السنة الرابعة والعشرون – العدد 6711
في هذا العدد:
■ كي لا يهوي الدين الجهادي إلى حضيض الدين السياسي! عادل سماره
- كلام وجع لكن مضيئ
■ عن التطهير العرقي المتخفي وراء محاربة حماس، خالد النجار
■ مقالات مترجمة l نحو ثورة أوروبية! ألكسندر دوغين، تعريب د. زياد الزبيدي
■ مائة عام على رحيله: «لينين» ومسألة التحرر الوطني، أحمد نظيف
■ من إعلام العدو l تمرد مقاتلي جيش المشاة ينذر بنشوء عصابات داخل الجيش! يغيل ليفي
✺ ✺ ✺
كي لا يهوي الدين الجهادي إلى حضيض الدين السياسي!
- كلام حامض/موجع لكن مضيئ
عادل سماره
لم أتعوَّد التقرب من أحد، ولن أفعل في الثمانين إلا في حدود قناعتي العروبية، فالاقتراب من الوطن فقط لأننا من ترابه وإليه. وأرجو المعذرة، فانا حذر وأُحّذِر من المهللين والمحمسين المتحمسين لصالح هذا الحزب الحركة النظام أو ذاك وغالباً بأجر لأنهم لن ينقدوا اي خلل ولا حتى عيباً في من يُقدِّسون ولذا يضعون تظليلاً يحول دون النظر لليوم التالي!.
خطر لي التالي بعد أن ذكرني صديق عزيز ووفِيْ برحيل الحكيم يوم 26من هذا الشهر عام 2008.
فكتبت:
لو كان عيسى المسيح، وعيسى العوَّام وجول جمال، وجورج حبش ووديع حداد وقسطنطين زريق أحياءً وطلبوا عضوية أية حركة م.ق.ا.و.م.ة تسمي نفسها إسلامية فقط وتتحاشى إضافة عربية سواء في فلسطين، لبنان، العراق، اليمن، أو غيرهن إن وُجدت فهل سيُقبلون!
إذا كانت هذه الحركات تناضل من أجل الوطن وليس الإيديولوجيا فلماذا تتحاشى كلمة “عربية”، أليست هذه الأقطار عربية!
نعم، أنا أتابع كل كلمة وأدقق فيها وهذا واجب عالٍ من أجل المستقبل كي لا يكون الوطن لدين واحد بل للعروبة.
بعض هذه القوى يقول:” إنني أطالب دول العالم بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني” ممتاز، إذن دول العالم تشمل الدول العربية والإسلامية.
ثم يقول “إن الدول العربية لم تقم بدورها لإدخال الدواء والغذاء لغزة” ويضيف مفردات أقسى! نعم صحيح. ولكن هل قامت بذلك الدول الإسلامية؟ فلماذا لا تذكر يا طيب العرب إلا للنقد والإهانة مع ان التقصير ايضاً إسلامي! ألا تلاحظ أن خطابك إيديولوجي بالمعنى السالب لتعريفها كما يقول ماركس؟ إذا كنت لا تلاحظ أو تلاحظ وتفعل قصدا، يصبح عليَّ أن أوضح هذا للناس.
الأنظمة العربية وليست الدول العربية يجب سحقها، هذا تحصيل حاصل وحساب تأخر طويلاً، ولكن ذكر العرب بالسالب وفقط أمر نخاف منه غداً بحيث نُقاد لنصبح مستمرة لإسلامٍ ما!
لماذا؟
لأن تربية أجيال على إهانة العرب تشمل الشعب العربي، كما أن شتم الأنظمة العربية نظراً لموقفها وحتى لوجودها الخادم للإمبريالية، وهذا صحيح، ولكن نفس الوصف ينطبق على الأنظمة الإسلامية، فلماذا تخصيص العرب بالإهانة! تخصيص يصل حد التطريب، وهذا خطير ذات يوم قادم.
إن من يقاتل هو مسؤول عن خطابه أيضاً اليوم وغداً. فإذا كان القتال والنضال تربية للمستقبل فإن الخطاب تربية ايضاً.
لماذا لا يُقال لجميع هذه الأنظمة العربية والإسلامية: أمَّا وأنتم لا تقومون بقطع العلاقات مع عشرات الدول التي تقاتل غزة وتدعم الكيان، ولا تقاطعوا منتجاتها ولا تسمحوا للشعب بقتالها بحرب الشعب…الخ، إذن أعلنوها بوضوح: “فلسطين لا تعنينا”.
إن مناهضة التطبيع والمقاطعة مع الثلاثي:
· الكيان
· والغرب داعم الكيان
· والصهيونية العربية
هي واجبات كان يجب تبنيها منذ قرن وليس خلال العدوان على غزة. فأين هي الدولة العربية أولاً والإسلامية ثانياً التي فعلت هذا، بل بعض هذا، اليوم وغزة تُباد؟
كل حاكم او حزبي أو مثقف أو محلل لا يقاتل لتطبيق هذا المطلب الثلاثي إنما يقول للكيان: “أسرع في الإبادة لنخفي جثة غزة كي لا يبقى عارنا على الشاشات فقد تنفجر فينا الجماهير”. وأنا اقول لكم ولهم ستنفجر. نعم حديثي هذا من أجل اليوم التالي.
ملاحظة: ذات يوم عام 2000 كتب “فتى المحرقة” يهزأ من دعوتي للمقاطعة ومناهضة التطبيع مع الثلاثي ثم تبناه بعد عشرين عاماً!
✺ ✺ ✺
عن التطهير العرقي المتخفي وراء محاربة حماس
خالد النجار
بدءا، فلسطين آخر بلد واقع تحت الاستعمار المباشر وهو الاستعمار الصهيوني الذي يستند إلى ايديولوجيا دينية … وللاستيلاء على الأرض المقدسة التي وعدهم بها الرب كما هي في روايتهم التوراتية: أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات… لابد من حذف السكان، ولا يتم الحذف إلا بالتقتيل، والتهجير، وبكل أشكال الرعب المتخيلة كما جاءت في نصوصهم التوراتية والتلمودية.
أقول هذا لأن الدولة دينية بفترينة لايكية؛ هي دولة لليهود فقط، بما يعني أن حقوق المواطنة تمر بالعقيدة الدينية، وإذا لم تكن الأم يهودية فلا يتمتع المواطن داخل هذه الدولة بحقوق المواطنة. ولكنهم سوقوا أنفسهم في العالم، والعالم الغربي على وجه الخصوص كدولة لايكية وديمقراطية وكان الحداثيون العرب أول من تلقى وآمن بهذه الكذبة وبدأ في شيطنة حماس، بل هناك من شيطن بقية قوى وفصائل المقاومة…
ما يُمارس اليوم في غزة تطهير عرقي ديني رغم ادعاءات محاربة الارهاب وبقية الضجيج الإعلامي…
والتطهير العرقي هي الجريمة التي تأسس عليها هذا الكيان الاستعماري، الجريمة المستمرة منذ حوالي قرن من الزمان؛ الجريمة التي شارك فيها الغرب بالأسلحة وبالمال، وبالصمت الاجرامي، وبتزييف الرواية، وبالتغطية والحماية القانونية وبالفيتو على القرارات الدولية، وبالسماح للإسرائيليين بعدم تطبيق أي من القرارات الدولية بدءا من قرار التقسيم 1947 فقد أخذوا الكل. إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم (242) بما يعني واقعيا أنهم كما يصفون أنفسهم شعب الله المختار وأنهم فوق البشرية وفوق شرائعها وأحكامها…
والإسرائيليون لا يخفون استراتيجيتهم للاستلاء على كامل فلسطين التي تتم بالتهجير القسري يعني بالإجرام، ويطلقون على التهجير الترجمة الإنكليزية الترنسفير، ويدعون باستمرار للترنسفير كما لو كان أمرا عاديا؛ تصور انسانا يدعو إلى تهجير الشعب البلجيكي من بلده ونقله إلى فرنسا، يبدو الأمر شديد السريالية، ولكن تكراره حوله لأمر عادي لدى الساسة الغربيين، أما العرب وباستثناء الفلسطينيين لم ينتبهوا لذلك … هذه الدعوة للترنسفير في حد ذاتها جريمة يعاقب عليها القانون؛ جريمة مزدوجة: طرد الناس من بيوتهم وأراضيهم واغتصابها، وقتل من يبقى؛ وفي الآن استباحة أراضي بلد آخر لوضعهم فيه. والغرب الذي أنشأ وعد بلفور يتواطأ بالصمت. ويصغي لهذه التصريحات الاجرامية دون أن يرف له جفن بله إدانتها. وهو يصغي إليها كما لو كانت أمرا عاديا.
هكذا تنيم الميديا وتخدّر الوعي وتجعل اللامعقول والمستحيل تصوره أمرا عاديا.
المستويات الخيالية وغير المسبوقة من الهمجية والقتل التي تتم اليوم في غزة هي محاولة تهجير ديني توراتي يكتمه الكيان الإسرائيلي عن العلم الحديث، هي نسخة جديدة لترنسفير 1948 بفظاعاته التي تجاوزت الخيال والتي لم توثق كما ينبغي لها أن توثق باستثناء شهادات الكتاب الفلسطينيين. هو محاولة ترنسفير مبرمج من زمان ومغطى بذريعة القضاء على حركة التحرير حماس التي مرغتهم في الوحل. وبعد مضي أقل من أسبوع من القتل الهمجي انتبهت بعض قطاعات المجتمع المدني الغربية ممن أيد العمليات العسكرية الإسرائيلية في الأيام الأولى للحرب إلى التفاوت الكبير بين محاربة حماس وعملية التطهير العرقي الاجرامي التي تتم بشكل مبرمج. اكتشفوا أن محاربة حماس ليست سوى ذريعة، ليست سوى أجندة السطح؛ وأن الأجندة الحقيقية، الأجندة التي يتم تنفيذها على الأرض من هدم البيوت والأبراج على رؤوس السكان المدنيين، وهدم المساجد والكنائس، وحتى المستشفيات على رؤوس المرضى قصد التهجير هي عملية تطهير عرقي جريمة حرب مبنية على سردية توراتية تقول إن الله وعدهم بالأرض، وهدفها غير المعلن إعادة تمركز الغرب في المنطقة من خلال تشكيل شرق أوسط جديد تحت القيادة الإسرائيلية. يضمن للغرب امداداته من الطاقة وسيادته على المنطقة في مواجهة روسيا والصين التي تتلخص في التالي:
- مواجهة الوجود الصيني المتنامي في الشرق الأوسط (مبادرة الحزام والطريق).
- مصادرة احتياطيات الغاز الطبيعي الفلسطيني.
- محو غزة من الخريطة”، الاستيلاء على احتياطيات الغاز البحرية في غزة بالكامل… وهناك تقارير تؤكد أن جزء من حقل غاز ليفياثان يقع في المياه الإقليمية لغزة.
هكذا يزاوجون بين اللاهوت والتاريخ معتمدين على الفلاسفة اليهود الهيغليين الذين يعتبرون إسرائيل تجسدا لنهاية التاريخ.
ولا أتحدّث عن بقية أدبيات الفلاسفة الصهاينة من ليفيناس إلى من يطلقون على أنفسهم الفلاسفة الجدد أمثال فلكلكراوت، وبرنار هنري ليفي، ثم إلى ميشال أنفري الذي يحتفى به في المجلات الثقافية العربية وخاصة في مجلة الدوحة القطرية.
✺ ✺ ✺
مقالات مترجمة l
ألكسندر دوغين: نحو ثورة أوروبية!
ألكسندر دوغين، فيلسوف روسي معاصر
تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف
بوابة كاتيخون، 17 يناير 2024
هذا العام يتوقع الغرب حدوث ثورة.
هناك نوعان من الغرب – العولمي و… العادي. أنصار العولمة يمثلون الغرب-1. وفي نفس الوقت يرفضون الاعتراف بوجود أحد في العالم غيرهم. لذلك، يصرون على أنه لا يوجد غرب “ثاني”، الغرب-2 غير موجود بالنسبة لهم. ولكنه موجود على أرض الواقع.
نحن، عالم متعدد الأقطاب، بحاجة إلى أن ندرك بأكبر قدر ممكن من الوضوح وجود هذا الغرب-2.
وهو يتألف من مجموعة متنوعة من القوى التي لا تتفق مع الأجندة العولمية الليبرالية المتطرفة للنخب.
يوجد هناك يساريون – مثل سارة فاغنكنيخت Sarah Wagenknecht وحزبها الجديد. “سارة الحمراء” (فالكيري Valkyrie من أصل إيراني ألماني) تصبح رمزا لليسار غير الليبرالي في أوروبا.
وفي إيطاليا، من المنظرين البارزين في نفس الاتجاه هو دييغو فوسارو Diego Fusaro، وهو تلميذ للماركسي والمناهض للعولمة كونستانتيو بريف Constantio Preve.
وفي فرنسا، هناك آلان سورال، وكذلك ميشيل هونفراي، وجان كلود ميشات، وسيرج لاتوشAlain Soral, as well as Michel Honfray, Jean-Claude Micheat and Serge Latouche..
ومثل هؤلاء اليساريين هم في المقام الأول أعداء رأس المال العولمي. إنهم مختلفون عن اليساريين الزائفين الذين اشتراهم جورج سوروس: الذين، في المقام الأول، يؤيدون مجتمع المثليين، والنازية الأوكرانية، والإبادة الجماعية في غزة، والهجرة غير المنضبطة، ولكنهم ضد روسيا وما يسميه أسيادهم الرأسماليون ” الفاشية”، علما انهم هم أنفسهم النازيون الليبراليون.
وهناك أيضاً العنصر اليميني، وهو عنصر رث للغاية، ولكنه يمثل في العديد من البلدان الأوروبية ثاني أهم قوة سياسية. على سبيل المثال، مارين لوبان في فرنسا.
تكتسب حركة البديل من أجل ألمانيا وغيرها من الحركات الأصغر قوة في ألمانيا. وخاصة في بروسيا (المعروفة سابقًا باسم جمهورية ألمانيا الديمقراطية).
وفي إيطاليا، وعلى الرغم من ضعف ميلوني الليبرالية، فإن النصف الأيمن من المجتمع لم يختف. ولم تختف أيضًا كل الشعبوية اليمينية.
لكن الشيء الرئيسي في الغرب-2 – هو الأشخاص العاديون الذين لا يفهمون شيئًا على الإطلاق في السياسة. إنهم ببساطة لا يستطيعون مواكبة مطالب تغيير الجنس، وإخصاء أبنائهم الصغار قسراً، والزواج مع الماعز، وإحضار وإطعام المزيد من المهاجرين والمجانين الأوكران المتوحشين العاجزين عن الاعتناء بأنفسهم، وأكل الصراصير، وقراءة الصلوات في الليل لغريتا ثونبرج ويلعنون الروس الذين لم يخطئوا في حقهم.
إن رجل الشارع الغربي، البرجوازي الصغير – هو الداعم الرئيسي للانتفاضة القادمة. لقد توقف عن فهم النخب الليبرالية. لقد سقط بلا رجعة خلف تسارع التدهور والانحطاط الذي تطالبه به هذه النخب.
إن العالم المتعدد الأقطاب لابد وأن يساعد الثورة الأوروبية.
الغرب-2 هم أشخاص عاديون لم يرتكبوا أي ذنب. بالوسائل الديمقراطية، ليس لديهم فرصة لتغيير الوضع ببساطة لأنه لا توجد هناك ديمقراطية في الغرب منذ فترة طويلة، وقد أنشأ الغرب-1 دكتاتورية ليبرالية عولمية مباشرة – في المقام الأول للسيطرة على الغرب-2.
لم يتبق سوى شيء واحد: الإطاحة بسلطة المغتصبين من خلال الوسائل الثورية.
هذه هي أجندة 2024 لأوروبا.
حريتكم في ايديكم.
✺ ✺ ✺
مائة عام على رحيله: «لينين» ومسألة التحرر الوطني
أحمد نظيف
لم تكن الثورة مصير لينين فحسب، بل كانت مهنته. الرجل الذي جعل من أفكار ماركس ممارسة متحققةً في الواقع، لم يكن ماركسيًا بالقدر المهول الذي توحي به خطوط التاريخ العريضة، أو حالة القداسة التي تلبّس بها بعد وفاته، وكانت إحدى الأدوات الأساسية في يد البيروقراطية السوفييتية في عهد سلفه ستالين. ماركسية لينين لم تكن بيضاء، بل سعى رغم ثقافته الأوروبية الغربية العميقة أن يجعلها روسيةً، شكلًا ومضمونًا وروحًا. وهذا أحد أوجه عبقريته، التي اقتبسها منه ماو في الصين. وهي في الوقت نفسه، كعب أخيل ماركسيات عديدة حول العالم منها في الوطن العربي، حين لم تقم بدورها التاريخي في توطين هذه النظرية الثورية، فأخذتها جاهزةً في قوالبها البيضاء ومضامينها الغربية، فأنتجت مسخًا أيديولوجيًا، منحول النظرية ومختل الممارسة. وليس أدل على ذلك من سقوطها عندما سقطت النسخة الأصلية في موطنها.
بنيته الجسدية الآسيوية الموروثة عن جدته المنغولية، ونظرته الثاقبة للغاية، ربما كانت ما ميز لينين ظاهريًا بين أقرانه. لكن جوهر شخصيته الكاريزمية كان فكره أو طريقة تفكيره، التي لم تنجح فقط في القيام بالثورة، ولكنها أسست لتقليد جديد في الماركسية، نقلها من نظرية غربية كان مجال تفكيرها وعملها المجتمع الغربي، إلى نظرية كونية تهم شعوب بقية العالم. باكرًا، كان هناك وعي لينيني بأن ماركس لم يخترع قوانين المادية التاريخية ولا الصراع الطبقي، بل أعاد صياغتها في نظرية متماسكة.
لذلك لم يكن هناك ذلك الحاجز النفسي في تجاوز ماركس، أو على نحو أدق، في عدم نسخه ولصقه في روسيا. هذا الوعي بدا أكثر وضوحًا لدى ماو تسي تونغ، نظريًا وخاصة في الممارسة الثورية. فقد شكلت اللينينية مساهمة ناجحة في تلوين الماركسية وإخراجها من قوقعتها الغربية نحو آفاق أوسع. وهنا لعب القدر الجغرافي دورًا أساسيًا في نجاح هذه المساهمة، فلو لم يكن لينين روسيًا لما نجح في ذلك. إن روسيا، ذلك الامتداد الجغرافي الواسع بين عالميْ الشرق والغرب، الموزعة بين ثقافتين غربية وشرقية، المترامية نحو شعوب وثقافات وأعراق متعددة، متصلة ومنفصلة، هي التي شكلت الفضاء المناسب لظهور هذه العبقرية الثورية.
تجاوز الماركسية «الأورومركزية»
قبل وفاته بشهور، متأثرًا بمرض السلّ الرئوي، مكث كارل ماركس ما يقرب من ثلاثة أشهر في الجزائر العاصمة، بين 20 شباط والثاني من أيار 1882. وخلال هذه الإقامة العلاجية، لم يتوقف عن كتابة الرسائل لابنتيه جيني ولورا ورفيقه فريدريك أنجلز. رغم المسحة الغربية لهذه الرسائل المتأثرة بالمرض الشديد، كانت نظرة ماركس للمستعمرة الفرنسية سجينة «الصراع الطبقي». لم ير المنظر الثوري الاشتراكي الاستعمار إلا بوصفه حالة سيطرة قوى متقدمة على شعب متخلف. فيما لم يخف نظرته الأوروبية الاستعلائية على السكان الأصليين، في ملابسهم وسمتهم وعاداتهم وحتى معتقدهم الديني.[1]
كان ماركس مفكرًا غربيًا منهجًا وموضوعًا وروحًا. ولعل ما يثبته هو بنفسه من كونه امتدادًا لهيغل، مع نزوع ثوري، يؤكد ذلك، حيث لم يستطع التخلص من معتقده الهيغلي حول أوروبا، بوصفها تشكل الخلاصة النهائية للتاريخ البشري. سيشكل هذا المعتقد الأسطوري، الأساسي النظري لأطروحة فوكوياما حول «نهاية التاريخ» على نحو آخر. كان هيغل يعتقد أن «التاريخ الإنساني بدأ في الشرق، لكنه سيبلغ أوجه ومنتهاه في أوروبا الغربية». في هذا الإطار حافظ ماركس على روابطه مع ماضيه الهيغلي. فقد جاءت خارطة الطريق التي وضعها لتطور الرأسمالية والحلّ الاشتراكي لهزيمتها متناسبًا مع ضرورة أن تدور هذه المعركة التغييرية للعالم على الساحة الأوروبية، مهد الرأسمالية وتطورها ومهد الطبقة العاملة الواعية بذاتها.
بدا هذا المنزع «الأورومركزي» في تفكير ماركس أكثر وضوحًا في مقالاته التي كتبها عن الهند، أوائل خمسينيات القرن التاسع عشر لصحيفة «نيويورك ديلي تريبيون». في دراستها حول «المركزية الأوروبية عند ماركس»، تشير كولغا ليندنر، إلى أن إحدى السمات المميزة لهذه المقالات هي تصور ماركس للبنية الاجتماعية في الهند باعتبارها ثابتة. ووفقًا لتحليله، فإن الظروف المناخية في الهند استلزمت إنشاء نظام ري صناعي، والذي نتيجة لانخفاض مستوى التنمية الاجتماعية وحجم البلاد الهائل لا يمكن إنشاؤه وصيانته إلا من خلال سلطة الدولة المركزية. وقد تميزت بالوحدة بين الزراعة والمصنوعات اليدوية التي حدت من تطور الإنتاجية، ومثل هذا النظام لم يشجع على ظهور المراكز الحضرية.
يعتبر ماركس بنية المجتمعات القروية في الهند وعزلتها بمثابة «الأساس المتين للاستبداد الشرقي» و«الحياة الراكدة» في البلاد. ويستند نقد ماركس للاستعمار البريطاني على هذا المفهوم لبنية المجتمع الهندي. ضمن حالة متناقضة: يقول ماركس إن إنجلترا «يجب أن تؤدي مهمة مزدوجة في الهند: الأولى تدميرية، وهي تفكيك المجتمع الآسيوي القديم، والثانية بنائية وهي إرساء الأسس المادية للمجتمع الغربي في آسيا». ومنطلقًا من فرضية مفادها أن الاستعمار قد عزز تنمية الهند، يشير ماركس إلى أن توحيد نظام السكك الحديدية الهندي، على سبيل المثال، يمكن أن يسهل تطوير نظام الري المثقل بالضرائب.[2] وهو افتراض، لم يتوقف يومًا عن إغراء قطاع واسع من الماركسيين حول العالم، وحتى في الوطن العربي، من كون الاستعمار يمكن أن يشكل لحظة لإعادة بناء المجتمعات على أسس سياسية وطبقية جديدة. وهي فكرة أعاد مثقفون يساريون عرب إنتاجها خلال غزو العراق وعُرفت بـ«عقيدة الصفر الاستعماري»، وتعتبر أن وقوع الدول التي تحكمها نظم استبدادية تحت الاحتلال، يمكن أن يرفعها من تحت الصفر إلى مرحلة الصفر، ومن ثمة يمكن البناء على ذلك نحو تشكيل نظم تعددية ديمقراطية.
في المقابل كان لينين، الماركسي المتحمس، واعيًا بأن الحتمية الماركسية حول ضرورة قيام الثورة الاشتراكية ضمن إطار رأسمالي متطور يفترض تمايزًا واضحًا ومتقدمًا لطبقتين أساسيتين هما البرجوازية والبروليتاريا، ليست قدرًا. مع إدراكه الواضح لطليعية العمال، إلا أنه لم يكن قادرًا على تجاهل طبيعة المجتمع الروسي الإقطاعية ووجود قطاع عريض من الفلاحين المستغلين. شكّلَ التشابه النسبي بين الهند وروسيا أول معضلة لينينية لنظرية نمط الإنتاج الآسيوي الماركسية. منذ وصوله إلى سان بطرسبرغ عام 1894 وحتى عام 1914، كان العمل الأساسي في حياة لينين هو ترجمة الماركسية إلى اللغة الروسية، أو بالأحرى، إعادة كتابة الماركسية روسيًا.
كانت معركة لينين اليومية في ذلك الوقت المبكر، بحسب الباحث ماثيو رينو، تهدف إلى جعل الماركسية روسية، وتأميمها من خلال ترسيخها في تاريخ الحركة الثورية المحلية. هذه الأصالة الثورية الروسية، ستظهر بوضوح أكبر في كتاب لينين «ما العمل» عام 1902. عندما سلط الضوء على «الأصالة القصوى» للوضع الروسي، واضعا البروليتاريا أمام تحدٍ غير مسبوق: «إن إنجاز هذه المهمة، أي تدمير أقوى حصن، ليس فقط للرجعية الأوروبية، بل أيضًا للرجعية الآسيوية، من شأنه أن يجعل البروليتاريا الروسية طليعة البروليتاريا الثورية العالمية». ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى صياغة سياسة تستجيب لكلٍّ من «المهام العامة للاشتراكية والظروف الروسية الراهنة»: فالمهام العالمية، من ناحية، تتطلب «استيعاب تجارب البلدان الأخرى» دون «الحد من أنفسنا» ولكن مع «إجراء تحليل نقدي لهذه التجربة»، وبالتالي الامتناع عن أي «تقليد أعمى» للغرب. ومن ناحية أخرى، فإن المهام الوطنية «لم يسبق لها مثيل في أي حزب اشتراكي في العالم»، لأنها مسألة «تحرير شعب بأكمله من نير الاستبداد».[3]
أما المسألة الثانية، في مسار القطيعة «اللينينية» مع المركزية الأوروبية الماركسية، وهي وعي لينين منذ اللحظات الأولى لنجاح الثورة البلشفية أنها أصبحت وسط بحر من الأخطار الإقليمية، وأن الحلّ يكمن في الهجوم بتصديرها بدلًا من البقاء داخل روسيا والدفاع عنها. كان لينين واعيًا بأن تصدير الثورة الروسية إلى الشرق –شرق روسيا القيصرية- لا يمكن اختزاله في مجرد نقل مطابق لها. ولذا كان العمل الصبور لتكييف «النظرية العامة للشيوعية وممارستها» مع ظروف محددة غير موجودة في أوروبا أمرًا ضروريًا، وإن هذه المهمة الحتمية المتمثلة في إعادة توطين الشيوعية، والتعبير عن العالمية والخصوصية بدلًا من معارضتهما، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الشيوعيين في الشرق أنفسهم، باعتبارهم القادرين على تحرير أنفسهم، وهنا ستظهر بقوة طروحات لينين حول المسألة الوطنية.
التحرّر الوطني: المساهمة «اللينينية»
قدمت «اللينينية» مساهمتين أساسيتين في المسألة الوطنية، أو التحرر الوطني: الأولى وهي «حق تقرير المصير» والثانية هي طرح لينين حول «الإمبريالية».
في المنفى كتب لينين كراسًا بعنوان حق الأمم في تقرير مصيرها يقول: «إننا نقاوم امتيازات الأمة المتسلطة الظالمة وأعمالها العنيفة من جهة، ولا نتسامح مطلقًا مع سعي الأمة المضطهَدة وراء الامتيازات (..) كل نزعة قومية برجوازية في أمة مظلومة تتضمن مضمونًا ديموقراطيًا عامًا ينتصب ضد الاضطهاد. وهذا المضمون هو الذي نؤيده تأييدًا تامًا، مميزين في الوقت نفسه، بدقة بالغة، كل ميل إلى الاستئثار القومي (..) فهل يستطيع شعب أن يكون حرًا إذا كان يضطهد شعوبًا أخرى؟ كلًا».
كما كان يعتقد أن الدول المستعمرة ليست مجرد ضحايا، بل هي جهات فاعلة مركزية في الصراع الطبقي على نطاق عالمي.[4] وبعيدًا عن كونها جبهة ثانوية يجب أن تنتظر بصبر الثورة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، فإن حركة التحرر في المستعمرات «تهدد رأس المال في مجالات استغلاله الأكثر قيمة». هنا يلتفت لينين إلى مفهوم «بقية العالم» مذكرًا بأن «70% من سكان العالم ينتمون إلى شعوب مضطهدة تجد نفسها إمّا تحت نظام التبعية الاستعمارية المباشرة، أو تشكل دولًا شبه مستعمرة».[5] ويعتقد أن هذا هو المكان الذي سيكون فيه الصراع الحاسم. علاوة على ذلك، يزيد من التأكيد على أن المستعمرات وأشباه المستعمرات ليست محكوم عليها مسبقًا بالمرور عبر مرحلة الرأسمالية، لأنها تستطيع تحت زخم الجماهير البروليتارية والريفية بناء قوة اشتراكية. ستتشكل رؤية لينين لحق تقرير المصير على نحو عملي بعد انتصار الثورة في التقرير الذي كتبه للمؤتمر الثاني للمنظمات الشيوعية الإسلامية لشعوب المشرق، والذي ضم ما يزيد قليلًا عن ثمانين مندوبًا أتوا من تتارستان، وباشكيريا، وتركستان، وبخارى، وقيرغيزستان، وأذربيجان وشمال القوقاز وغيرها. وهنا ظهر الشعار اللينيني «يا عمّال العالم وشعوبه المضطهَدة، اتّحدوا»، الذي صاغه غريغوري زينوفييف، ووافق عليه لينين، والذي يعبر عن تجاوز للشعار الماركسي وامتدادًا له في الوقت نفسه.
المساهمة الثانية، والتي شكلت تطورًا نوعيًا في تحليل الرأسمالية وعلاقتها بالاستعمار هي «الإمبريالية». في منفاه السويسري، كتب لينين عام 1916 كتابه «الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية». والذي كان موجهًا بشكل نقدي للأممية الثانية وموقفها من الحرب العالمية الأولى. في مآزق لينين[6] يذهب الكاتب اليساري طارق عليّ إلى أن أول مأزق واجهه لينين كان الحرب العالمية الأولى، عندما وجد نفسه في المعسكر المقابل لمرشده الإيديولوجي الألماني كارل كاوتسكي. لقد كان استسلام كاوتسكي للحرب حدثًا فارقًا في حياة لينين، ليذهب بعيدًا في نقده معتبرًا الحزب الاشتراكي الألماني من خلال حماسته للحرب الإمبريالية مجرد «جثة عفنة». في كتابه الذي ظهر سنواتٍ قليلةٍ بعد اندلاع الحرب يبرهن لينين على أنها حرب إمبريالية، أي حرب غزو ونهب من أجل تقاسم العالم، ومن أجل اقتسام وإعادة اقتسام المستعمرات و«مناطق نفوذ» رأس المال. تقدم هذه المساهمة اللينينية أداةً غير مسبوقة لتحليل النزوع الاستعماري الأوروبي –بعيدًا عن التحليلات المثالية ومقولات نقل الحضارة– وهو تحليل مادي يقوم على دراسة تطوّر الرأسمالية المحلية الأوروبية وطبيعتها التوسعية في بحث عن أسواق جديدة ومصادر مواد أولية ومواقع نفوذ وقوى عمل مطيعة. ولعل هذا الإدراك العميق للجذور الاقتصادية للظاهرة الاستعمارية قد وسع من المهام العملية التي تواجه الحركة الشيوعية، فلم يعد دورها مقتصرًا على إنجاز المهام الديمقراطية والاشتراكية بل أصبحت المهمة الوطنية في التحرر شرط أساسيًا لإنجاز بقية المهام.
نحو «ماركسية شرقية»
في مكان ما يشير هيغل في حدسه حول الرجال العظماء، إلى أنهم بمجرد إنجاز دورهم المنوط لهم من العناية الإلهية، «يسقطون مثل فوارغ خراطيش الرصاص». تبدو هذه الصورة الهيغيلة مطابقة لمصير إرث لينين بعد رحيله. حوّلت الستالينية لينين إلى مجرد رموز: جثة محنطة وتماثيل وشوارع. لكن أفكاره، لاسيما المتعلقة بالمسألة الوطنية وبعالمية الماركسية دون حصرها في بعدها الغربي، لم تكن محلّ احتفاء. تفكك كل ما شيده الرجل في شرق روسيا لفائدة الشعوب غير الروسية، فيما وضعت المركزية الروسية الستالينية يدها على كامل الاتحاد السوفياتي، بدواعي أمنية وعسكرية. كما قطعت السلطة الجديدة مع نهج الثورة الدائمة وتصدير الاشتراكية، وحصرته في بناء شبكة واسعة من الأحزاب الشيوعية الموالية حول العالم، تعتمد على نسخ ولصق التجربة السوفياتية دون الاستفادة من تجربة لينين في توطين الماركسية. لكن فوارغ الرصاص حين سقطت، كان الرصاص قد دوى صوته بعيدًا. في الصين ستجد أفكار لينين حيزها المناسب لتتطور ضمن تجربة ماوية استفادت من دروس توطين الماركسية وإعادة صياغتها وفقًا للسياق التاريخي والواقعي المحلي.
في كتابه «الماركسية الغربية: كيف ولدت، وكيف ماتت، وكيف يمكن أن تولد من جديد» يعيد الفيلسوف الإيطالي، دومينيكو لوسوردو، التفكير في الماركسية من خلال التفكير التاريخي والنقدي في تراثها في الثقافة الفلسفية الغربية. بالنسبة للوسوردو، يبدو أن تاريخ الماركسية يتقاطع مع انقسام كبير، أو كما يمكن القول من خلال التناقض بين نموذجين نظريين أديا إلى ولادة ثقافتين اقتصاديتين وسياسيتين متعارضتين وشكلين من الممارسة التحررية بعيدتين بشكل متساو عن بعضهما. إن النسخة الماركسية التي يعتبرها لوسوردو الأكثر فعالية، لا سيما فيما يتعلق بالتأثيرات التاريخية الدائمة، هي تلك التي يعرّفها بـ«الشرقية».
كان لينين أول من أدرك أن الماركسية يجب أن تصبح السلاح الأيديولوجي للثورة العالمية المناهضة للاستعمار، وذلك لدفع الشعوب الخاضعة للإمبريالية الغربية إلى النضال من أجل تحررها وبناء الاشتراكية في بلدانها. كل الثورات التي تلت ثورة أكتوبر –من الصين (ماو تسي تونغ) إلى فيتنام (هو تشي منه)، ومن كوبا (فيدل كاسترو) إلى الثورات العربية مثل ثورات عبد الناصر في مصر والحركات المناهضة للاستعمار في العالم الثالث- تشير إلى الأهمية الأساسية للمسألة الاستعمارية في التاريخ السياسي والثقافي للقرن العشرين. إن الماركسية الشرقية، بالنسبة للوسوردو، مستوحاة بعمق من الواقعية السياسية التي تجد جذورها، حتى قبل الديالكتيك المادي لماركس، وبالتالي فإن الأمر يتعلق بعدم إغفال التناقضات والصراعات الخاصة بالزمن التاريخي، في حين يتم محوها بشكل منهجي بواسطة «الأنظمة الفلسفية» السائدة للحضارة الغربية، والتي تحجب الطابع المركزي للمشكلة الاستعمارية.[7]
يبدو هذا التقسيم للماركسية بين شرقية وغربية، شديد الراهنية اليوم، فيما يجري في فلسطين. حيث يتفرق الماركسيون، واليسار على نطاق أوسع، في العالم بين معسكرين. معسكر يعي جيدًا المسألة الاستعمارية الصهيونية، وتاليًا نضالات الشعب الفلسطيني، بكل الأشكال، ويتضامن معها. ومعسكر ذو مواقف هشة، تتسم دائمًا بالتردد على نعم ولكن، ويتجاهل المسألة الاستعمارية بالقفز نحو تحليلات طبقية أو نسوية أو ثقافوية. لذلك اشتغلت الماركسية الغربية على مدى عقود على طمس لينين ذي الوجه الشرقي.
الهوامش
[1] Marxisme et Algérie. Textes de Marx/ Engels. Paris, Union générale d’éditions, 1976 et Karl Marx, Lettres d’Alger et de la Côte d’Azur. (Traduites et présentées par Gilbert Badia).Le Temps des cerises, 1997.
[2] Kolja Lindner, «Marx’s Eurocentrism: Postcolonial studies and Marx scholarship», Radical Philosophy 161, May/Jun 2010.
[3] Matthieu Renault -Traduire le marxisme dans le monde non-occidental. Lénine contre les populistes – Période 13 avril 2017.
[4] Vladimir I. Lénine, « Rapport sur la situation internationale et les tâches fondamentales de l’Internationale communiste », Œuvres complètes, tome 33 avril-décembre 1920.
[5] Vladimir I. Lénine، «Rapport de la commission nationale et coloniale au deuxième congrès de l’IC»، Œuvres choisies، tome 3, Moscou, Éditions du progrès, 1968, p. 467.
[6] Tariq Ali – The Dilemmas of Lenin: Terrorism, War, Empire, Love, Revolution Verso Books 2017.
[7] Francesco Fistetti -Marxisme، question coloniale et postcolonialisme. Dialogue avec Domenico Losurdo -Revue du MAUSS permanente/ publié le 29 décembre 2019
:::::
المصدر: “حبر”، 21 كانون الثاني 2024
✺ ✺ ✺
من إعلام العدو l
تمرد مقاتلي جيش المشاة ينذر بنشوء عصابات داخل الجيش!!
يغيل ليفي
هآرتس 16.1.24
يمكن التعامل مع مقاطع الفيديو الخاصة بالمقاتلين التي عرضت في لاهاي على أنها مجرد حكاية صغيرة وإلقاء اللوم على الجناح اليميني في نشرها. لكن الحقيقة هي أن هذه ظاهرة غير مسبوقة: إذ يستخدم المقاتلون وسائل التواصل الاجتماعي لتحدي القيادة العليا وحتى القيادة السياسية، التي يعتقد اليمين المتطرف أنها منضبطة أكثر من اللزوم.
التحدي مباشر، من خلال رسائل معارضة لوقف إطلاق النار، والتهجم على أحكام المحكمة العليا، ومعارضة توريد الغذاء لسكان غزة، وانتقاد ضبط النفس الذي يمارسه سلاح الجو، والتأكيد على عدم وجود أبرياء في غزة.
كذلك فإن التحدي غير مباشر أيضًا وينعكس بجملة متنوعة من التعابير التي تتعارض مع القيم المعلنة للجيش: لافتات للعودة إلى غوش قطيف، احتفالات دينية مثل وضع لفائف التوراة ووضع “المزوزاة” في منازل غزة، إظهار الحماس لهدم المنازل (على سبيل المثال، مجندة تحتفل في غرفة اطفال مدمرة)، المس بشعائر دينية للمساجد، ودعوات للانتقام إلى جانب تقرير عن تنفيذها.
الحديث ليس فقط عن جنود يعبرون عن مشاعرهم. ويتعاون القادة الميدانيون ويبثون رسائل انتقامية، مثل رسالة قائد لواء في “بهاد 1” يدعو إلى عدم تكرار خطأ الملك شارول الذي أشفق على عماليق. وف
وصلت ذروة الأمور بتوقيع 90 ضابطا في جيش الاحتياط على عريضة تطالب رئيس الأركان بعدم التوقف في غزة ولبنان والضفة الغربية حتى النصر. ولا نتذكر مثل هذا التحدي العلني من قبل ضباط الاحتياط لما يعتبرونه موقفًا منضبطًا من المستوى السياسي.
ولا يقتصر الأمر على الخطابة وحدها، بل ينعكس في السلوك على أرض الواقع. ويكفي القول إن حادثة إطلاق النار على الرهائن الثلاثة لم تكن لتحدث لولا الاستخفاف بالتعليمات بإطلاق النار، في حين أنه في الممارسة يُعتبر كل رجل في غزة هدفا مشروعا. وذلك دون الحديث عن السلوك العنيف في الضفة الغربية، والذي يهدف عملياً إلى إشعال انتفاضة مسلحة في هذه الجبهة.
يجب أن يُنظر إلى هذه الظواهر على أنها تصعيد للسيرورات المستمرة منذ حوالي 20 عامًا، والتي تركزت على التحدي من جانب المادينين القوميين وانتفاضة المقاتلين ذوي الياقات الزرقاء (في أعقاب قضية عزاريا) على ضبط النفس المزعوم للجيش الإسرائيلي. وهذه محاولة لإعادة تشكيل صورة الجيش كحركة كماشة للتمرد من الأسفل وبدعم من القيادة اليمينية، وهو ما انعكس، على سبيل المثال، في الهجمات على رئيس الأركان عندما تجرأ على إيقاف الجنود عن الخدمة في اعقاب تدنيسهم مسجدًا في مدينة جنين.
لكن انهيار التسلسل الهرمي العسكري هو الذي يثير القلق.تسمع هيئة الأركان أصوات الانتقام، وترى المخالفات السلوكية، والتعامل باستهتار مع تعليمات إطلاق النار، ولا تفعل شيئاً تقريباً. وقع عليه رعب اليمين. ولم يستمع الجيش حتى للتحذيرات التي سمعت حول الظاهرة واحتمال رفع دعاوى قضائية ضد إسرائيل. واكتفى بالدعوة إلى وقف ظاهرة النهب المتنامية، وتم ذلك من ضابط التربية الرئيسي، وليس بأمر قيادي واضح. ويُعرَض أيضا النهب كإيذاء للجيش وليس كانتهاك للقاعدة الأخلاقية “لا تسرق”.
لذلك من الممكن أن الجيش الإسرائيلي يستغل غرائز الجنود وقادتهم لتأجيج الروح القتالية، لكن بعد الحرب سيتطلب الأمر جهدا كبيرا لإعادة تأهيل الجيش قبل أن تتحول أجزاء منه إلى عصابات.
________
تابعونا على:
- على موقعنا:
- توتير:
- فيس بوك:
https://www.facebook.com/kanaanonline/
- ملاحظة من “كنعان”:
“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.
ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.
- عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
- يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org
