الأرض-الوطن، في ذكرى يوم الأرض

الطاهر المعز

تذكير: دأب الكيان الصهيوني على مصادرة أراضي السكان الأصلانيين للبلاد، وبعد تأسيس دولته، بقرار من الأمم المتحدة (المجتمع الدولي؟) وبمسندة نشيطة من القوى “العظمى (بما فيها الإتحاد السوفياتي)، وبتخاذل وتآمر الأنظمة العربية القائمة آنذاك، بدأ بالإستيلاء على أراضي ومنازل اللاجئين التي سماها “أملاك الغائبين”، ثم انتقل إلى أراضي وممتلكات من بقوا في وطنهم، فنظم الفلسطينيون احتجاجا على مصادرة أراضيهم، جابهها العدو بالرصاص الحي، وقتل جنوده ستة فلسطينيين، وأجبر المواطنون القيادات المحلية على مساندة المظاهرة الضخمة التي نظمت في الثلاثين من آذار/مارس سنة 1976، وأصبح هذا اليوم يعرف ب”يوم الأرض”

يرتبط يوم الأرض بمقاومة الإستيطان وبفكرة “العودة” إلى الأرض الذي طرد منها الشعب الفلسطيني، ليحل محله بقوة السلاح غرباء جاؤوا من مائة جنسية وقومية… يوم الأرض فرصة لنذكر بجوهر القضية وهي الأرض/الوطن وليس الأرض/المكان، بما أن الوضع الفلسطيني والعربي والعالمي الحالي لا يبشر بخير ولا يسمح بتنظيم هجوم مضاد لتحرير فلسطين، لذا فإن أضعف الإيمان أن نذكر بالحقائق وأن نرسخ في الأذهان فكرة ضرورة المقاومة (عكس الإستسلام) وضرورة التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني (بدل المساومة والتنازل)

مثل الكفاح المسلح تحولا نوعيا في وعي ووضع اللاجئين الفلسطينيين الذين يمثلون أغلبية الشعب الفلسطيني، ولكن مثلت الهزائم في الأردن ثم في لبنان وإقصاء المنظمات الفلسطينية والمقاتلين بعيدا عن الحدود مع فلسطين، تقهقرا لا زلنا نعاني من نتائجه إلى اليوم، في ظل متغيرات الوضع الدولي وتطبيع الحكومات العربية علاقاتها مع الكيان الصهيوني المغتصب للأرض وللوطن، لكن المأساة الكبرى تتمثل في ما سمي بالسلطة الفلسطينية التي أجهضت الإنتفاضة الأولى في بدايات تكوينها ثم تمادت في التنازلات المجانية عن حقوق أغلبية الشعب الفلسطيني اللاجئ “في العودة وتقرير المصير” كما كان يقول خطباء “فتح” قبل “أوسلو”، وبلغت حد التعاون الوثيق مع العدو في قتل المقاومين واعتقالهم والوشاية بهم، وهي حالة فريدة في تاريخ تطور “حركات التحرر”، إضافة إلى الفساد والعمالة للأنظمة العربية التي باعت فلسطين

عربيا، ومنذ عقود، كانت الأنظمة العربية في صف الأعداء أو في صف “غير الموثوق” بصداقتهم، واستخدمت الأنظمة العربية “التقدمية” القضية الفلسطينية ذريعة للمساومة وقمع الحريات، وازداد الوضع العربي سوءا منذ “الخيانة العلنية” للسادات، ومنذ مشاريع الجامعة العربية (العبرية) التصفوية التي تكفلت بتقديمها السعودية (1981 و 2002)، قبل أن تنتقل الأنظمة العربية إلى استخدام أراضيها وجيوشها وأسلحتها لتدمير بلدان عربية أخرى، بداية من العراق وصولا إلى اليمن، مرورا بليبيا وسوريا، بالإضافة إلى التطبيع الإقتصادي، وهو علني في حالة مصر والأردن، وغير معلن بالنسبة لباقي الدول العربية، خصوصا في الخليج، ويؤدي التطبيع الإقتصادي إلى تسهيل نمو اقتصاد العدو ومساعدته على الإستمرار بالإضافة إلى آثاره المدمرة على العقول وعلى الوعي الفردي والجماعي تركت ثقافة التخاذل والخنوع والإستسلام أثرها السيء على عقول أجيال من العرب، فأصبح التطبيع مع العدو “وجهة نظر” وليس خيانة يستحق العقاب الملائم للخونة، وأصبحت عقول أجيال من أطفال وشباب العرب تسجل، بفضل قنوات السعودية (العربية) وقطر (الجزيرة)، دعاية الحكومة الصهيونية، مباشرة وفي بيوتنا، في حين لا يستمع أطفالنا إلى “وجهة نظر” لمقاومة للإحتلال، أو تدعو للتحرير وعودة الشعب الفلسطيني إلى دياره التي يحتلها ذلك الناطق باسم الإحتلال تشارك بعض قوى  “اليسار” العربي تاريخيا (وربما بادرت إلى ) في الإعتراف بالكيان الصهيوني والدعوة إلى التطبيع وإلى الإستكانة للأمر الواقع، وبعد عقود من الإحتلال لازالت القوى التي تجتمع دوريا ضمن “اللقاء اليساري العربي” ممعنة في ترويج الأوهام والدعوة إلى “تأسيس دولتين كحل نهائي للقضية الفلسطينية”، وتؤكد بياناتهم على “حق الشعب الفلسطيني في تأسيس دولته وعاصمتها القدس” (الشريف؟)، ما يعتبر تأبيدا للإحتلال، بدل الدعوة إلى وحدة الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية والتنفيذ العملي لحق العودة وتحرير كل فلسطين بكافة الوسائل المتاحة حاليا والوسائل الأخرى التي وجب تهيئة الظروف المواتية لها مثل الكفاح المسلح، لعرقلة السياحة والهجرة الصهيونية ووقف تدفق الإستثمارات، وخلق حالة من الذعر والرعب في صفوف المستوطنين، لتبدأ مرحلة الهجرة المعاكسة، فيعود جزء من المستوطنين إلى أوطانهم

رغم المقاومة التي تبديها بعض القوى ضد التطبيع (المغرب وتونس ومصر والأردن)، قطع صف المطبعين أشواطا منذ اتفاقيات أوسلو التي وقعتها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات (والتي لم يعد يصح تسميتها منظمة “تحرير”)، وأصبح الكيان الصهيوني صديقا وحليفا معلنا لبعض الأنظمة العربية (بقيادة السعودية) ضد أنظمة عربية أخرى (سوريا) وضد أنظمة “مسلمة” (إيران)، في حين اتسعت حركة المقاطعة المعروفة باسم “بي دي اس”، أو المقاطعة ووقف الاستثمارات، وإنزال العقوبات (BDS)  وشاركت في حملة المقاطعة النقابات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في أوروبا وأمريكا وخصوصا في أوساط الباحثين ومدرسي الجامعات ونقابات الأجراء…

في الوطن العربي شجعت سلطة الحكم الذاتي الإداري في رام الله على التطبيع، وادعت ان دخول مشاهير العرب الضفة الغربية بموافقة وإشراف سلطة وجنود العدو “مساندة لإخوانهم الفلسطينيين”، ودعا بعض المتاجرين بالدين إلى “الصلاة في المسجد الأقصى”، وتدفق على الضفة الغربية المحتلة شعراء وفنانون (منهم من كانوا في عداد “اليسار” أو القوى “التقدمية”) وكتاب عرب، للمشاركة في نشاطات مشبوهة بتمويلات “منظمات غير حكومية” (ممولة أمريكيا وأوروبيا) منها “يو أس آيد”، وشارك عدد منهم في حفلات مع محتلين صهاينة، ساندوا القصف الجهنمي الصهيوني والحروب العدوانية ضد الفلسطينيين (غزة) وللبنانيين… وأصبح بعض الفنانين والأدباء العرب قدوة لبعض المواطنين العرب، منهم البريء ومنهم الخبيث، للدعوة إلى التطبيع، واعتبار التسليم بالأمر الواقع “قرار حكيم”، وهنا مربط الفرس، إذ أصبح بعض المشاركين في نقاشات وندوات ونشاطات “القوى التقدمية” في الوطن العربي، يعترضون على إدراج “مقاومة التطبيع” في بعض النصوص واللوائح، واغتنم بعض التجار العرب (كمبرادور في طور التكوين؟) الفرصة لبيع المنتجات الصهيونية ولتنظيم رحلات “السياحية الدينية” إلى القدس، اقتداء ببعض الفنانين والأدباء، ويتعللون بموقف سلطة أوسلو التي تتعاون مع العدو ضد شعب، يفترض أنها تمثل جزءا منه

من عبارات غسان كنفاني الخالدة ما معناه: “إذا كانت قضيتنا عادلة ولكن المدافعين عنها غير أكفاء، فوجب تغيير المدافعين وليس تغيير القضية”، لكن يبدو أننا كعرب وكتقدميين فعلنا العكس، باستثناء قلة لا زالت تقاوم ما ساد من أفكار وممارسات، خصوصا منذ القضاء على الإنتفاضة الأولى (1987 – 1990) بتوقيع ما عرف ب”اتفاقيات أوسلو”…

بإمكاننا تحويل هذه المناسبات (يوم الأرض أو ذكرى النكبة) إلى فرصة لمعارضة الإعلام الرسمي العربي (ناهيك عن الإعلام الإمبريالي) للتذكير بجذور القضية الفلسطينية وبمكانة مسائل الأرض/الوطن واللاجئين فيها، مع التصدي الحازم لمحاولات الإلتفاف على القضية من قبل “عرب أمريكا واسرائيل”، أي سلطة أوسلو والأنظمة العربية، إذ تختزل القضية الفلسطينية قضايا مقاومة الهيمنة الإمبريالية والإستعمار (الإستيطاني منه بالخصوص) وتواطأ الرجعية والطبقات البرجوازية الكمبرادورية العربية، ما يجعلها قضية مناهضة للإمبريالية والإستعمار والعولمة ومناهضة لكافة أشكال العنصرية والتمييز، وما ينقصها سوى مدافعون عنها لإظهار عدالتها وضرورة مساندتها كل حسب طاقته.