إيباك تتراجع عن تأييد المرشحين وتوجيه التبرعات المباشرة، سعيد عريقات

إيباك تتراجع عن تأييد المرشحين وتوجيه التبرعات المباشرة

  • حول التحولات في اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة

سعيد عريقات

واشنطن، 23/10/2026

أعلنت لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “إيباك” (AIPAC)، الأربعاء، أنها ستتوقف عن إصدار تأييدات رسمية للمرشحين للانتخابات الأميركية، وعن تقديم مساهمات مباشرة لهم عبر لجنتها للعمل السياسي، أو تخصيص تبرعات محددة لصالحهم، في تحول لافت بعد خمس سنوات فقط من دخولها المباشر إلى ساحة التمويل الانتخابي.

لكن القرار لا يعني انسحاب المنظمة من المعارك الانتخابية أو تخليها عن هدفها المعلن المتمثل في تعزيز التحالف الأميركي الإسرائيلي. إذ ستواصل نشاطها السياسي وجمع الأموال عبر وسائل أخرى، وفي مقدمتها لجنة “مشروع الديمقراطية المتحدة” (United Democracy Project)، التي ستستمر في إنفاق الأموال للتأثير في الانتخابات التمهيدية والعامة.

ويأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه إيباك ضغوطاً متزايدة بسبب دورها في تمويل الحملات الانتخابية، وتصاعد الانتقادات داخل قطاعات من الحزب الديمقراطي للسياسات الإسرائيلية، خصوصاً ما يتعلق بالحرب والمساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل.

مراجعة استراتيجية تحت ضغط متزايد

وأوضحت قيادة إيباك، في رسالة إلى أعضائها، أن مجلس الإدارة أجرى مراجعة استراتيجية استمرت عدة أشهر، خلصت إلى ضرورة بناء منظومة سياسية أكثر مرونة وقدرة على التأثير، مع التركيز على توسيع التبرعات الفردية المباشرة من الأميركيين إلى المرشحين والاستفادة من أدوات جديدة لجمع الأموال.

ووفقاً للرسالة، لن تعتمد المنظمة مستقبلاً على التأييدات الرسمية أو المساهمات المباشرة عبر لجنتها للعمل السياسي أو تخصيص التبرعات للمرشحين عبر منصتها. لكنها ستواصل توجيه أعضائها نحو المرشحين الذين ترى أنهم يستحقون الدعم.

ويعيد هذا التوجه إيباك إلى نمط أقرب إلى ما كانت تتبعه قبل إطلاق لجنتها السياسية عام 2021، من دون التخلي عن لجنة “مشروع الديمقراطية المتحدة”، التي تمتلك القدرة على ضخ مبالغ كبيرة في السباقات الانتخابية.

وتكشف الخطوة عن محاولة للفصل بين الدور التنظيمي الذي تؤديه المنظمة وبين أدوات التمويل التي أصبحت محوراً للجدل السياسي والإعلامي.

المال السياسي في قلب المواجهة

منذ إطلاق لجنتها للعمل السياسي ولجنة “مشروع الديمقراطية المتحدة” عام 2021، وسّعت إيباك حضورها في تمويل الحملات، وأنفقت لجنتها المستقلة عشرات الملايين من الدولارات لدعم مرشحين مؤيدين لإسرائيل، أو هزيمة مرشحين تصنفهم المنظمة على أنهم معادون لها.

لكن هذا النفوذ المتنامي أوجد ردود فعل مضادة. فقد أعلن عدد متزايد من الديمقراطيين رفضهم تلقي تبرعات من لجان العمل السياسي، بمن فيهم سياسيون مؤيدون لإسرائيل، مثل السيناتور كوري بوكر عن ولاية نيوجيرسي.

وفي وقت سابق من العام الحالي، علّقت إيباك جهود جمع الأموال لصالح 18 نائباً ديمقراطياً في مجلس النواب، بعدما صوّتوا لمصلحة خفض المساعدات الأميركية لإسرائيل. وفي المقابل، أظهرت منصتها استمرار روابط جمع التبرعات مع 178 نائباً جمهورياً و72 نائباً ديمقراطياً.

وتشير هذه التطورات إلى أن الخلاف بشأن إيباك لم يعد محصوراً في الانتماءات الحزبية، بل أصبح مرتبطاً بمواقف النواب من المساعدات لإسرائيل، وبمدى استعدادهم لمواجهة الضغوط السياسية والمالية المرتبطة بها.

التبرعات الفردية بديلاً عن التمويل المباشر

قالت المتحدثة باسم إيباك، ديرين سوزا، في تصريح صحفي، إن أعضاء المنظمة قدموا أكثر من 90 مليون دولار للمرشحين خلال الدورة الانتخابية الحالية، بما في ذلك التبرعات الموجهة عبر منصة إيباك، مقارنة بأكثر من ثلاثة ملايين دولار قدمتها اللجنة السياسية التابعة للمنظمة مباشرة.

وتعكس هذه الأرقام اعتماد المنظمة الكبير على التبرعات الفردية، وهو ما يمنحها مبرراً عملياً لإعادة تنظيم آليات التمويل. فالمساهمات المباشرة التي تستطيع لجان العمل السياسي تقديمها محدودة قانونياً، إذ يبلغ سقفها عشرة آلاف دولار لكل مرشح في الدورة الانتخابية، بينما تتيح التبرعات الفردية، ضمن الحدود القانونية، توسيع قاعدة التمويل.

وكانت التبرعات المخصصة عبر منصة إيباك تظهر في تقارير التمويل الانتخابي باعتبارها تبرعات مقدمة من أفراد. ومن شأن إنهاء هذه الآلية أن يسمح لمؤيدي المنظمة بمواصلة دعم مرشحين أعلنوا رفضهم تلقي أموال من إيباك أو من لجان العمل السياسي عموماً.

غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يؤدي تغيير قنوات التمويل إلى تخفيف الانتقادات الموجهة إلى نفوذ المنظمة، أم أنه يغير شكل هذا النفوذ من دون المساس بجوهره؟

“مشروع الديمقراطية المتحدة”.. النفوذ مستمر

رغم إنهاء التأييدات الرسمية والمساهمات المباشرة، ستحتفظ إيباك بلجنة “مشروع الديمقراطية المتحدة”، إحدى أهم أدواتها للتأثير في الانتخابات التمهيدية، حيث يستطيع الإنفاق المستقل تغيير موازين المنافسة حتى من دون تأييد رسمي معلن.

وأكدت سوزا أن اللجنة ستظل أداة مهمة لمساعدة المرشحين المؤيدين لإسرائيل وهزيمة من تصنفهم المنظمة بأنهم معادون لها.

وقالت إيباك إنها ساعدت 290 مرشحاً على الفوز في الدورة الانتخابية الحالية، وأسهمت في هزيمة 29 مرشحاً تصفهم بأنهم معادون لإسرائيل. لكن المنظمة تعرضت أيضاً لانتكاسات بارزة.

ففي الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، أنفقت اللجنة أكثر من 30 مليون دولار دعماً للنائبة هايلي ستيفنز، لكنها لم تحقق النتيجة التي سعت إليها. وفي سباق لمجلس النواب بولاية نيوجيرسي، ساهمت تدخلات المنظمة بصورة غير مباشرة في تهيئة الظروف التي سمحت لمرشحة ديمقراطية من اليسار المناهض لإسرائيل بتحقيق الفوز.

وتؤكد هذه التجارب أن القدرة المالية الكبيرة لا تضمن النتائج السياسية المطلوبة، خصوصاً عندما يتحول الإنفاق الانتخابي نفسه إلى قضية يتجادل حولها الناخبون.

تحديات تتجاوز انتخابات 2026

أقرت قيادة إيباك بأن انتخابات 2026 تمثل واحدة من أكثر البيئات السياسية صعوبة في السنوات الأخيرة، محذرة من أن التحديات ستتزايد، وأن دورة 2028 ستتطلب التزاماً أكبر من الناشطين المؤيدين لإسرائيل.

ويعكس ذلك إدراكاً بأن الجدل بشأن العلاقة الأميركية الإسرائيلية لم يعد مقتصراً على السياسة الخارجية، بل أصبح جزءاً من النقاش الداخلي بشأن الحروب والإنفاق العام وحدود النفوذ المالي في الانتخابات.

وتواجه إيباك كذلك انتقادات من جماعات مناهضة لها، بينها “تراك إيباك” (لاحق إيباك)، استهدفت متبرعين مؤيدين لإسرائيل، بمن فيهم أفراد قدموا تبرعات مستقلة عن المنظمة، وربطت أموالهم بنفوذها السياسي. وقد أثارت هذه الممارسات اتهامات بمعاداة السامية عندما استُخدمت هوية بعض المتبرعين اليهود لاستهدافهم أو التشكيك في ولائهم.

وقد يجعل إنهاء تخصيص التبرعات عبر منصة إيباك هذه الممارسات أكثر وضوحاً، لكنه لن ينهي الجدل بشأن مصادر التمويل وتأثيرها في الانتخابات.

كما ستحتاج المنظمة إلى تعديل خطابها السياسي، بعدما اعتادت التفاخر بقدرتها على جمع الأموال لمرشحين ديمقراطيين، بينهم أعضاء في تجمعات تمثل التقدميين والأميركيين السود واللاتينيين والآسيويين. وكانت تستخدم هذا التنوع للرد على اتهامات بأنها تدعم اتجاهاً حزبياً واحداً.

في المحصلة، لا يبدو قرار إيباك تراجعاً عن هدفها السياسي بقدر ما هو محاولة للتكيف مع بيئة انتخابية أشد عدائية تجاه نفوذها المالي. وسيعتمد نجاح الاستراتيجية الجديدة على قدرتها على الحفاظ على شبكات التمويل والتأثير، في وقت تتزايد فيه الخلافات بشأن سياسات الحكومة الإسرائيلية، وتتراجع فيه قدرة المال وحده على ضمان الفوز.

تغيير الأدوات لا يعني التخلي عن النفوذ

لا ينبغي قراءة قرار إيباك بوصفه انسحاباً من السياسة الانتخابية الأميركية، بل باعتباره محاولة لإعادة هندسة نفوذها في بيئة أصبحت أكثر حساسية تجاه المال السياسي. فالتبرعات المباشرة والتأييدات العلنية توفران للخصوم هدفاً واضحاً، بينما تسمح التبرعات الفردية والإنفاق المستقل باستمرار التأثير عبر قنوات متعددة. ومع احتفاظ المنظمة بلجنة «مشروع الديمقراطية المتحدة»، فإن جوهر قوتها المالية لا يتلاشى. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت إعادة التنظيم ستقلل الكلفة السياسية لتدخلاتها، أم ستؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد آليات التمويل.

الانقسام داخل الحزب الديمقراطي يضع التحالف الأميركي الإسرائيلي أمام اختبار

يكشف الجدل حول إيباك عن تحول يتجاوز الخلاف على التبرعات، ليطال طبيعة العلاقة الأميركية الإسرائيلية داخل الحزب الديمقراطي. فرفض بعض النواب والمرشحين التمويل المرتبط بالمنظمة يعكس اتساع المسافة بين الالتزام التقليدي بدعم إسرائيل والمطالب المتزايدة بمساءلة سياساتها، ولا سيما في ظل الحروب والمساعدات العسكرية. ومع اقتراب انتخابات 2026، قد تصبح هذه القضية اختباراً للمرشحين أمام قواعد انتخابية أكثر انقساماً. ولن يكون التحدي مقتصراً على إيباك، بل سيمتد إلى الحزب الديمقراطي الذي يحاول التوفيق بين إرثه السياسي وتحولات قاعدته الشعبية.

المال الانتخابي لا يضمن الفوز ولا يحسم النقاش

تثبت الانتكاسات التي واجهت إيباك، رغم إنفاقها عشرات الملايين من الدولارات، أن المال السياسي يستطيع التأثير في المنافسة لكنه لا يستطيع ضمان نتائجها. فالناخبون لا يصوتون دائماً وفق حسابات الممولين، وقد يتحول الإنفاق المكثف إلى عبء عندما يُنظر إليه باعتباره محاولة لفرض خيارات سياسية من خارج الدائرة الانتخابية. وتزداد أهمية هذه المعادلة في الانتخابات التمهيدية، حيث يمكن لقضية واحدة أن تحشد الناخبين ضد مرشح مدعوم مالياً. لذلك، فإن مستقبل إيباك سيتوقف على قدرتها على كسب الشرعية السياسية، لا مجرد توسيع مواردها المالية.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….