحقوق والمواطنة في المجتمعات الأوروبية، واندماجهم في تلك المجتمعات ذات الغالبية المسيحية.

نتناول فيما يلي بعض التطورات والعوامل التي أسهمت في تفاقم المسألة اليهودية، ما أدّى إلى انسداد آفاق حلولها وأسهم في التأسيس للصهيونية السياسية (اليهودية) على يد تيودور هرتسل.

1. إرث عصر التنوير: أدّت أفكار التنوير حول المواطنة والمساواة إلى إثارة نقاشات حول أحقية اليهود في الحصول على حقوق مدنية وسياسية متساوية، وقد كانت الثورة الفرنسية محطة بالغة الأهمية في هذا الصدد، حيث نال اليهود الفرنسيون حقوقهم كمواطنين على مراحل تزامنت مع أحداث الثورة. غير أن التطورات التي تلت الثورة الفرنسية على المستويات الاجتماعية والسياسية، فاقمت من أوضاع اليهود في تلك المجتمعات ومن تأزم المسألة اليهودية في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية.

2. صعود المفاهيم والتيارات القومية في أوروبا: مع تصاعد التيارات القومية ومفاهيم المساواة والمواطنة والهوية الوطنية في المجتمعات الأوروبية، اشتد النقاش حول مسألة اندماج اليهود في تلك المجتمعات التي كانوا يعيشون بين ظهرانيها: إذ دافع بعضهم عن دمج اليهود ومنحهم مواطنة متساوية، بينما روج آخرون لتيارات وحركات سياسية معادية لليهود تدّعي أنهم منفصلون بطبيعتهم ويفتقرون إلى الولاء. (أنظر لاحقًا)

3. معاداة اليهود (معاداة السامية): بحلول أواخر القرن التاسع عشر، كانت نزعة معاداة اليهود قد اشتدت، وأخذ بعض الكتّاب والمفكرون يصورون اليهود بأنهم “مختلفون”، وليسوا مجرد أتباع لديانة مختلفة، بل يمثلون مشكلة اجتماعية وسياسية، ويشكلون تهديدًا عرقيًا أو قوميًا، وأن هذه المشكلة، من وجهة نظرهم، تتطلب حلاً سياسياً.

4. “البوغروم” والهجرة اليهودية: اشتدت حملات اضطهاد اليهود والتمييز ضدهم في روسيا القيصرية في أواخر القرن التاسع عشر، واتخذت شكل “البوغروم” pogrom، (الذي يعني المذبحة في الروسية أو أعمال القمع والعنف التي تستهدف جماعة عرقية أو دينية معينة، وتحديداً ضد اليهود)، ما أدّى إلى هجرة ملايين اليهود الذين توجهت غالبيتهم إلى الولايات المتحدة، وبأعداد أقل إلى كندا والأرجنتين وأوروبا الغربية وفلسطين.

5. فشل الاندماج وتداعياته: على الرغم من فشل محاولات اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية، أو نجاح بعضها ولو جزئيًا، فقد تركت تداعياتها وآثارها على تلك المجتمعات، خصوصًا في بريطانيا وغيرها من البلدان ذات الأغلبية البروتستانتية:

– ترسخ إيمان وتعاطف المسيحيين الأوروبيين مع النبوءات التوراتية في الكتاب المقدس، (الكتاب الأساسي للمسيحيين واليهود). وما يهمنا في هذا الصدد هو ثباتهم على العقيدة والإيمان في تحقق نبوءة “إعادة اليهود إلى فلسطين، وإعادة فلسطين إلى اليهود”.

– الإحساس بالخجل وربما بالذنب إزاء ما تعرض له اليهود في أوروبا.[1]

6. ظهور الصهيونية السياسية: في ظل تصاعد الفكر والتيارات المعادية لليهود، وتفاقم أوضاعهم في أوروبا الشرقية، وفشل محاولات اندماجهم في المجتمعات الأوروبية، رأى تيودور هرتسل وغيره من الكتّاب والمفكرون والقادة اليهود، بأن كافة الحلول المطروحة للمسألة اليهودية قد باءت بالفشل، وأنها (المسألة اليهودية) وصلت إلى حالة من الانسداد، ما وفر تبريرًا لأطروحته التي قامت على فكرة مركزية وهي: أن الحل يكمن في إقامة دولة يهودية مستقلة خاصة بهم.

تأثيرات المسألة اليهودية على فلسطين

تركت المسألة اليهودية وتداعياتها آثارًا هامة على فلسطين والمشروع الصهيوني – الإمبريالي للسيطرة عليها واستيطانها. ومن أهم هذه التأثيرات:

1. تبلور المشروع الاستيطاني الصهيوني: رأى هرتسل، كما أشرنا سابقًا، أن كافة الحلول المطروحة لحل مشاكل اليهود في أوروبا قد انتهت بالفشل، وبالتالي فإن حل المسألة اليهودية وتخليص اليهود من الظلم والاضطهاد يكمن في إقامة دولة مستقلة لهم تمنحهم الأمن والاستقرار، وهو ما طرحه في كتيبه “دولة اليهود” (1896) وتأطر لاحقًا في برنامج الحركة الصهيونية.

وفي صياغته الخطاب الصهيوني صوّب هرتسل جهوده إلى الاتجاهات الثلاثة التالية:

أ) تنظيم الجماعات اليهودية وإقناعها بجدوى المشروع الصهيوني والهجرة إلى فلسطين تحت شعار براغماتي يدّعي تخليصهم من الظلم والاضطهاد ومنحهم الأرض التي وعدهم الله بها كونهم “شعب الله المختار”.

ب) الحصول على دعم يهود الغرب لتبني مشروع استيطان فلسطين سياسيًا وماليًا.

ج) التحالف مع القوى الاستعمارية الغربية، ووضع الدولة اليهودية المنشودة في خدمة مصالح هذه القوى السياسية والاستراتيجية والاقتصادية.

مع حلول نهاية القرن التاسع عشر، تجسدت هذه المهام بتأسيس الحركة الصهيونية و”البرنامج الصهيوني” عام 1897، والتحالف مع القوى الإمبريالية، وصولاً، في نهاية المطاف، إلى تدفق الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستيطانها وإصدار وعد بلفور (1917) وإقامة الكيان الصهيوني على أرضها (1948).

2. اليهود: المادة البشرية للمشروع الاستيطاني: وصل هرتسل وغيره من القادة اليهود، إلى القناعة بأنه يتوجب على اليهود أن يأخذوا بزمام المبادة والعمل على حل مشاكلهم والعودة إلى “أرض إسرائيل”. غير أنهم لم يكونوا وحدهم، بل كان الصهاينة المسيحيون غير اليهود قد أدركوا أيضًا أن التجمعات اليهودية في أوروبا تشكّل المادة البشرية لأي مشروع لهجرة اليهود إلى فلسطين واستيطانها. لذا رأوا أنه ينبغي العمل مع هذه التجمعات واستهدافها وجذبها لمشروعهم. وعليه أخذ الصهاينة المسيحيون يتوجهون إلى التجمعات اليهودية بغية التقرب منها ودفعها للهجرة إلى فلسطين.

3. تحالفات متعددة الأطراف: أدّى تلاقي أهداف ومصالح الصهيونية المسيحية، من جهة، والصهيونية اليهودية حديثة النشأة من جهة أخرى، إلى:

أ) تعميق التحالف بينهما، وتعزيز العمل المشترك مع التجمعات اليهودية في أوروبا، والذي تمثّل في دعم هجرتهم إلى فلسطين، وإرسال البعثات التبشيرية وازدياد نشاط القنصليات الأوروبية وتغلغلها في فلسطين والمشرق العربي بهدف التأسيس للتدخل والسيطرة عليها، تمهيدًا لتأسيس ودعم المشروع الاستيطاني الصهيوني.

ب) هذا بالإضافة إلى توثيق تحالف كليهما، أي الصهيونية المسيحية والأخرى اليهودية، مع القوى الأوروبية الاستعمارية الغربية.

4. الهجرة اليهودية إلى فلسطين: تكاتفت هذه العوامل، بالإضافة إلى تفاقم أوضاع اليهود، في تزايد الهجرة اليهودية إلى فلسطين والاستيلاء على أراضيها وبناء المستوطنات وتنظيم حياة المستوطنين فيها خلال القرن التاسع عشر والعقود الأخيرة من الاحتلال العثماني.

فنتيجةً لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتنظيمها، وهربًا من القمع والاضطهاد والفقر والمصاعب الاقتصادية والأوضاع الاجتماعية والسياسية المتردية، هاجر في أواخر القرن التاسع عشر ما يقارب 2.5 مليون يهودي، الذين، وفق التقديرات، فرّوا من روسيا القيصرية وأوروبا الشرقية. وقد توجهت غالبيتهم إلى الولايات المتحدة، وبأعداد أقل إلى كندا والأرجنتين وأوروبا الغربية. وبحلول عام 1920، كان أكثر من مليوني يهودي قد وصلوا إلى الولايات المتحدة. أمّا فلسطين، فقد أطلقت الحركات الصهيونية المبكرة موجة الهجرة الأولى (العليا الأولى) التي وقعت تقريبًا بين عامي 1882 و1903 وجلبت آلاف المستوطنين اليهود الأوائل إلى فلسطين التي كانت تحت الاحتلال العثماني، تلتها الموجة الثانية (العليا الثانية) بين عامي 1904 و1914.

________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….


[1] الصهيونية المسيحية (1891-1948، بول مركلي، ترجمة فاضل جتكر، قَدْمُس للنشر والتوزيع، دمشق، سورية، 2004، ص 88.