واشنطن
كشف موقع “دروب سايت” الاثنين أن تقييماً سرياً أعدته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه” يحذر من أن “إسرائيل” قد تكون متجهة نحو صراع أهلي أو حتى انهيار مؤسسات الدولة، في ظل تراكم أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية تفاقمت بفعل سنوات الحرب على غزة، والحرب في لبنان وإيران.
وبحسب مصدرين أميركيين تحدثا إلى الموقع، أُعد التقرير في آب تحت عنوان “التصدع من الداخل”، واستند إلى معلومات مفتوحة المصدر وأخرى استخباراتية أميركية. وأعده خبراء “الخلية الحمراء” في الوكالة، وهي مجموعة مهمتها تقديم تحليلات بديلة تتحدى الافتراضات السائدة وتختبر مواطن الضعف والتفكير الجماعي داخل أجهزة صنع القرار.
ويكتسب التقييم أهميته من أنه لا يتعامل مع احتمال الانفجار الداخلي بوصفه سيناريو بعيداً، بل يربطه بتطورات قائمة داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول. ونقل “دروب سايت” عن مصدر في مجتمع الاستخبارات أن”إسرائيل” قد تكون «على بعد شرارة واحدة» من صراع داخلي حقيقي، نتيجة اتساع الشروخ السياسية والاجتماعية وتراكم الضغوط الاقتصادية والأمنية.
ويشير التقرير إلى مجموعة من العوامل التي قد تتفاعل بصورة خطرة، في مقدمتها ارتفاع الإنفاق العسكري، وتكاليف الحرب، وتفاقم تكاليف المعيشة، وعودة أعداد كبيرة من جنود الاحتياط من جبهات القتال وهم يعانون، في حالات كثيرة، من آثار نفسية عميقة. كما يبرز الغضب المتزايد من إعفاء الرجال الحريديم من الخدمة العسكرية، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، واستمرار الأزمة الدستورية والسياسية المرتبطة بمحاولات بنيامين نتنياهو الحفاظ على ائتلافه السياسي.
ويبدو أن مسألة الخدمة العسكرية باتت واحدة من أكثر خطوط الانقسام حساسية داخل المجتمع الإسرائيلي. فبينما استُدعي جنود الاحتياط مراراً وأُبعدوا عن أعمالهم وأسرهم لفترات طويلة، يواصل الرجال الحريديم، في قطاعات واسعة منهم، تجنب الخدمة مع استمرار حصول قطاعات من مجتمعهم على دعم حكومي. وقد أدى هذا التفاوت إلى شعور متزايد بعدم المساواة في توزيع أعباء الحرب.
ويتزامن ذلك مع ضغوط اقتصادية متزايدة. ووفق التقرير، ارتفعت أسعار المواد الغذائية، بما فيها الخضروات والفواكه الطازجة، بنسبة 9.5 في المئة خلال عامين، بينما تتحمل الأسر أعباء إضافية نتيجة استمرار الحرب وارتفاع الإنفاق العسكري.
ولا يرى التقرير أن المعارضة السياسية لنتنياهو تعني بالضرورة رفضاً للحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين. فجزء كبير من المعارضة يأتي من أحزاب صهيونية تختلف معه على القيادة والسياسات والتحالفات، بينما يتركز جانب أساسي من انتقاداتها على مسؤوليته السياسية عن الإخفاق الأمني الذي سبق هجوم السابع من أكتوبر.
وتزيد هذه المعادلة من صعوبة الخروج من المأزق السياسي. فاستطلاعات الرأي التي يستند إليها التقرير تشير إلى أن كتلتي نتنياهو وخصومه تواجهان صعوبة في الوصول إلى أغلبية الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة، ما يفتح الباب أمام استمرار الجمود السياسي في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمنية والاجتماعية.
ويحذر التقييم أيضاً من تداعيات نفسية واجتماعية طويلة الأمد للحرب. فعودة أعداد كبيرة من الجنود السابقين إلى الحياة المدنية، بعد سنوات من القتال والتعبئة، قد تترك آثاراً يصعب احتواؤها، ولا سيما مع وجود مجتمع شديد التسليح. ويشير التقرير إلى سوابق تاريخية لمجموعات من المحاربين القدامى عادت من الحروب وهي تحمل السلاح والصدمة والغضب، مع التأكيد على أن المقارنات التاريخية لا تعني تطابق الحالات.
ويضاف إلى ذلك تراجع الدعم الخارجي ل”إسرائيل”، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة. وينقل “دروب سايت” عن مصدر في مجتمع الاستخبارات وجود إحباط متزايد بشأن الموارد ورأس المال السياسي اللذين تنفقهما واشنطن لدعم “إسرائيل”، وسط اعتقاد لدى بعض المسؤولين بأن الولايات المتحدة أصبحت متورطة في حرب مكلفة لا تحقق أهدافها، وأن “إسرائيل” قد تتحول إلى عبء استراتيجي متزايد.
وكان تقييم استخباراتي آخر قد أشار إلى أن مسؤولين إسرائيليين يرون أن الإجماع السياسي الأميركي الذي دعم التحالف مع “إسرائيل” لعقود بدأ يتآكل، وأن الاعتماد المستمر على مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية قد يصبح سياسياً أكثر صعوبة في المستقبل.
وفي مواجهة هذا الاحتمال، تسعى “إسرائيل” إلى تعميق اندماجها في المنظومة العسكرية والاستخباراتية والصناعية الدفاعية الأميركية، بما يجعل فك الارتباط بين الطرفين أكثر صعوبة أمام أي إدارة أميركية مقبلة. لكن هذه الاستراتيجية تحمل مفارقة واضحة: فكلما ازدادت “إسرائيل” اعتماداً على الدعم الأميركي، ازدادت حساسية التحالف أمام التحولات في الرأي العام والسياسة الداخلية في الولايات المتحدة.
وبحسب بيانات استطلاع أوردها التقرير، ارتفعت نسبة الأميركيين الذين ينظرون إلى “إسرائيل” بصورة سلبية إلى 60 في المئة، مقارنة بـ53 في المئة قبل عام. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الدعم الأميركي الرسمي ل”إسرائيل” يقترب من نهايته، لكنه يشير إلى تغير في البيئة السياسية والاجتماعية التي يقوم عليها هذا الدعم.
ويرى التقرير أن الضغوط الخارجية يمكن أن تتفاعل مع الأزمات الداخلية بصورة مضاعفة. ومن السيناريوهات التي يناقشها احتمال تراجع الاستثمارات الأجنبية، أو انسحاب شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أو تقليص عملياتها وموظفيها، وتراجع العلاقات الإقليمية، وإعادة حكومات المنطقة حساباتها بشأن توسيع علاقاتها مع “إسرائيل”، فضلاً عن إمكانية استغلال حماس أو حزب الله لأي ضعف داخلي.
والأكثر دلالة أن التقرير، وفق المصادر التي تحدثت إلى «دروب سايت»، لا يكتفي بالحديث عن اضطرابات أو احتجاجات، وإنما يستخدم تحديداً تعبير «صراع أهلي» ضمن السيناريوهات المحتملة.
وتكمن أهمية هذا التقييم في أنه يطعن في افتراض طالما ارتبط بصورة “إسرائيل”عن نفسها، باعتبارها دولة متماسكة داخلياً وقادرة على تحويل التفوق العسكري والاستخباراتي إلى مظلة للاستقرار السياسي والاجتماعي. لكن سنوات الحرب المتواصلة تكشف أن التفوق العسكري لا يعالج بالضرورة الانقسامات المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة وأعباء الخدمة العسكرية، ولا يحل أزمة الثقة بالمؤسسات السياسية.
ولا يعني التقرير أن انهيار “إسرائيل” أصبح حتمياً، ولا أن الصراع الأهلي بات وشيكاً بالضرورة. لكنه يحذر من تلاقي مجموعة من الأزمات التي يمكن أن تجعل أزمة سياسية محدودة أكثر صعوبة في الاحتواء: مجتمع شديد التسليح، واستقطاب سياسي حاد، وتكاليف اقتصادية متزايدة، وآثار نفسية للحرب، وخلافات حول الخدمة العسكرية، وتوترات داخلية مرتبطة بسياسات الحكومة في الضفة الغربية وغزة، إلى جانب تراجع تدريجي في الدعم الدولي والأميركي.
وبهذا المعنى، فإن الخطر الذي يلفت إليه التقييم لا يأتي بالضرورة من جبهة خارجية جديدة، وإنما من احتمال أن تتفاعل الجبهات الخارجية مع التصدعات الداخلية بطريقة تجعل قدرة الدولة على احتواء أزماتها أكثر محدودية.
قوة عسكرية لا تعني تماسكاً داخلياً
وتكشف خلاصة التقرير عن مفارقة أساسية: الدولة التي بنت جزءاً كبيراً من أمنها القومي على التفوق العسكري والاستخباراتي تواجه تحديات متزايدة في إدارة الانقسامات داخل مجتمعها. فالحروب المتواصلة لم تؤد بالضرورة إلى توحيد الإسرائيليين، بل عمقت الخلاف حول من يتحمل أعباء القتال، ومن يقرر استمرار الحرب، وكيف توزع تكاليفها. والأهم أن جزءاً كبيراً من هذا الخلاف يدور داخل المجتمع اليهودي نفسه، ولا يتمحور بالضرورة حول حقوق الفلسطينيين أو شرعية الحرب. وهذا يوضح أن القوة العسكرية لا تكفي وحدها لمعالجة أزمات الثقة والانقسام السياسي والاجتماعي.
نتنياهو ليس أصل الأزمة وحده
قد يكون نتنياهو محوراً رئيسياً للأزمة السياسية، لكن التقرير يلفت بصورة غير مباشرة إلى أن رحيله لن يعالج تلقائياً أسباب التصدع. فمشكلات الخدمة العسكرية، وتكاليف المعيشة، وعنف المستوطنين، وآثار الحرب النفسية، والجمود السياسي، والتراجع الدولي، كلها أزمات تتجاوز شخص رئيس الحكومة. كما أن القوى التي تعارض نتنياهو لا تقدم بالضرورة بديلاً جذرياً عن السياسات الأمنية والعسكرية التي قادت إلى الوضع الراهن. ولذلك فإن اختزال الأزمة في شخص نتنياهو قد يغير شكل الحكومة، لكنه لا يحسم بالضرورة الأسئلة الأعمق المتعلقة بمستقبل الدولة وخياراتها السياسية والأمنية.
أخطر ما في التقرير هو تغير النظرة الأميركية
قد يكون التحول في الولايات المتحدة من أكثر العوامل الاستراتيجية تأثيراً على مستقبل “إسرائيل”. فالدعم الأميركي لم يكن مجرد مساعدة عسكرية، بل شكّل أحد أعمدة القوة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية الإسرائيلية. وإذا تحول هذا الدعم من قضية تحظى بإجماع واسع إلى ملف أكثر انقساماً داخل المجتمع والمؤسسات الأميركية، فإن “إسرائيل” ستواجه تحدياً يتجاوز إدارة حرب أو تشكيل حكومة جديدة. والخطر الاستراتيجي يكمن في أن الاعتماد المتزايد على واشنطن قد يصبح أكثر حساسية في وقت تتغير فيه مواقف قطاعات من الرأي العام الأميركي، ما يضع مستقبل التحالف أمام نقاش سياسي متزايد الصعوبة.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
