تعريفات 6

أحمد حسين

 

فن الإعلام الليبرالي الراقص

فضائية الميادين نموذجا

 

ألإعلام ببساطة هو فن التأثير. نوع من المعرفة والمهارة تربطها بالسحر علاقة وثيقة. كلما كان أبعد عن مباشرة الهدف وأقرب إلى الإيحاء واستدراج الذهن ودغدغة سيكيولوجية المتلقي وإتقان المشهد، واستغلال مزايا الكلمات الغنية باحتمالات المعنى والكلمات المثيرة للتداعيات والصدمات البريئة، كان أقرب إلى إيصال عقل المتلقي إلى المكان الذي يريده. إذا أضفنا إلى كل هذه المهارات والإثارات الداخلية، الإثارات الشكلية الخارجية والأكثر سطحية وعفوية مثل جر المتلقي إلى نيرفانا تخييلات الصورة والصوت والحركات بحيث يحس المتلقي بأنه المتلقي الوحيد وأن كل هذا الرفاه موجه نحوه شخصيا، اكتملت حالة تحييد الوعي ووصل السحر الإعلامي غايته. وباختصار على الإعلام المؤثر أن يهمل الباب تماما ويدخل من النافذة مثل كل اللصوص ويسرق وعي المتلقي بمساعدة مباشرة من جوعه الوجودي.

رغم أن مدرسة الإعلام العربية التي تخرجت منها الميادين، هي المدرسة الليبرالية الوحيدة في العالم العربي، والتي تخرجت منها كل الفضائيات والقنوات العربية، إلا أن هناك فوارق التوظيف والمستوى. فهناك القنوات والفضائيات الليبرالية الملتزمة بالتخريب الإجتماعي والأخلاقي وصولا إلى التجانس التجاري والسياسي المبتذل، وهي عبارة عن ملاه ليلية لها مردود سياسي ليبرالي تلقائي. وهناك فضائيات ذات أهداف سياسية وثقافية واجتماعية ليبرالية جادة، يقتصر التزامها على دعم السياسات الليبرالية للتيار الأمريكي والغربي الذي يشكل التيار السائد عالميا ويرى في الوجود العربي واحتمال نهوضه قوميا أمرا يجب منعه بأي ثمن كان، وخارج أي منطق سلوكي معمول به بشريا. وكانت قناة الجزيرة إلى وقت قريب، تأسيسا لوجستيا سياسيا واستعلاميا تخريبيا واضحا. ولكنها شكلت نموذجا مهنيا مبتذلا في الأداء ينم عن وعي سطحي ومباشر في التقديم والتناول وعدم احترام الذات. وبعد انكشافها وتلفها الوظيفي، وفضائح الصراعات البينية لطواقمها، لم يعد لها مردود إعلامي سياسي يغري بمواصلة إعالتها المكلفة، خاصة بعد أن أصبحت سبة أخلاقية على المستوي الجماهيري. ولكن الممول القطري بالنيابة، كانت له أسبابه الخاصة لمواصلة المشوار. وهي تتألق اليوم في خدمة التيار العالمي الثالث الذي يمثل، تيار المحافظين الأمريكيين الجدد من مدرسة الصهيومريكي كيسنجر، وأنظمة التألق العربي البهيمي للعمالة.عن هذا السياق انبثقت فضائية الميادين، ولكن بمستوي مهني وثقافي ومعرفي مختلف تماما، وعلى خلفية النهج السياسي الأوبامي المخالس. ومع أنها تؤدي ذات الجوهر الوظيفي التخريبي لأية سياسة أمريكية تجاه العرب، إلا أنها تمثل نهجا بخلفية أكاديمية أكثر إحكاما، يعتمد الترويج لتوازنات وهمية تطبيعية مع ” متغيرات السياسية الأمريكية ” المنفتحة إيهاما على نمط علاقة أقل استهتارا ودموية بكثير من البوشية، وأقل عداوة وخبثا ودموية بكثير من الكيسنجرية. ورغم تواضع الأوهام التي تحاول الميادين تسويقها عربيا، إلا أن الإنفتاح المبدئي على الإحتمال والممكن النظري في دائرة المستحيل الفعلي هو المهم. هذا الإنفتاح المبدئي سيفتح أمام المشاهد العربي أبواب التصورات والتزلجات على الماء التي يعشقها. ومع بعض العناية السيكيولوجية والغريزية والتوجيه الرقيق سيصل إلى تصور شرق اوسط جديد أقل إسرائيلية بكثير، وسلاما فلسطينيا إسرائيليا أكثر فلسطينية بكثير وأقل صهيونية بكثير، ويمكن التعايش معه. وما يؤكد صدق النوايا الأمريكية ونوايا قناة الميادين، ذلك التشهير ” بعدوانية ” إسرائيل تجاه الفلسطينيين والتنديد ” بانتهاكاتها لحقوق الإنسان ” ورفضها لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي تمثل “العدالة ” الدولية بشأن الفلسطينيين. أي أنها من شرفتها الإعلامية العالية، ستغير منحى التوجه الفلسطيني من الرفض إلى قبول مبدأ التفاوض. والتفاوض مبدئيا هو التحول النهائي عن مطلب الحقوق الشرعية إلى الحقوق المشروعة. والحقوق الشرعية لا تصلح للتفاوض لدى الطرفين. أما مصطلح الحقوق المشروعة، فهو لا يحتاج إلى التفاوض لأنه هو كل الحل. فتحييد الحقوق الشرعية يعني نهاية الإشكال المبدئي والوطني وكل ما يمت له بصلة على الجانب الفلسطيني، وبداية مراسيم تشييع الوجود التاريخي للفلسطينيين كشعب، وتحديد مبلغ التعويضات الذي ستقوم لجنة دولية حقوقية بتحديد فلسفته وبنوده العملية. وعلى الأغلب ستصر إسرائيل على اعتماد الحل الأردني، كمتنفس استراتيجي لمرحلة إسرائيل الكبرى في المستقبل، ولدفن كل التسميات الوطنية التي كانت موجودة قبل الحل داخل مصطلح المملكة الهاشمية. أما الإتفاق على ” الحل ” فلن يتم في إطار تسمية الفلسطينيين كطرف، وإنما سيكون حلا للخلاف ” في الشرق الأوسط ” وكجزء من مجريات تشكيل الشرق الأوسط الجديد وبتمويل شرق أوسطي. هذا هو الحل النهائي الذي لا توافق عليه اسرائيل قبل إدخال شروط وتعديلات عليه، ويلهث خلفه ” الفلسطينيون “.

وفي الحقيقة لا يوجد حل لما يسمى ” قضية فلسطين ” في إطار فلسطيني. لقد خسر الفلسطينيون قضيتهم الوطنية، بطيب خاطر منذ البداية. ولم تخرج ملكية السيطرة على السياق السوريالي للمسيرة الدموية، قيد فوتون واحد من يد الإسرائيليين وبالإعتماد على الفلسطينيين أنفسهم. وكان يكفي لتحقيق هذه السيطرة، سيطرة الشيوعيين المتعاقدين مع الصهيونية على المثقفين والثقافة الوطنية الفلسطينية والعربية في فلسطين وسوريا والعراق ومصر. لقد شكلوا من أولئك المثقفين فرق رقص شعبية تقدمية مدعمة بكل التداخلات الرغبوية الساذجة والوهمية لأعضائها من هموم الشهرة العالمية في سن الثامنة عشرة، إلى هموم المراهقة في سن الأربعين+. لقد نكلوا بهؤلاء الصبية المراهقين والعجائز المحرومين إلى درجة استدخال الخيانة كواجب وطني تقدمي، تعهدوا بالدفاع عنه مقابل نشر إنتاجهم في صحف الحزب، أو مقابل استضافتهم في الندوات الرفاقية، أو الكتابة عنهم والتنويه بهم وهلم شحطا. وعلموهم كيف ينكلون بغيرهم من أبناء شعبهم البسطاء والأميين، حتى تبلورت لدى الفلسطينيين ثقافة وطنية قائمة على الإستدخال التقدمي العفوي للعدو، أي ابتلاع السم القاتل للإلتزام الوطني الرجعي، مع الوجبات السريعة بطيبة خاطر.

لقد نجح هؤلاء المتعاقدين الأفذاذ في القضاء التام على الثقافة الوطنية الفلسطينية، فأرسلوا كل المثقفين الرافضين إلى الغياب والزوايا المعتمة، وأضاؤوا شموع الشهرة المجانية للساقطين فنيا وسياسيا بدعم لوجستي مطلق وتوجيه من أصحاب المرحلة الدنيئة. لذلك لا حل فلسطيني للنكبة الفلسطينية. وتستخدم القضية اليوم كآلية سياسية لخدمة مخططات الإعتداء المجاني على الفلسطينيين، السائرين في جنازة وعيهم المقتول. لا حل لأية قضية عربية وعلى رأسها القضيىة الفلسطينية إلا الحل القومي. وهو قيامة جديدة وعودة للروح العربية، شرطها القطعي انتصار سوريا بقيادة الأسد، وهزيمة الإرهاب ومدارس الغرب من الليبرالية إلى مخلفات التقدمية البكداشية، وهزيمة التسليم العراقي بالإحتلال الأمريكي وذيوله العميلة وبالطائفية.

لا يمكن لشيء في العقل والمنطق التاريخي أن يزيل ركام القذارات التي خلفتها الهجرية، سوى استمرار المد الثوري القومي لسوريا وشعبها وجيشها مع قائدهما العربي الفذ.

نمر عيسى رياحين

 

أولئك إخواني

فجئني بمثلهم

حمل إلي البريد كتابا أنيقا جيد الأخراج من 248 صفحة بعنوان ” مواقف في أتون الصراع “. يحتوي الكتاب مقالات عن أحداث ساحتنا كتبها “أبو هشام”. وأبو هشام مناضل حقيقي، أي عفوي، أي لا ينتسب إلا إلى التراب والشجر والكرامة وأصالة الهوية الوطنية والقومية. رجل إذاعرفته، عصيّ على النسيان. رجولة دمثة وشهامة تلقائية وعراقة فلاحية تجعله أقرب ما يكون إلى شرف الموقف وصلابته. سجن مبكرا وخرج من السجن أكثر صلابة وإصرارا على النضال. والتقينا في العمل الوطني الأهلى وعملنا معا سنوات طويلة في جمعيات عدة منها ” جمعيةأنصارالسجين الفلسطيني ” و جمعية الصوت للثقافة الفلسطينية ” وجمعيات أخرى كان من أبرز نشطائها.

لم أطلع بعد من الكتاب إلا بما تسمح به الحال. وعندما انتهي من قراءته أنوي إذا سمحت الظروف أن أعلق على ماجاء فيه. ولكن لا أستطيع أن اتجاوز بشكل خاص الإهداء لأنه تحفة وجدانية مكتوبة بلغة جميلة سهلة تنبض كلماتها وعباراتها برهافة وعمق الولاء الإنساني الذي لا يستطيع حمله لقرينته ورفيقة دربه إلا شخص كأبي هشام. وهو يكتب بوعي الفارس النبيل والمثقف الملتزم عن سيدة جعلني مما كتبه عنها أحني رأسي احتراما لدورها وتأثرا بصمودها.

مبروك أباهشام للمناضل ما صاغ، وللكتاب صائغه، وشكرا على هديتك القيمة.