إن أخطر ما يمكن أن يحدث للوعي السياسي لشعوب واقعة تحت الهيمنة والاحتلال، هو أن يصبح خلاصها متخيّلًا داخل صناديق اقتراع امبراطورية الهيمنة نفسها؛ أن تنتظر من الإمبراطورية أن تنتخب لها جلادًا أقل فجاجة ووقاحة وإجرام، أو أن تستبشر بأن يكون جلادها القادم من نفس ديانتها، أو أن تتعامل مع تبديل الحزب الحاكم باعتباره تبديلًا في طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف وأن تحول نظرها من إدراك إعادة تدويرا لمجرمين إلى اعتبار المجرم من ديانتها قشة الغريق.
كيف تحوّل الخطاب “العربي” من رفض الهيمنة ومقاومة الإمبريالية إلى متابعة الانتخابات الأمريكية بمنطق المشجعين؟
وكيف يكون وصول مسلم إلى موقع أمريكي تحت مظلة الهيمنة نفسها مصدرًا للطمأنينة والأمل، حتى قبل معرفة حدود مشروعه السياسي؟
هنا، ليس رفضًا لفوز شخصيات من ديانات معيّنة ووصولها إلى دوائر الحكم الأمريكي، فهذا ليس موضوعًا يُطرح أصلًا ولا معيارًا لشيء، بل دعوة لنرفض أن تحكمنا الانطباعات والهويات، بل أن نحتكم إلى الوقائع والتموضعات السياسية، وأن نقف عند العداء الحقيقي: على أمريكا أن تنزل من عاجية الإمبراطورية وتصبح دولة عادية طبيعية، على نظام الهيمنة أن يسقط وينتهي في كل العالم، فكرًا ومنهجًا وشخوصًا.
لعل أكثر الرؤى ضحكًا وكارثيةً في نفس الوقت هي المفارقة في احتفاء قطاعات واسعة من العرب والمسلمين بفوز مرشحين مسلمين من الحزب الديمقراطي الأمريكي على الحزب الجمهوري من غير المسلمين، وكأن انتصار مسلم في المؤسسة السياسية الأمريكية هو- بطريقةٍ ما- انتصار لنا، أو كأن هزيمة الجمهوريين تعني بالضرورة هزيمة السياسات التي خبرناها لعقود.
المفارقة هنا ليست في الفرح بوصول أفراد من خلفيات دينية وإثنية معينة إلى مواقع سياسية متقدمة؛ بل قد يكون حدثًا ذا دلالة اجتماعية ما داخل المجتمع الأمريكي. المفارقة في انتقال هذا الفرح إلى سياقنا العربي، وتحويله إلى انتصار سياسي لنا، دون مساءلة جدية لطبيعة المؤسسة التي وصل إليها هؤلاء، وللنظام الذي يعملون ضمن حدوده، وللإمبراطورية التي يمثلون جزءًا أساسيًا من جهازها السياسي.
يبدو أن بعضنا ما زال يتعامل مع السياسة الأمريكية باعتبارها مباراة بين حزبين، أحدهما جمهوري والآخر ديمقراطي، وأن المطلوب منا ببساطة هو تشجيع الفريق الذي لا يحمل وجه ترامب، أو الذي يستطيع أن يمنحنا قدرًا أكبر من الطمأنينة الرمزية حين يتحدث أحد أعضائه العربية أو الإسلامية فيقول الحمدلله وبسم الله واللهم صلّ على محمد ويتهكم بـ (هبيبي) على خصومه.
لكن هذا التصور- على سذاجته- يغفل السؤال الأساسي: هل تتغير طبيعة الإمبراطورية بتغير الحزب الذي يديرها؟ وهل يصبح النظام أقل إمبريالية حين يتولى إدارته شخص مسلم، أو أسود، أو مهاجر، أو امرأة؟ إن الخلط بين هوية الحاكم وطبيعة الحكم هو أحد أكثر أشكال التضليل السياسي شيوعًا، بل ويكاد يكون دعاية إعلامية متعمدة هدفها تشتيت الرؤية والتموضعات؛ فالسلطة ليست سيرة ذاتية لشاغلها، والإمبراطورية ليست انعكاسًا للديانة الشخصية لرئيسها. إنها بنية مصالح، ومؤسسات عسكرية واقتصادية وأمنيّة، وشبكات نفوذ، وعلاقات تبعية، وسياسات خارجية تتجاوز الأفراد والأحزاب. وقد تتغير اللغة التي تشرح بها هذه البنية نفسها، وقد تتبدل الوجوه التي تديرها، لكن ذلك لا يعني- بالنظر إلى الواقع- أن منطقها قد تغير؛ فالإمبراطورية لا تحتاج إلى أن يكون حاكمها غير مسلم كي تمارس الهيمنة، ولا تتخلى عن هيمنتها- بالضرورة- حين يصبح حاكمها مسلمًا.
ولعل المشكلة الأعمق- التي تأتي منها هذه التموضعات- تكمن في أننا نختزل عداءنا لسياسة الهيمنة الأمريكية في عداءٍ لترامب والجمهوريين والذي يشبه تمامًا اختزال العداء للاحتلال ككيان إبادي استيطاني كولونيالي بعداء لحكومة نتنياهو فقط! وهذا اجتزاء ظالم من سياق سياسة كاملة وبنية أكبر، وكأن تاريخ الولايات المتحدة مع شعوبنا بدأ مع ترامب، أو كأن الديمقراطيين كانوا طوال الوقت ضحايا سياسات الجمهوريين لا شركاء في صناعة النظام نفسه، وكأن الاحتلال بريء والمشكلة في شخص نتنياهو، هذه الرؤية الضيقة ليست أمرًا فرديًّا ولا بريئًا، بل إن المطلع على إعلام قوى الهيمنة الأكثر تأثيرًا ومشاهدةً من فضائيات ومواقع إلكترونية ونخب ومساحات بودكاست يغرق في سردية اختزالية فجة وقذرة، هدفها تشتيت العداء الأساسي وحصره في شخوص وديانات وآيدولوجيات معينة بزوالها نصبح والاحتلال والإمبراطورية أحبّاء وعاديّين وتعود بلادنا إلى الاستقرار.
وفي الذهاب إلى التاريخ، على قصيري الذاكرة السياسية أن يخجلوا أمام الوقائع عندما يتجاوزونها بانتقائية خبيثة ويتنحوا جانبًا أمام ذاكرة المقهورين التي لا تصالح، ففي ليبيا، كانت إدارة باراك أوباما(الديمقراطية) شريكًا أساسيًا في التدخل العسكري لحلف الناتو عام 2011، بدعم وتوجيه أمريكي شمل الضربات الجوية والطائرات المسيّرة والاستخبارات والدعم اللوجستي والدعاية الإعلامية المكذوبة في حربها على ليبيا. وفي سورية، لم تكتفِ إدارة أوباما (الديمقراطية أيضًا) بالتصريحات الدبلوماسية كما يروج البعض، بل أنشأت برامج لتدريب وتسليح فصائل متطرفة ضمن ما سمي المعارضة السورية، في سياق حرب حولت سورية إلى ساحة مشاريع إقليمية ودولية أسقطت فيها سورية المركز والثقل العربي في الحضن الأمريكي والإسرائيلي والتركي. وفي اليمن، بدأت إدارة أوباما (الديمقراطية كمان) عام 2015 تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي لتحالف أنشأته بقيادة السعودية في حربه على اليمن، جوّع الشعب اليمني وحاصره وقتله بكل الأشكال والطرق وصنع دعاية إعلامية مكذوبة اختزلت هذه الحرب الدموية إما بحرب أهلية أو حرب دينية. ثم جاءت إدارة بايدن (الديمقراطية) التي اجتهدت في تقديم الدعم العسكري والإعلامي للاحتلال الإسرائيلي، بل وسخّرت كل أذرع الهيمنة في الإقليم والعالم لدعم الاحتلال في إبادة غزة وجنوب لبنان وشمال اليمن والعراق والضربات القاسية لكل شعوب الإسناد، رغم اتساع حجم الدمار والقتل والاعتراضات الدولية والحقوقية على الإبادة الإسرائيلية.
هذه وغيرها ليست حوادث منفصلة عن طبيعة السياسة الأمريكية كإمبراطورية، وليست أخطاء عابرة ارتكبها أفراد يمكن إعفاؤهم منها بمجرد انتهاء ولايتهم. إنها شواهد على أن التنافس الحزبي الأمريكي لا يلغي وجود مصالح استراتيجية ومؤسساتية عميقة تستمر عبر الإدارات المتعاقبة، وإن اختلفت الأدوات والخطابات والدرجات.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل فاز مسلم أم مسيحي؟ ولا: هل فاز ديمقراطي أم جمهوري؟ بل: ما موقف هذا السياسي من منظومة الهيمنة الأمريكية؟ ما تصوره لدور الولايات المتحدة في العالم؟ كيف ينظر إلى التدخلات العسكرية والعقوبات والحصار والتبعية الاقتصادية؟ ما موقعه من آلة الحرب الأمريكية، ومن التحالفات التي تديرها واشنطن؟ وهل يمتلك مشروعًا سياسيًا يفكك الهيمنة الأمريكية في العالم وينهي تدخلاتها في مصائر الشعوب ونهبها لخيراتهم؟
ولا تكمن قيمة هذا النقد في إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص، بل في رفض منحهم حصانة رمزية بسبب هوياتهم أو شعاراتهم؛ فنحن لا نحتاج إلى أن نحب سياسيًا أمريكيًا لأنه مسلم، ولا إلى أن نكرهه لأنه ديمقراطي، المسألة ليست هنا أبدًا، نحن نحتاج إلى أن نعي مواقفه ونراقب تموضعه ونقيس المسافة بين خطابه وممارسته وهل وجوده داخل هذه المنظومة لتفكيكها أم ترسًا من تروسها، وعليه فإن أخطر ما في هذا الاحتفاء غير النقدي أنه يعيد تعريف العدو بطريقة مضللة، فبدل أن يكون موضوعنا هو النظام الذي يسلّح الاحتلال، ويمارس العقوبات، ويدير التدخلات، ويحمي مصالحه عبر القارات بالنهب والسلب والسيطرة، يصبح موضوعنا هو ديانة الرئيس، وخلفية السيناتور، ولون المرشح، والحزب الذي ينتمي إليه. وهكذا ننشغل بالعلامات الخارجية للسلطة، وننسى بنيتها الفعلية. لسنا مطالبين بأن نكون جمهورًا في الانتخابات الأمريكية أصلًا مادامت تدور في نفس الدائرة، وهو أمر عبّر عنه فيدل كاسترو بقوله “لا يمكن المقارنة بين حذائين يرتديهما نفس الشخص، أمريكا لا يحكمها إلا حزب واحد هو الحزب الصهيوني وله جناحان: فالجناح الجمهوري يمثل القوة الصهيونية المتشددة والجناح الديمقراطي يمثل القوة الناعمة الصهيونية. لا يوجد فرق في الأهداف والاستراتيجيات أما الوسائل والأدوات فهي تختلف قليلًا لتمنح كل رئيس نوعًا من الخصوصية ومساحة للحركة” وهو ما عبر عنه الشهيد علي خامنئي في انتخابات عام ٢٠٢٠ قائلًا “بصرف النظر عمّن سيُنتخب – فقد يُنتخب هذا، وقد يُنتخب ذاك – لكن ثمة أمرًا واضحًا تمامًا، وهو الانحطاط السياسي والمدني والأخلاقي للنظام الأمريكي.” هذا التوصيف للواقع ركيزة أساسية في فهم الأشياء والانطلاق منه واجب.
لسنا مضطرين أن نبحث عن ممثل لنا في مجلس الشيوخ الأمريكي كي نشعر بأن قضايانا حاضرة، ولسنا بحاجة إلى توزيع مشاعرنا السياسية بين ديمقراطيين وجمهوريين، أو إلى التعامل مع كل هزيمة انتخابية لترامب باعتبارها انتصارًا لشعوبنا. إن مصالحنا وتحررنا وحقوقنا ليست بندًا في برنامج انتخابي أمريكي، ولا ينبغي أن تصبح كذلك. ما نحتاج إليه هو استقلال في النظر السياسي، في الرؤية، في منع استدخال التبعية إلى العقل وخلق وعي يرفض أن يحدد عدوه وفقًا لما تفرضه الاستقطابات الأمريكية، ويرفض أن يمنح شرعية أخلاقية لأي سلطة لمجرد أنها تقدم وجهًا أكثر قبولًا ظاهريًا. المطلوب أن نرى الإمبراطورية بوصفها إمبراطورية فعلًا، لا بوصفها مجموعة وجوه متنافسة؛ وأن نفهم أن تغيير المدير لا يعني بالضرورة تغيير المؤسسة، وأن تبديل اللغة لا يعني تبديل الوظيفة.
هذه هي البوصلة التي ينبغي ألا نفقدها. فالمسألة لم تكن يومًا أن يحكمنا جمهوري بدل ديمقراطي، أو أن يتحدث إلينا حاكم بلسان ديني مختلف. المسألة أن تتوقف الإمبراطورية عن تقرير مصائر الشعوب، وأن تكف عن تحويل العالم إلى مجال مفتوح لمصالحها ونفوذها وحروبها.
وإلى أن يصبح هذا هو معيارنا، سنظل نحتفل بتبديل الوجوه وبكلمات عربية ممجوجة في المحافل الأمريكية بوجوه سمراء وأقنعة بيضاء، فيما تستمر البنية التي ينبغي أن نرفضها في سلبنا حدّ العقل.
________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
