الفاشية كمقولة سياسية. سلوكيات سياسية بارزة في المرحلة المعاصرة[1].

 

دة. إيلسي بلين راد ـ كليف Dra. Elsie Plain Rad-Cliff

الاستاذة ديانا فايي غيرا. MSc. Diana Valle Guerra

 

نقلها الى العربية بايجاز: نورالدين عواد

 

هافانا، مايو 2016

تشكل هذه الورقة مقدمة لدراسة لم تكتمل بعد، اكثر عمقا وشمولا، انطلاقا من “العلوم السياسية جنوبية المدخل” حول موضوع الفاشية، كمقولة سياسية تتطلب تاملا جديدا، في ظل ظهور مسارح ولاعبين وعلاقات وصيرورات سياسية جديدة في بلدان التخوم، تشهد عليها سلوكيات جديدة يضطلع بها لاعبون سياسيون قدماء جدد، وتلقي عليها اعباء الافعال الانقضاضية التي تقوم بها الراسمالية عابرة الاوطان، الطامحة الى عولمة هيمنتها وبالطبع اسقاط الدفاعات الذاتية للدول القومية.

 

امام الواقع العنيد المتمثل في ان الامبريالية لم تتخلّ قطّ عن اي اسلوب او وسيلة تتيح لها زيادة جبروتها الاقتصادي والسياسي بل بالاحرى تحسينه، فانه من الممكن ادراك وجود مداخل وسلوكيات فاشية في اكثرية الافعال التي تقوم بها المجموعة الصغيرة المسيطرة التي تمثل مصالحها، على امتداد السنوات الخمسين المنصرمة لا سيما منذ بداية القرن الحادي والعشرين، في الميدان الاقتصادي والسياسي والعسكري على حدّ سواء، على الرغم من ان كثيرا من علماء السياسة يعتبرون الفاشية مقولة تاريخية لصيقة بلحظة تاريخية محددة،ولهذا فانهم ينظرون الى التحليلات التي تقول بامكانية وجود الفاشية على انها باطلة، (أتيلو بورون 2003)[2].

وعليه فان هذه الورقة تحاول الاجابة باقتضاب على التساؤلات التالية:

ما هي الفاشية؟ ما هي اسسها الفلسفية والسياسية؟ وما هي اهم تمظهراتها السلوكية المعاصرة؟.

هناك ما يسمى بـ “الفاشية الكلاسيكية” التي عانت منها بعض الدول الراسمالية مثل المانيا و ايطاليا و اسبانيا واليابان وغيرها بدرجات اقلّ. ظهرت هذه الفاشية نتيجة لاعادة التنظيم الذي تمخض عن حلّ ازمة هيمنة البرجوازية على مجمل اجهزة الدولة والنظام السياسي. مع ذلك توجد نظرات اخرى حول الفاشية وتربطها بالراسمالية المعولمة ويطلق عليها ياحثون اسم “الفاشية الحديثة” او فاشية القرن الحادي والعشرين.

على سبيل المثال الاستاذ ويليام روبنسون (2011) يستند الى وجود طور جديد نوعيا من الراسمالية العالمية عابرة الاوطان او المعولمة تتسم بازدياد راس المال عابر الاوطان فعليا، وبوجود طبقة راسمالية عابرة اوطان، وبالمخاطر المنبثقة عن ازمة الراسمالية الكونية وردود الافعال السياسية لليمين المتطرف خاصة في الولايات المتحدة الامريكية، حيث يتلمّس وجود فاشية جديدة يطلق عليها اسم فاشية القرن الحادي والعشرين، والتي يصف سماتها الحاسمة على النحو التالي:

 

اندماج راس المال عابر الاوطان مع السلطان السياسي الرجعي ( هناك ثلاثة قطاعات من راس المال عابر الاوطان تتسم ببحثها عن اساليب سياسية فاشية من اجل تسهيل التراكم : راس المال المالي المضارب؛ المجمع العسكري الصناعي الامني وقطاع استخراج المعادن والطاقة (خاصة النفط).

العسكرة والمرجلة المتطرفة: بما ان التراكم المعسكر قد ركّز ميزانية البنتاغون بزيادة حقيقية بنسبة 91% خلال الـ 12 عام الماضية، فان القيادات العسكرية قد تسّيست بشكل متزايد وانخرطت في اتخاذ القرارات السياسية.

كبش فداء من اجل ازاحة واعادة توجيه التوترات والتناقضات الاجتماعية: بشكل خاص المهاجرون والمسلمون[3].

 

قاعدة اجتماعية جماهيرية: تجري حاليا عملية تنظيم قاعدة اجتماعية بين قطاعات الطبقة العاملة البيضاء التي تمتعت تاريخيا بامتيازات الاصل العنصري وطرا عليها انزياح وانحدار سريع يتحرك تناسبيا طرديا مع فرض النيولبرالية نفسها في الولايات المتحدة الامريكية، في حين تفقد استقرارها وأمانها الذي حصلت عليه خلال عهد فورد ـ( الكينزيّ) اي الراسمالية القومية.

ايديولوجية متعصبة قادمة من العصور البائدة:  ترتبط بالتفوق العرقي والثقافي وتستخدم الماضي المثالي والغيبي ، من اجل التجييش العنصري ضد اكباش الفداء.

ايديولوجية فاشية القرن الحادي والعشرين تستند غالبا الى اللاعقلانية ـ وعد بضمان الامن واستعادة الاستقرار ـ اي انها ايديولوجية عاطفية وليست عقلانية. هذه الفاشية تاتي بمثابة مشروع لا يميز وليس بحاجة الى التمييز بين الحقيقة والكذب.

 

قيادة كارزمية

حلقة قاتلة من التراكم ـ الاستغلال ـ الاقصاء.

يتمثل احد الابعاد الهيكلية للراسمالية المعولمة في القرن الحادي والعشرين بالتوسع الماساوي للسكان النّفل في العالم ـ سكان يتم تهميشهم واقصاؤهم من المشاركة الانتاجية في الاقتصاد الراسمالي، وهم يشكلون حوالي ثلث البشرية.

النظام الراسمالي لا يحاول حتى مجرد الزج بهؤلاء السكان الفائضين عن حاجته في بوتقة الاستغلال بل يجهد في عزلهم وتحييد تمردهم الحقيقي او الكامن من خلال تجريم الفقراء والمعدمين مما ادى الى ظهور توجهات ابادية بحقهم في بعض الحالات.

فاشية القرن الحادي والعشرين لا يمكن ان تشابه فاشية القرن العشرين، اذ ان قدرة السلطان الاقتصادي على تحديد النتائج الانتخابية تتيح لفاشية القرن الحادي والعشرين ان تشق طريقها الى العلن دون حدوث انقطاع ضروري في الدورات الانتخابية والنسق الدستوري.

وعلى الرغم من انه لا يمكن وصف النظام السياسي الامريكي الراهن بانه فاشي الا ان كافة الشروط والصيرورات موجودة وتنتشر، بينما القوى الاجتماعية والسياسية الماثلة خلف مشروع فاشي، تتحرك بسرعة.

بمعنى ان الفاشية ظاهرة سياسية ايديولوجية تبلورت في القرن العشرين كنظام سياسي بين الحربين العالميتين ( 1919 ـ 1945) اطلقيت عليها تسميات مختلفة: فاشية في ايطاليا، نازية في المانيا وفلنجية في اسبانيا.  ومن سماتها العامة: الافراط في العنف؛ اللجوء الى ارهاب الدولة كوسيلة لاخضاع الطبقات والشعوب الخاضعة او الادنى، ومحاولة تضليلها من خلال خطاب سياسي ديماغوجي يعجّ بالوعود بمستقبل اقتصادي “بحبوح” وبمنافع تعود على الجميع، والتغني بالخصال الحميدة لراس المال المتمثل بالاحتكارات الكبرى التي اضحت الان شركات عملاقة عابرة اوطان.

في خدمة هذا المشروع يتم التلاعب بالاعلام والكذب ويقوم النظام ببث ذلك في خدمة مصالحه المفتعلة ويستقوي حاليا باستعمال التتكنولوجيات الحديثة للاتصال والفضاء الالكتروني.

توصيف موجز للفرضيات الفلسفية والسياسية التي ترتكز اليها الفاشية:

 

كما اسلفنا تستند الفاشية فلسفيا الى اللاعقلانية وبهذا الخصوص تنسجم مع نظرية الانسان الخارق (سوبرمان) التي يؤمن بها نيتشه Nietsche. سياسيا، تستند الفاشية انطلاقا من فلسفتها المذكورة الى مسلّمات اخرى تبرر كثيرا من السياسات والافعال التي ارتكبتها النازية ونجدها الان ماثلة في تصرفات واساليب مراكز السلطان العالمي:

ـ ضرورة اخضاع الطبقات والشعوب التي يعتبرونها ادنى من الفوقيين.

ـ النزعة العسكرية واعلاء الحرب بصفتها الحالة الطبيعية للانسان وشرط امكانية تجسيد بطولته.

ـ المطالبة بفضاء او مجال حيوي والتوسع على حساب شعوب اخرى يعتبرونها ادنى منهم (شعوب تعرضت للغزو والاحتلال) والترويج للاستعمار والاستعمار الجديد.

ـ في ظل الارادوية المتطرفة ، والاخلاقية المستندة الى فكرة نيتشه عن “الانسان الخارق”، تعطي نفسها صلاحية تقرير من هم الذين يستحقون الحياة او التكاثر (التناسل) او الاستمتاع بالسعادة والملذات…الخ.

ـ ممارسة كافة انواع التمييز: العنصري، ضد المراة وضد الاقليات تبعا لاصلها العرقي والثقافي والديني و ضد المثليين…الخ.

السلوكيات الفاشية الرئيسية على الصعيد السياسي المعاصر:

 

اذا كانت المانيا هي الحاضنة التي ترعرت فيها الفاشية تماما بكامل وحشيتها ولا انسانيتها البغيضة خلال ثلاثينات واربعينات القرن العشرين، فانه لا يمكننا اغفال ان الولايات المتحدة الامريكية، بصفتها اعتى قوة عسكرية واقتصادية عرفها التاريخ، وانها تستعمل جبروتها المطلق خدمة لمصالحها الامبراطورية، وانها اضطلعت و لا زالت تضطلع بسلوكيات سياسة يمكن وصفعا بـ “فاشية”، ومن اهمها:

 

ـ وجود معسكرات اعتقال جماعي زجت فيها باكثر من مئة الف امريكي من اصل ياباني بعد دخول امريكا الحرب الثانية في اعقاب الهجوم على بيرل هاربر، تخوفا من قيامهم باعمال انتقامية[4].

ـ القاء قنبلتين ذريتين دون مبرر على هيروشيما وناغازاكي بعدما كانت الحرب قد وضعت اوزارها.

ـ سياسة ارهاب الدولة التي لا زالت تطبقها امريكا ضد الامة الكوبية منذ اكثر من 50 عاما ومهدت لها بغزو خليج الخنازير، وتشمل: الحرب الاقتصادية؛ اعمال بلطجية لتخريب الاقتصاد وحياة السكان الكوبيين بالاضافة الى مئات المحاولات لاغتيال قئد الثورة فيديل كاسترو.

ـ احلال دكتاتوريات عسكرية ودعمها في عدة بلدان امريكية لاتينية بموجب “مخطط كوندور” بموافقة ومشاركة اولئك الطغاة على راس حكوماتهم.

ـ بلقنة يوغوسلافيا في اعقاب العدوان الاطلسي.

ـ الابادة التي تقوم بها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني بدعم سياسي واقتصادي وعسكري امريكي.

ـ غزو العراق وافغانستان باستخدام مرتزقة وعرب دربتهم امريكا ابتداء من المجاهدين وثم طالبان والذين التحقوا اخيرا بـ “الدولة الاسلامية”.

ـ الحرب ضد ليبيا وسوريا باستخدام ارهابيي الدولة الاسلامية.

ـ وجود مركز اعتقال وتعذيب في غوانتنمو (ارض كوبية محتلة امريكيا بشكل غير قانوني).

ـ محاولات بلقنة روسيا من خلال السلوك الامريكي التدخلي في اكرانيا وبدعم مجموعات فاشية جديدة.

ـ بث الاكاذيب عبر وسائل الاعلام الجماهيري: اسلحة الدمار الشامل في العراق من اجل تبرير الغزو؛ اتهام روسيا بغزو اوكرانيا.

ـ واخيرا وحسب ما نشرته ذي نيويورك تايمز، فان الرئيس الامريكي ينظر كل يوم ثلاثاء في قائمة الموت التي تقدمها اليه وكالة الاستخبارات المركزية وبموجبها يقرر اوباما دون اي تفويض قانوني من يموت ومن يحيى (بيلغر 2016).

وفي الخلاصة يمكننا القول بان الفاشية لا يمكن لها ان تتكرر بنفس السمات التي تجلت فيها في القرن الماضي، لكن لا يمكن استبعاد ظهورها اطلاقا في القرن الحادي والعشرين. والانكى من ذلك ان شاراتها تلاحظ في اوروبا وامريكا وبشكل مقلق جدا.

للاطلاع على النص الكامل بالإسبانية، انقر على الرابط أدناه في موقع “كنعان”:

 

https://kanaanonline.org/ebulletin-en

El fascismo como categoría política.

Comportamientos políticos más relevantes en la etapa contemporánea

Dra. Elsie Plain Rad-Cliff

MSc. Diana Valle Guerra