من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود المهاجرون، وفلسطين، وتشابك المصالح الدولية (1917–1939)، الجزء 2-7، د. زياد الزبيدي

27 تشرين الأول أكتوبر 2026

 فلسطين تتغير ديموغرافيًا

▪️من 84 ألفًا إلى أكثر من 411 ألفًا: كيف تحولت الهجرة إلى عامل حاسم في المشروع السياسي؟ (1922–1938)

عندما أقرّ الكونغرس الأمريكي عام 1922 قرارًا يؤيد إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، كان عدد اليهود في البلاد نحو 84 ألفًا، من مجموع سكان قُدّر بنحو 757 ألف نسمة، وفق الإحصاءات البريطانية لتلك الفترة. وبذلك كان اليهود يشكلون قرابة 11% من السكان.

بعد ستة عشر عامًا، تغيّرت الصورة بصورة لافتة.

فبحسب التقديرات البريطانية، بلغ عدد اليهود في فلسطين في نهاية عام 1938 نحو 411,263 نسمة، من مجموع سكاني وصل إلى 1,435,341 نسمة. أي إن عدد اليهود اقترب من خمسة أمثال مستواه عام 1922، وإرتفعت نسبتهم إلى نحو 28.7% من سكان البلاد، بعد أن كانوا يشكلون قرابة 11% منها.

لم تكن هذه زيادة سكانية عادية. فقد شهدت فلسطين خلال أقل من عقدين تحولًا ديموغرافيًا كبيرًا، أدّت الهجرة دورًا رئيسيًا فيه، بالتوازي مع نمو طبيعي في عدد السكان اليهود وتوسع المؤسسات الإقتصادية والإجتماعية المرتبطة بالمشروع الصهيوني.

▪️الرقم الذي يصعب تجاهله

تقدم الإحصاءات البريطانية، التي أعادت الأمم المتحدة نشرها لاحقًا، صورة واضحة لمسار هذا التحول.

فقد إرتفع عدد اليهود من نحو 83,790 عام 1922 إلى 174,610 في تعداد عام 1931. ثم بلغ 209,207 عام 1933، و253,700 عام 1934، و320,358 عام 1935، و370,483 عام 1936. وفي نهاية عام 1938 وصل العدد إلى 411,263 نسمة.

لكن الأهم من الرقم النهائي هو مصدر هذه الزيادة.

فإذا إعتمدنا عددًا إبتدائيًا قدره 83,790 نسمة، فإن الزيادة حتى نهاية عام 1938 بلغت 327,473 شخصًا. ووفق الحسابات المستندة إلى البيانات السكانية البريطانية، نُسب نحو 259 ألفًا من هذه الزيادة إلى الهجرة، مقابل نحو 68 ألفًا إلى الزيادة الطبيعية الناتجة عن فائض المواليد على الوفيات.

بعبارة أخرى، كانت الهجرة مسؤولة عن نحو أربعة أخماس الزيادة السكانية اليهودية خلال تلك الفترة.

وهنا تتغير زاوية النظر إلى القضية. فلم يعد السؤال مقتصرًا على أسباب إزدياد عدد اليهود في فلسطين، بل إمتد إلى طبيعة الهجرة وحجمها ومصادرها، والجهات التي نظّمتها وساعدت على تمويلها، والهدف السياسي الذي إرتبط بها.

فالهجرة لم تكن مجرد حركة أفراد؛ بل أصبحت أحد العوامل الأساسية في إعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني.

▪️ثلاثينيات القرن: نقطة التحول

لم تبدأ الهجرة اليهودية إلى فلسطين عام 1933. فقد شهدت عشرينيات القرن موجات هجرة مهمة، ولا سيما في منتصفها، حين وصل آلاف المهاجرين من أوروبا الشرقية وغيرها.

لكن صعود أدولف هتلر إلى السلطة في ألمانيا عام 1933 غيّر ظروف الهجرة ودوافعها. فقد بدأ النظام النازي بإستبعاد اليهود من قطاعات متزايدة من الحياة العامة والإقتصادية، وفرض عليهم قيودًا وإضطهادًا متصاعدًا، ما دفع أعدادًا متزايدة منهم إلى البحث عن مخرج من ألمانيا.

وفي هذه الظروف، إزدادت أهمية فلسطين بالنسبة إلى الحركة الصهيونية، بوصفها مركزًا لمشروعها القومي، وبالنسبة إلى عدد متزايد من اليهود الألمان الذين أخذوا يبحثون عن مكان يمكنهم الإنتقال إليه.

وتظهر سجلات الهجرة الرسمية حجم التغير. فقد وصل عدد المهاجرين اليهود المسجلين إلى فلسطين إلى نحو 30,327 عام 1933، و42,359 عام 1934، ثم ارتفع إلى 61,854 عام 1935. وبعد ذلك تراجع إلى 29,727 عام 1936، ثم إلى 10,536 عام 1937، قبل أن يسجل 12,868 عام 1938.

تُظهر هذه الأرقام طفرة واضحة في منتصف الثلاثينيات، أعقبتها تقلبات حادة. وقد تزامن التراجع مع إندلاع الثورة العربية الفلسطينية عام 1936، وتصاعد النزاع على الهجرة والإستيطان، وتشديد القيود البريطانية على بعض فئات المهاجرين. لكن من الضروري ألا ننسب كل تغير سنوي إلى عامل واحد؛ فحجم الهجرة تأثر أيضًا بالأوضاع الأوروبية، وسياسات الدول، والقدرة على الإنتقال، والظروف الإقتصادية والسياسية في فلسطين.

كما ينبغي التمييز بين المهاجرين المسجلين واللاجئين بالمعنى القانوني الذي تطور لاحقًا. لم يكن كل من وصل إلى فلسطين لاجئًا، لكن عددًا من اليهود القادمين من ألمانيا كانوا يفرون بالفعل من إضطهاد أخذ يشتد، ومن سياسات إستهدفت حقوقهم وممتلكاتهم ووجودهم في المجتمع الألماني.

وهنا برز عامل آخر لا يقل أهمية عن عدد الوافدين: رأس المال الذي رافق الهجرة أو إنتقل معها.

▪️الهجرة لم تكن إنتقال أشخاص فقط

لم يكن المشروع الصهيوني قائمًا على إستقبال مهاجرين فحسب، بل على بناء مجتمع قادر على الإستمرار إقتصاديًا وتنظيميًا، وتطوير مؤسسات سياسية وإجتماعية خاصة به. ولهذا إكتسبت هجرة أصحاب رؤوس الأموال والمهنيين وأصحاب الخبرات أهمية خاصة.

فإلى جانب عدد السكان، كانت هناك أسئلة تتعلق بإمتلاك الأراضي، وتمويل المشروعات الزراعية والصناعية، والإسكان، والمصارف، والمؤسسات الإجتماعية، وقدرة الوافدين على تأسيس أعمال جديدة أو توسيع المؤسسات القائمة.

وبذلك لم تكن آثار الهجرة متساوية في جميع الحالات. فالمهاجر الذي يصل ومعه رأس مال أو خبرة مهنية أو موارد قابلة للإستثمار يمتلك إمكانات تختلف عن إمكانات شخص يصل من دون ممتلكات أو موارد. وكانت هذه الفوارق مهمة في بناء الإقتصاد اليهودي في فلسطين، وفي تحديد قدرة المهاجرين على الإستقرار وإعادة تأسيس حياتهم.

ومن هنا ينبغي النظر إلى التحول الديموغرافي والإقتصادي بوصفهما مسارين متداخلين: إزدياد عدد السكان من جهة، وتوسع المؤسسات والأنشطة الإقتصادية المرتبطة بالمجتمع اليهودي من جهة أخرى.

وتكشف الوثائق الدولية المعاصرة أن تدفق رأس المال إلى فلسطين كان عنصرًا ملحوظًا في هذه العملية، بالتوازي مع إزدياد الهجرة ونمو النشاطين الزراعي والصناعي.

لكن هذا يقودنا إلى سؤال أكثر تحديدًا: ماذا حدث عندما بدأ يهود ألمانيا يبحثون عن مخرج من القيود النازية، في حين كانت الحركة الصهيونية تسعى إلى زيادة الهجرة إلى فلسطين، وكانت هناك حاجة إلى نقل بعض الأصول المالية من ألمانيا؟

في عام 1933 ظهرت ترتيبات عُرفت باسم إتفاقية الهافارا، وأقامت آلية عملية لنقل جزء من أصول بعض المهاجرين اليهود الألمان إلى فلسطين من خلال التجارة. وقد تداخلت في هذه الآلية أهداف مختلفة ومتناقضة، وهي مسألة تستحق دراسة مستقلة، لا مجرد إشارة عابرة.

سنخصص الحلقة الثالثة لفحص الاتفاقية نفسها: كيف عملت، ومن شارك فيها، وما الذي أراده كل طرف، وما الذي تثبته الوثائق فعلًا بشأنها.

▪️بريطانيا بين إلتزام الإنتداب ومخاوف الواقع

كانت بريطانيا التي احتلت فلسطين وصاحبة السلطة على فلسطين بموجب الإنتداب، الذي نص على تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الإستيطان اليهودي في ظل شروط محددة. لكن تطبيق هذه الإلتزامات واجه صراعًا سياسيًا متصاعدًا داخل البلاد.

فقد عارض العرب الفلسطينيون إستمرار الهجرة والإستيطان، خشية أن يؤديا إلى تقويض مستقبلهم السياسي وتغيير ميزان القوى في وطنهم. وبلغ هذا الصراع مرحلة حادة مع الثورة العربية الفلسطينية التي إندلعت عام 1936، وما تبعها من إضطرابات ومواجهات.

وجدت بريطانيا نفسها أمام تناقض متزايد بين إلتزاماتها الواردة في صك الإنتداب، ومطالب الحركة الصهيونية بتوسيع الهجرة، ورفض قطاعات واسعة من العرب الفلسطينيين إستمرارها من دون موافقة ممثليهم السياسيين..

ولهذا لا يصح تصوير فلسطين في الثلاثينيات بإعتبارها بابًا مفتوحًا بلا حدود أمام الهجرة اليهودية. فقد إتجهت السياسة البريطانية تدريجيًا إلى فرض قيود على الهجرة، وأصبحت المسألة موضع نزاع سياسي متزايد، داخل فلسطين وفي لندن.

لكن القيود البريطانية لم تُلغِ حقيقة أن فلسطين كانت قد تحولت بالفعل إلى مركز رئيسي للهجرة اليهودية، وأن المجتمع اليهودي فيها نما بسرعة خلال السنوات السابقة. وهكذا تداخل مساران: توسع ديموغرافي وإقتصادي تحقق على مدى سنوات، ومحاولات متزايدة لضبط الهجرة في ظل الصراع على مستقبل البلاد.

▪️من التحول الديموغرافي إلى أزمة اللاجئين الدولية

بحلول عام 1938، لم تعد فكرة «الوطن القومي اليهودي» التي ناقشها الكونغرس الأمريكي عام 1922 مجرد مشروع مستقبلي. فقد نشأ في فلسطين مجتمع يهودي كبير نسبيًا، يمتلك مؤسسات إقتصادية وإجتماعية وسياسية، وأصبح قادرًا على إستقبال أعداد إضافية من المهاجرين، وإن كانت قدرته الفعلية على الإستيعاب موضع نزاع وتخضع لقيود الإنتداب والظروف السياسية.

وفي الوقت نفسه، كانت ألمانيا النازية تدفع أعدادًا متزايدة من اليهود إلى مغادرة البلاد، بينما ظلت الولايات المتحدة ودول أخرى تعمل ضمن أنظمة هجرة مقيدة، ولم تكن مستعدة لفتح أبوابها على نطاق واسع.

وهنا ينبغي التمييز بين حقيقتين: أن فلسطين أصبحت مقصدًا رئيسيًا للهجرة اليهودية، وأن دولًا أخرى فرضت قيودًا على إستقبال المهاجرين اليهود. ويمكن القول إن هذه السياسات كانت أجزاءً من خطة دولية موحدة لتوجيه اليهود إلى فلسطين.

لكن الأرقام تضعنا أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: إرتفع عدد اليهود في فلسطين من نحو 84 ألفًا عام 1922 إلى أكثر من 411 ألفًا في نهاية عام 1938، وإقتربت نسبتهم من 30% من السكان. وكان للهجرة الدور الأكبر في هذه الزيادة، بالتوازي مع نمو طبيعي في عدد السكان وتوسع إقتصادي ومؤسسي.

لذلك، عندما إجتمعت الدول في مؤتمر إيفيان عام 1938 لمناقشة أزمة اللاجئين، لم تكن فلسطين صفحة بيضاء تنتظر حلًا دوليًا. كانت قد أصبحت بالفعل مركزًا مهمًا للهجرة اليهودية، ضمن مشروع سياسي وإقتصادي قائم، فيما كانت بريطانيا تسعى إلى ضبط الهجرة، وكانت دول أخرى تفرض قيودًا على إستقبال اللاجئين.

وهنا يبرز السؤال الذي يقودنا إلى الحلقة الثالثة:

ماذا حدث عندما إلتقت رغبة النظام النازي في دفع اليهود إلى مغادرة ألمانيا، وسعي الحركة الصهيونية إلى نقلهم إلى فلسطين، والحاجة إلى إيجاد وسيلة لتحويل جزء من أصولهم المالية؟

لم يكن مؤتمر إيفيان قد إنعقد بعد، لكن أحد المسارات التي ستجعل هذه الأسئلة أكثر تعقيدًا كان قد بدأ بالفعل عام 1933، مع ظهور إتفاقية الهافارا.

***

الجزء الثالث يتبع

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….