الجارة في العراق و«الكنّة» لبنانيّة !

ثريا عاصي

يخيل إلي أن بعض كتاب وسائل الإعلام في لبنان يتناولون دورياً، الأوضاع في العراق بأسلوب «الحكي إلك يا جارة، اسمعي يا كنة». «الكنة» أو بالأحرى «الضرة» هي طبعاً في لبنان، اسمها المقاومة!
من البديهي اننا في لبنان، وفي غير لبنان، لا نزال نتأثر بارتدادات الزلزال الكبير الذي تعرض له العراق نتيجة للدور الذي اضطلعت به السلطة العراقية في المحاولات الأميركية لقلب النظام الإسلامي في إيران. ينبني عليه أن المقارنة لا تستوي بين الأوضاع في العراق من جهة وبين مثيلاتها في لبنان من جهة ثانية.
بكلام صريح وواضح زعزعت هزيمة نظم الحكم الوطنية العربية في حزيران 1967 الكيان اللبناني نتيجة لعدم تجانس المجتمع. ما جعل الاحساس بالخيبة أقوى لدى بعض الفئات، أي لم يكن الإحساس بخيبة الهزيمة شاملاً، وطنياً. وفي هذا السياق، لا شك في أن اندفاعة الفئات اللبنانية «المنكسرة» في النضال سواء من أجل «ما أخذ بالقوة يسترد بالقوة» والحرب «الشعبية التحررية»، عمقت هذه الإندفاعة الشقوق والخلل في بنية المجتمع اللبناني.
لا غلو في القول أن التحولات التي طرأت على الساحة اللبنانية ولدت لبنانين اثنين. لبنان، عربي فلسطيني من جهة، ولبنان آخر، قرر أهله الهجرة، أو الوقوف في أفضل الأحوال، على الحياد.
من نافلة القول ان اللبنانيَن تفسخ كل منهما في ثمانينات القرن الماضي، قبل الغزو الإسرائيلي وبعده حتى صارا شظايا مبعثرة. ما جعل وطـأة المستعمرين الإسرائيليين أشد على فئة من الناس. فلا عجب إذا خرج المقاومون من صفوفهم باعداد أكبر. وجد المقاومون اللبنانيون مستعمرين إسرائيليين يحتلون الأرض وينكلون بأهلها. لم يجدوا دولة!
لأعد من بعد إلى موضوع العراق. الذي دخل الحرب على إيران موحداً. ولكنه تجزأ في حربه ضد الولايات المتحدة الأميركية التي انقلبت عليه كما هو معروف. ان الحرب في خندق أميركا هي أصل البلية في العراق. ليست الميليشيات، والمجاميع الفئوية العراقية هي التي أسقطت الدولة العراقية. الحقيقة هي أن الولايات المتحدة الأميركية استطاعت أن تسقط الدولة العراقية المترنحة، نتيجة للحرب على إيران.
الرأي عندي هو أن وجود ميليشيات، وجماعات، وحشود معسكرة هنا وهناك، في العراق، مرده إلى انهيار الدولة العراقية وإلى الانقسامات التي حدثت على أساس المعتقد والعرق، التي شجعها الغزاة الأميركيون استجابت البيئة الملائمة للتحريض والشحن، هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية، فان العراق لا يزال في تقديري، تحت الإحتلال. من المحتمل في هذا السياق، ان تكون الميليشيات او بعضها، أدوات عراقية، صنعها الأميركيون وأوكلوا إليها مهمة «إدارة الإقطاعات العراقية» بأيد عراقية!
لا يتسع المجال هنا للغوص وراء تفاصيل الخطة الأميركية في العراق. هذا لا يعني أن هذه الخطة هي تخيّلٌ جامحٌ يسوقه أصحاب نظرية المؤامرة. أو ان المنطق يجيز تناول الفاجعة العراقية دون الإشارة إلى السلطة المنحرفة التي مارسها السيد صدام حسين وإلى الحرب العراقية ـ الإيرانية، وصولاً إلى غزو العراق، كما يفعل الكثيرون من كتاب وسائل الإعلام، في بلاد العرب وفي بلاد الغرب أيضاً!
مجمل القول ان الأوضاع في لبنان تختلف جذرياً عن مثيلاتها في العراق. ففي لبنان نظام يرتكز على المحاصصة الطائفية، الذي يترك ثغرات كبيرة في البنية الوطنية، شكلت ولا تزال الخطر الذي يتهدد بقاءه ويعيق تكامله. مرد ذلك إلى احتلال فلسطين وقيام دولة عنصرية استعمارية إسرائيلية على أرضها. بتعبير آخر، ان التناقض بين لبنان من جهة وبين المستعمرين الإسرائيليين من جهة ثانية ليس في جوهره، تناقضاً عرقياً أو دينياً أو سياسياً، وإنما هو تناقض وجودي لا يترك مكاناً للصلح. لقد أدرك ذلك في أربعينيات القرن الماضي، السياسيون في لبنان! آنذاك كان في لبنان سياسيون لبنانيون!
هنا يكمن من وجهة نظري أصل المشكلة اللبنانية. أعني بذلك الخلاف بين اللبنانيين حول طريقة معالجة الخطر الإسرائيلي. من البديهي أن إيفاء هذا الموضوع حقه يتطلب منا أن نستعرض، كافة العلاجات المطروحة والتأكد من مدى نجاعتها. هذا يحتاج إلى تفاصيل يضيق بها هذا الموضع.
اكتفي هنا بالقول، ان المقاومة اللبنانية هي اتباع نهج في درء الخطر الإسرائيلي عن لبنان دون التصالح معه، وبالتالي دون التنكر لضحايا الإستعمار. يحسن التذكير في هذا السياق بأن الحكومات اللبنانية المتعاقبة تبنت في بياناتها السياسية، نهج المقاومة. هذا لا يمنعها كالعادة من إعتماد وصفة علاجات آل سعود في العلاقة مع المستعمرين الإسرائيليين العنصريين، كأن بعض أجزاء لبنان كمثل الجزيرتين المصريتين، تيران وصنافير!
ينجم عنه أن الإيحاء بان الأوضاع متطابقة، في العراق ولبنان، انما ينطوي على مغالطة جوهرية. سواء عن طريق الايهام بوجود أوجه شبه بين «الدولة» العراقية من جهة وبين نظيرتها اللبنانية من جهة ثانية، أو عن طريق المقارنة بين صلة الدولة بالمقاومة هنا مقابل صلتها بالتيارات والصحوات هناك. لا يخدعنك في لبنان كلام وتعاويذ المقاومين وجلابيبهم، فما يقومون به في تصديهم للمستعمرين الاسرائيليين وللمعتدين على سورية هو دور وطني وقومي تضطلع به الحركة الوطنية اللبنانية.