ملاحظة: نُشرت هذه الورقة بالجزء الأول من عنوانها عام 2011 عن مركز دراسات التراث والمجتمع الفلسطيني في جمعية إنعاش الأسرة بمدينة البيرة، في كتاب بعنوان “العنف والعدوانية الصهيونية-الإسرائيلية: مظاهرها، أسبابها، جذوره”، تحرير د. شريف كناعنه.
جوهر مساهمتي أدناه هو نقد تزلُّف ونفاق أكاديميين للصهيونية. وننشره اليوم في كنعان على ضوء أمرين:
الأول: الحرب المعولمة وخاصة الصهيمريكية ضد غزة مما يتطابق مع ورقتي وموضوع الكتاب نفسه.
والثاني: بعد أن قرات مقال سلام موسى جعفر (التراكم الرأسمالي ومصادر ثراء الدولة الأمريكية!) في “كنعان”، (النشرة الإلكترونية السنة الرابعة والعشرون – العدد 6710 23 كانون الثاني (يناير) 2024)، نقلا عن “اشتباك”.
ناقش المذكور الاستيطان الأبيض الأمريكي وكون نمو أمريكا كمستوطنة رأسمالية بيضاء اساساً لأنها صادرت وطن آخرين مجاناً وابادتهم بتوحش. واستغربتُ أن هذا الكاتب وهو إما عراقي عربي أو عراقي كردي لم يذكر الكيان الصهيوني إطلاقاً رغم أن الحالتين كاستيطان أبيض طارداً ومبيداً للسكان الأصليين ومغتصباً لأرضهم هو نفسه حيث كان اغتصاب الأرض اساس النمو الهائل لأمريكا ناهيك عن عمالة واستعباد الأصلانيين واستجلاب أفارقة واستعبادهم والتي يناظرها في الكيان استغلال العمالة الفلسطينية طبقياً وقومياً في وطنها أي تشابه “المعجزتين/الجريمتين!”. ولست أدرى هل يجهل هذا الكاتب حقيقة الكيان إلى درجة أن الحالة الأمريكية لم تستدعي ذكر الكيان وخاصة على ضوء مذبحة غزة أوهي محرقة ممتدة مشتدة ضد شعبنا! أم أن الرجل ينافق الغرب كما يفعل كثير من الكتاب الذين يعيشون ويشيخون/يكهلون تحت شعور التلمذة لدى الغرب! وبعيداً عن احتمال كون جعفر عربي أو كردي…! يكون السؤال الأهم بأنه يكتب بخطاب مطلي بالماركسية، فهل هو من مدرسة الشيوعية التحريفية التي ساهمت ودعمت واعترفت بالكيان الصهيوني الأشكنازي في فلسطين وطبعاً من مدرسة الحزب الشيوعي العراقي حالياً الذي يعتبر يوم سقوط بغداد 9 نيسان 2003 “يوم النصر”، ولذا لم يعقد المقارنة قصداً في ولاء للتربية الاعترافية التي رُبِّيَ عليها!
الصهيونية: العنف الأكاديمي وتوليد النفاق “العلمي”
لعل أحد المؤشرات على تاثير وفعالية الصهيونية على الصعيد العالمي ما يتجلى في تأثيرها في النطاق الفكري والأكاديمي وخاصة في الغرب الرأسمالي بما هو مركز النظام العالمي وموئل الحداثة في هذا العصر، تأثير يأخذ شكل الضغط والإرهاب المباشر من جهة ويتوالد عنه تأثير غير مباشر أي اضطرار كتاب وأكاديميين للنفاق خوفاً على مصالحهم من جهة ثانية. هذا ناهيك عن كُتَّابٍ هم صهاينة انتماءً.
ربما يصح الحكم بأن الأكاديميين اللبراليين عامة هم مؤيدون للصهيونية بما هم المثقفون العضويون للنظام الرأسمالي مقوداً بالطبقاة/ات البرجوازية صاحبة المصلحة في التوسع الإمبريالي على صعيد عالمي وفي الوطن العربي تخصيصاً وهذا كافٍ لانتظامهم ضمن الأكاديميا المتصهينة بناء على موقع الصهيونية في النظام الرأسمالي العالمي. وبهذا فهؤلاء الأكاديميين مثابة قوة دعم بطبيعتها للصهيونية. وحين يحيدون عن هذا قليلاً يكون دافعهم الحرص على إسرائيل كي لا تقفز لما هو أطول من قامتها، أي تجاوز مصلحة هذه الدولة من المركز أو تلك.
ليس من السهولة بمكان على أكاديمي (مفكر، مثقف…الخ) في الغرب، مضاداً للصهيونية أن يحصل على/أو يبقى في موقع مرموق أكاديمياً أو سياسياً. صحيح أن الغرب هي دول مؤسسات، ولكن المؤسسات ليست مستقلة بالمطلق أو بعيدة عن تاثير اللوبي بأنواعه، ففي النهاية هناك مصالح تتقاطع وبالتالي تؤخذ بالاعتبار، بكلمة أخرى، استقلال الأكاديمي، المفكر، السياسي… نسبي ضمن ما يسمى المصلحة العامة حتى لو لم يُعلن بهذا الوضوح. وهذا ما يدفع كثيرين منهم لمحايدة الصهيونية وحتى مجانبة التعرض لقضايا تنقد الصهيونية وبالتالي تحرجهم أو تحاصرهم حتى لو كانت هذه القضايا بارزة ولو كان تجنبهم لها ملحوظاً. بل إن كثيراً من هؤلاء يمالئون الصهيونية مباشرة وحتى في أحيان لا تكون الممالأة مسألة لا مفر منها.
ليست هذه الورقة قراءة مسحية للحالات التي تُبرز قوة وسيطرة الصهيونية في الفكر والثقافة والأكاديميا، بل هي تتناول عينات تمثيلية على تأثير والتأثر بالإرهاب الصهيوني في التنمية والسياسة والفلسفة…الخ. حالات مكونة ممن تجنبوا إيراد الكيان الصهيوني الأشكنازي في دراساتهم النقدية تجاه مختلف بلدان العالم التي نقدوها، بحق بما هم راديكاليين، لكنهم تجنبوا الكيان الصهيوني بوضوح. وفئة ممن ليسوا نقديين –راديكاليين- لكنهم مالئوا الصهيونية وتجنبوا نقدها، وتغاضوا عن التطرق لمعاناة الفلسطينيين من الصهيونية رغم أن مناخ الكتابة أو الحديث يوجب ذكر الفلسطينيين اي يكون ذكر فلسطين في موضع الضرورة حتى لو بالقياس المنطقي. وحالات من الأكاديميين الذين حوصروا بسبب من نقدهم للصهيونية.
إلى جانب من مالئوا الكيان الصهيوني والصهيونية عامة، هناك من يصبُّون نقداً حاداً ضد العرب والمسلمين بما هو ذو تأثير راجع يخدم الصهيونية في التحليل الأخير. وهذا ما جعل من نقد العرب والإسلام تجارة أكاديمية وبحثية رابحة جوهرها خطاب سياسي وليس تعميق نظري، بل هو طبعة جديدة من تكرار الاستشراق ولكن هذه المرة ليس لتهيئة مناخات استعمار الشرق بل الترهيب من الشرق ك “قوة إرهاب” وهنا قدرة الفكر على المبالغة والنفاق وتصوير شرق معادٍ آخر. وهذا ما يمكن تسميته الطبعة الأخيرة للحداثة الأوروبية تجاه الشرق، الاستشراق بالتقوية.
التغاضي والنفاق في الاقتصاد السياسي
يمثِّل المفكر المعروف، في دراسة التجارة الدولية[1]، أرجيري إيمانويل نموذجاً واضحا على ممالأة الصهيونية، فهو واضع أحد الكتب (التبادل اللامتكافىء) التي تعتبر مرتكزاً في فهم التبادل اللامتكافىء على صعيد عالمي ولا سيما فيما يخص عدم توازن الأجور بين طرفي النظام العالمي (المركز والمحيط)، نظرية تثبت صحتها اليوم ربما بأكثر مما حصل إبان بلورتها.
كتب إيمانويل:
“…وفيما يخص إسرائيل، يُنسى غالباً إنه إذا كان هذا البلد يمثل رأس حربة للإمبريالية في الوضع الخاص والمحدد لسياق التناحر ما بين القوتين العظميين، فإن هذا نظرا لظروف خاصة. إن طبيعتها الحقيقية هي ان تكون كتلة صغيرة من المستوطنين “البيض” تتمدد أكثر فأكثر لاستعمار منطقة متخلفة”[2].
والسؤال هو: هل حقاً لم يدرك إيمانويل طبيعة الارتباط بين هذا الكيان والإمبريالية مما أوقعه في سقطة الاعتقاد بأن تحالف هذا الكيان مع الإمبريالية عارض ومؤقت ولا يعول عليه، وأنه تحالف طرأ في سياق التناحر بين القوتين العظميين! هذا مع العلم أن إيمانويل كان من أكثر الاقتصاديين قراءة للتبادل الاقتصادي على صعيد عالمي لا سيما علاقات السعار والأجور عالمياً، وهذا يدخل أكثر في باب الاقتصاد السياسي مما يوجب فهم علاقة مركز/محيط وعلاقة الكيان بالإمبريالية. وعليه، لم يكن إيمانويل بحاجة لينتظر تفكك الاتحاد السوفييتي ليدرك الحبل السّري الذي يربط هذا الكيان بالغرب الرأسمالي[3]؟ هذا إذا لم يتسنى له، وهو أحد مفكري مدرسة التبعية التي تقرأ العالم على اساس مركز/محيط أن يعرف بأن الاتحاد السوفييتي كان ثاني دولة تعترف بالكيان الصهيوني ناهيك عن تزويده بالمستوطنين من بلدان الكتلة الشرقية وبالأسلحة وخاصة من تشيكوسلوفاكيا السابقة.
كيف أصر إيمانويل على أن هذه المنطقة متخلفة وجاء هذا الوصف من قبله في صيغة الإدانة رغم أنه من مدرسة التبعية Dependency School التي يُفترض راديكاليتها، وبعد قرن كامل على صدور ابحاث ودراسات اقتصادية تؤكد أن هذه المنطقة وتحديداً فلسطين لم تكن متخلفة كما زعمت بلدان المركز الرأسمالي آنذاك وزعمت الصهيونية بالطبع. وفيما إذا كانت المنطقة متخلفة، فقد تتالت الأبحاث التي تثبت أن الاستعمار لم يذهب إلى تلك البلدان لينقلها إلى التقدم وهذا يفتح على نقاش مستفيض حول دور الاستعمار في “تطوير” المستعمرات!
وفيما يخص النفاق بالتغاضي يتطرق إيمانويل إلى تحليل اقتصادات المستوطنات البيضاء في كتابه “التبادل اللامتكافىء[4]“، وهي جنوب إفريقيا (ص 185 من كتابه) (في فترة حكم البيض، وردويسيا قبل تصفية النظام العنصري فيها (ص 379)، ونيوزيلندا في مقدمة الكتاب وكذلك في الصفحات 124، 266، 360، 361، 363، 365، وكندا في صفحات عديدة بما هي مستعمرة فرنسية ص 127، وأستراليا في صفحات عديدة، فإنه لم يتطرق إلى إسرائيل قط، مع أنه في ورقته المشار إليها أعلاه يذكرها كمستوطنة بيضاء ولكن دون إدانة.
اتخذ مايكل بارت براون نفس موقف التلطي الذي اتخذه إيمانويل، وذلك في كتابه ” اقتصاديات الإمبريالية[5]” فهو يتعاطى مع جنوب افريقيا ص 172 و191 كنموذج على زرع مستوطنة امبريالية بيضاء في محيط النظام العالمي لكنه يتجاهل إسرائيل تماماً.
وحتى إرنست ماندل وهو من كبار الاقتصاديين الماركسيين ومن أعمدة الأممية الرابعة والمتوفى عام 1996، لم يتعرض لإسرائيل في كتابه المدرسي “النظرية الاقتصادية الماركسية[6]“، بل لم يتعرض للدور الربوي لليهود في التاريخ، مع أن دورهم في هذا المجال بارزاً ولا يمكن لبحث علمي أن يتجاوزه. فقد لعب اليهود دورا بارزا في السمسرة والربا وتكوين رأس المال الربوي. بل إن هذا الدور هو الذي كلَّفهم ثمناً كبيراً هو نظرة الأمم الأخرى إليهم كنموذج للجشع، بل كقوة أعاقت بدورها الربوي عملية الانتقال إلى الرأسمالية ولا سيما في أوروبا الشرقية.
وحتى في حديثه عن المجتمعات الاستيطانية، فإن ماندل قد أشار إلى الفارق في الأجر بين المستوطنين والسكان الأصليين في روديسيا الشمالية وروديسيا الجنوبية وكينيا، لكنه لم يذكر إسرائيل رغم انها مثال واضح على ذلك.
يتكرر الأمر عند برنارد ماجوبان في كتابه ” الاقتصاد السياسي للعرق والطبقة في جنوب افريقيا[7]“. إن كتابه بالطبع مخصص بثقل كبير لدراسة جنوب إفريقيا، لكنه تطرق لحالات استيطان أبيض وعنصري مثل روديسيا ( في المقدمة وصفحات 213، 214، 319، 323)، وهو ما يوجب ذكر إسرائيل ولو من قبيل المقارنة! وهذا لم يحصل.
وفي السياق نفسه فإن اقتطاف التعريف التالي من الإنسيكلوبيديا يبين تأثير الصهيونية المغطى بتحريف للتاريخ وإحلال الرواية التوراتية محل التاريخية بل إدغامهما معا:
“…كحركة قومية يهودية فإن الصهيونية هي التي اضطلعت بإنشاء دولة إسرائيل العصرية كوطن قومي لليهود. ورغم انها عموما منسوبة إلى ثيودور هرتسل ومجموعات اخرى في القرن التاسع عشر، فإن الصهيونية تعود الى بدايات الدياسبورا اليهودي والسبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد وتفجعات يرميا وبسالم ال 137[8] على نفي اليهود عن صهيون (القدس)”
إن كثيراً من الصهاينة، العلماء، يرفضون التورط بهذا القدر في اختلاق امتداد للكيان الصهيوني الحالي بمد جسور تواصل ديمغرافي/سُلالي وتاريخي بين هذا الكيان وبين القبيلة العبرية قبل 3000 سنة! وهذا يضع ما ورد في الإنسيكلوبيديا في نطاق الدسّ الثقافي.
بدورها فإن لسارة روي مقاربة حذرة وخجولة حيث تقارن في كتابها “قطاع غزة: الاقتصاد السياسي لعدم التنمية[9]” بين إسرائيل وبين الاستيطان الأبيض في جنوب إفريقيا والاستيطان الفرنسي في الجزائر، فيما يخص قوانين الأراضي (ص 124) لكنها لا تتوسع بأكثر من ذلك. كيف لا وهي باحثة في مهعد الشرق الأوسط في هارفارد.! ولا شك لأنها تعرف حدود “مرونة” الصهيونية تجاه هذه المسألة ناهيك أن الكتاب مخصص لقطاع غزة، اي كجزء من فلسطين المحتلة والتي اغتصب الاحتلال 1948 ثلاثة أرباع أرضها وأكمل ذلك عام 1967.
اما تمار جوجانسكي وهي عضو في الحزب الشيوعي الإسرائيلي القائمة الشيوعية الجديدة راكح، وعضو كنيست لعدة دورات، فقد تعاطت مع فلسطين بمعزل عن سوريا الكبرى، وهي نظرة تندرج في (ولو بحسن نية) النظرية والسياسة الإمبريالية والصهيونية في اجتزاء فلسطين وبالتالي ابتلاعها. ان مدخل غوجانسكي هو مدخل “ماركسية” تنطلق من اتفاق سايكس-بيكو. ومن جهة ثانية انطلقت غوجانسكي من منطلق مركزاني غربي يبذل جهدا ضافيا لإثبات انعدام الديالكتيك في نمط الانتاج الآسيوي[10] هذا من جهة ومن جهة ثانية فهي إذ تتبنى هذا الفهم إنما تنطلق من نموذج افتراضي من لدن ماركس أكثر مما هو نموذج جرى تطبيقه في حقبة تاريخية ما. لقد أسمت غوجانسكي هذا النمط ب التقليدي، وزعمت انه كان سائداً في فلسطين قبيل الانتداب البريطاني، وهذا الزعم إنما يتقاطع مع نظريتي “الاستعمار الجيد” بمعنى أن الاستعمار يجلب التطور للمجتمعات الماقبل رأسمالية، ومع النظرية “المزاعم” الصهيونية التي هيأت للعالم أن فلسطين كانت منطقة خالية إلا من بعض البدو. وهاتان النظريتان تم دحضهما بالدراسات الحديثة عن تلك الفترة ولا سيما دراسة ألكسندر شولش[11].
إن نتيجة هذا الحكم القاطع الذي أصدرته غوجانسكي هي تبرير الغزو الصهيوني لفلسطين مما يجعل موقفها من اسرائيل مجرد اعتراض على النظام الرأسمالي فيها وليس على البنية الاستيطانية الاقتلاعية، وهو أمر طبيعي لعضوة كنيست. هل هذا الموقف حذر وبالتالي ممالىء، أم بقناعة بالكيان وبالصهيونية[12]؟
حين يُنافق…الفلاسفة!
وقد يكون مفيداً إيراد موقف الفيلسوف الفرنسي المعروف جان بول سارتر، وهو “المتنقل/المتجول” انتقائيا بين الماركسية والوجودية، في كتابه “تأملات في المسألة اليهودية”، الذي كتبه إثر المجازر في الحرب العالمية الثانية ضد اليهود:
“… إنه لن يكون هناك فرنسي يعيش في أمان طالما كان هناك يهودي يعيش في إسرائيل أو في اي مكان في العالم لا يشعر بالأمان”.
إذا كان هذا القلق الإنساني وارداً وطبيعيا، حتى من غير الأوروبي الأبيض حيث منبت النازية، فإن الفيلسوف الفرنسي لم يقرأ مأساة الفلسطينيين لاحقاً، ليقدم تعديلاً على الأقل ينصف الفلسطينيين بما هم ضحايا الضحايا وهذا أخطر سلوك إنساني أن تتحول الضحية إلى مقلِّد للقاتل وكأنه كان في دورة تدريبية! ولا شك أن سارتر كان على إطِّلاع بأن نظام بلاده قد أعطى هذا الكيان أول مفاعل نووي ليصبح الكيان دولة نووية متقدمة ورافضة لمجرد بحث أمر سلاحها النووي من قبل الأمم المتحدة.
وسارتر نفسه قد كتب بالمقابل فيما يخص الاستعمار في إفريقيا:
” ليس الاستعمار مجرد مسألة قهر، إنه بطبيعته مسألة إبادة ثقافية. فلا يمكن للاستعمار ان يأخذ مجراه بدون تصفية سمات المجتمع الأصلاني”. والسؤال هو: اليس هذا ما قامت وتقوم به إسرائيل [13].
كتب جاك ديريدا: “
…وفيما يخص الإحالة اليهودية التي تشير إلى انتمائي، إذا جاز هذا التعبير إلى اليهودية، فقد كتب عنها الكثير منذ سنوات…مما يجعلني دائما في حيرة من أمري. أولا، لأني أعتقد ان القراءة الصبورة، اليقظة، الفاحصة، اللامتناهية ليست حكرا على التراث اليهودي. ثم اني ملتزم بالاعتراف بأن استئناسي، الذي تحدثتم عنه، بالثقافة اليهودية هو، للأسف الشديد ضعيف، وأنا نادم على ذلك بكل تأكيد، لكن فات الأوان. أما إذا كانت اعمالي تذكِّر بالحواشي اليهودية فإن هذا غير خاضع لاختيار ولا لرغبة ولا حتى لذاكرة أو ثقافة ما” ص 69.
يشي هذا القول بدرجة عالية من التلطي والنفاق. ورغم إبداء الأسف على استئناسه بالثقافة اليهودية، إلا أنه تهرَّب من تقديم تفسير لذلك وترك النهاية مفتوحة!
يرى ديريدا ان كل حدث قابل للصفح،”… إذ يؤيد الصفح فيما يخص المحرقة، وينتقد جانكليفتش الذي يرى أن هناك أموراً لا يمكن الصفح فيها كالجرائم التي ارتكبت ضد انسانية الإنسان… ومنها المحرقة وخاصة إذا لم يتقدم مرتكبوها بطلب الصفح”. ديريدا “…يرفض المنطق الإشراطي للتبادل، ولا يقبل استشهاد جانكليفتش بقول شيراك عما حصل لليهود تحت حكم فيشي: ” لقد اقترفت فرنسا ذلك اليوم ما لا يُغتفر” (ص ص 14،15، 16)
المفارقة العجيبة، أن شيراك لم يرَ أن فرنسا اقترفت ما هو أفظع حيث أعطت الكيان الصهيوني الإشكنازي مفاعلا نووياً، أما ديريدا فلم يرَ المحرقة المتواصلة ضد الفلسطينيين، ولا نقول لماذا لم ينقدها، بل لماذا لم يُطالب على الأقل بوقفها. (ص ص 13،14،15،16). وحتى حين يتطرق ديريدا لأحداث معاصرة للمذبحة ضد الفلسطينيين مثل كوسوفو والمذابح في إفريقيا، فإنه يتجاهل فلسطين. (ص 28). أما الأمر المعيب، فإن من أجرى المقابلة كعربي، ودار النشر كعربية ايضاً لم يحاول/لا التوجه إليه بالسؤال عن فلسطين! لا شك أن ديريدا لا يعاني فقراً معلوماتياً؟ وهكذا، رغم لغة التفكيك الضخمة التي امتطاها ديريدا، وتحاشى تماماً إدخالها في الفعل الصراعي الطبقي ضد راس المال والسوق، فقد انتهى ضمن فلاسفة الصفح السياسي الذين لا يُطالبوا المستعمِر حتى بالاعتذار (ربما لسبب عنصري أو سبب سوقي الخوف من الاضطرار لدفع التعويض بالمعنى التنموي ترفض الرأسمالية في المركز الاعتذار وتكشر عن انيابها كلما طُرح المر كما كان في مؤتمر ديربن في جنوب إفريقيا 2001). وتساوقاً مع السوق مال فلاسفة مثل ديريدا بثقلهم للضغط على الضحايا للتسامح. وبهذا بقوا ضمن المركزانية الأوروبية حتى بإهابها العنصري. وفي السياق نفسه ترفض فرنسا الاعتذار للشعب الجزائري!
يقول إدجار موران: ” بعد هذا الذي قيل أصل إلى الصفح السياسي، وهنا لا بد من التمييز بين طلب الصفح من جهة ومنح الصفح من جهة ثانية. لقد طلب شيراك الصفح من اليهود، وكررت الكنيسة الطلب ذاته وقدمت الحكومة اليابانية اعتذاراتها للكوريين. بيد أن طلب الصفح الذي أقدم عليه كل من شيراك والكنيسة، إنما جاء نتيجة الضغوط القوية للمنظمات اليهودية” ص 46
وحين يُقارب موران المشكلة الفلسطينية يقول:
“… وبين اسرائيل وفلسطين، يُعد الصفح المتبادل عن الجرائم المروعة التي ارتكبها هذا الطرف او ذاك شرطا ضروريا لتحقيق السلام، لكن كان علينا انتظار رابين وعرفات في مرحلة من مراحل تاريخهما لإنجاز وصل اخلاقي يدمج ويتجاوز الحساب السياسي” ص 47.
وهكذا لا يخرج الأبيض من جلده قط وهنا تنحط الفلسفة إلى رُقىً وتمائم! فرغم أن المأساة الفلسطينية معلقة على مقصلة الفضائيات لم تترجَّل بعد، إلا أن موران يساوي بين الاغتصاب الاستيطاني المسلح بالسلاح النووي وبين المقاومة الفلسطينية! يجعل من المقاومة الفلسطينية جرائم كجرائم الصهيونية. (حول الجرائم انظر تشومسكي لاحقا).
وموران من المفكرين الذين يتسابق عرب كثيرون على التقاط ما يكتب ويروجونه دون تملّي، وبدون اية جرأة على قراءة متفحصة. ففي مراجعة ( الأحد 25 أبريل 2010 ) منتصر حمادة لكتاب موران، “ثقافة أوروبا وبربريتها” (صدر الكتاب عن دار توبقال المغربية، وترجمه الباحث المغربي محمد الهلالي) نقتطف ما يلي:
” يقف التركيز المفرط لبعض الأقلام على الحالة النازية، مقارنة مع الحالة الستالينية، وراء تحذير موران من الانغلاق داخل فكر ثنائي، أو أي فكر ملبد بقطب اهتمام واحد على حساب الأقطاب الأخرى، فإذا ركزنا كثيرا على أوشفيتز فقط، يضيف موران، فإننا نخاطر بالتقليل من أهمية مخيمات الاعتقال والإبادة السوفييتية، (“الغولاغ”) ونغض الطرف عن بربريات أخرى، وحتى وإن حصرنا اهتمامنا في الجانب الكمي، فإن عدد الموتى الذين تسبب النظام الاعتقالي السوفييتي كان هو الأكثر أهمية. فالغولاغ استمر مدة أطول من مدة التصفية النازية”.
“وفي الأخير، فإن ما يجب أن تؤدي إليه التجارب المأساوية للقرن العشرين هو المطالبة بإنسية جديدة تتمثل في التعرف على البربرية كما هي، بدون تبسيط أو تشويه من أي نوع. وليس المهم هو الندم وإنما الاعتراف. كما يجب أن تتوسط هذا الاعتراف المعرفة والوعي، لأنه من اللازم أن نعرف ما حدث بالفعل، وأن نتملك الوعي بتعقيد هذه المأساة الضخمة. وأن يشمل ويهم هذا الاعتراف جميع الضحايا: اليهود، السود، الغجر، الشواذ الجنسيون، الأرمن، مستعمرو الجزائر أو مدغشقر، وهو أمر ضروري إذا أردنا تجاوز البربرية الأوروبية”.
لا نود تكرار التذكير بأن موران يرى المحرقة، وبساوي بينها وبين الستالينية مع أن لهذا علاقة بموتورية ما بعد الحداثيين تجاه المرويات الكبرى وخاصة الإشتراكية، ولا يرى المحرقة ضد الشعب الفلسطيني. والمهم أن الكاتب العربي منتصر حمادة لا يتنبه إلى هذا النفاق قط! ولا تتوفر لدينا طبعة توبقال لنعرف إن كان الناشر قد تنبه لهذا الأمر أم لا؟
في اعتراض ليفي شتراوس على الحداثة لم يعترض على راس المال بل على صبره على النازية والشيوعية. هذا ناهيك عن تفجعات مريدي ما بعد الحداثة (هوركهايمر) على المحرقة الصهيونية[14]، والتغافل الخبيث عن رؤية المحرقة ضد الفلسطينيين بالعين المجردة يومياً، وأنتهاء شيخي التفكيكية والسيطرة والقوة إلى التسامح وموت السياسة، اي انتهائهما إلى التطابق مع مقتضيات حلول راس المال لجرائمه، تُرى، هل لهذا لم تعتذر فرنسا عن سفك دم الجزائريين العرب؟ وينطبق هذا على الحداثيين والمابعديين.
هوركهايمر، أحد مؤسسي هذه المدرسة بالذات. بعد ان جرَّب هذا الاخير كل الاتجاهات العقائدية والماركسية والنقدية راح يدعو للعودة إلى الايمان باللّه. وهكذا بدأ نقدياً حاداً ليعود مستريحاً في رحاب الإيمان. هنا يتقاطع أقصى اليسار مع أقصى اليمين، فقد انتهى المحافظون الجدد إلى الإيمان بالله وحتى التحضير لمذبحة مجدو “ارماجدون”. أما الوجه الاقتصادي لهذا فهو ملتون فريدمان، والوجه السياسي جورج دبليو بوش في الحرب على الإرهاب وحرب الفرنجة الحالية!
علماء السياسة: نفاق أم عنصرية؟
على ان المثال الواضح على التزلف الغربي لإسرائيل ما حصل في المؤتمر الذي عقد في أوتاوا –كندا، 7-10 ديسمبر 1997، وفيه عرضت مواقف العديد من الأكاديمين الغربيين الذين يرفضون حق العودة للشعب الفلسطيني جملة وتفصيلاً مثل ليونارد هاوسمان ودون بيرتس وهما من عهد السياسات الاجتماعية الاقتصادية في الشرق الأوسط بجامعة هارفارد[15].
أما ديفيد ماكديل فهو مبرر خجول للصهيونية:” ان المفارقة الأعظم هي ان الحركة الصهيونية التي فهمت على انها حل لمشاكل أكثر الأقليات اضطهادا في العالم بوضعها حدا لتشرد اليهود وعدم وجود وطن لهم، أدت إلى إيجاد أقلية اخرى مشردة وبلا وطن – الشعب العربي الفلسطيني، هذا لم يكن هدف الحركة الصهيونية بل مصلحتها المتزايدة بشكل واضح[16]“.
ربما يفتح هذا التبرير على درس مستفاد من جانب العرب وبالطبع الفلسطينيين، وهو وجوب العمل الفكري المضاد والتوضيحي للعالم بأن هذا النفاق هائل بمعنى أن يقود تفهُّم وضع اليهود الناتج عن المحرقة النازية المشتدَّة والمكثَّفة إلى عدم إدانتهم بممارسة الصهيونية المذبحة /المحرقة الممتدة ضد الشعب الفلسطيني. وهذا يتطلب إضافة إلى توفير المعلومة والبحث إقامة علاقات قوية ومتطورة مع التحرك الشعبي العالمي الذي بدأ ضد الحرب والعولمة منذ قرابة عقدين، وهوتحرك في حال تجذيره وقرائته جيداً هو ضد الصهيونية بما هي جزء من آلة الحرب الراسمالية وجزء كذلك من العولمة.
في قراءة لأعمال الكاتب الإيرلندي الراحل حديثا فريد هالداي يلتقط الكاتب صبحي حديدي بعين ثاقبة تقلبات الرجل، والتي برأينا أكثر من ذلك، هي عودة الرجل إلى اصله الثقافي بما يؤكد ان يساريته هي مركزانية أووبية. ورغم أن هاليداي كان يطرح نفسه كما لو كان المتخصص الأول والوحيد في الشؤون العربية، ويجيز لنفسه التأستذ علينا[17]، إلا أن هاليداي تجنب التعرض للصهيونية التي بدأت قبل ظهوره ولا تزال تحاول إعادة الوطن العربي إلى العصر الحجري.
يقول حديدي: “ولكنه، في الآن ذاته، اختزل التوتّر (أيّاً كانت درجة شدّته) بين الغرب والعالم الإسلامي، الرغبة البريئة التالية: ‘إنّ ما يريده الغرب، بصورته المتمثلة في الديمقراطيات الصناعية، هو ببساطة عالم يكون شبيهاً بالغرب أمكن، يتاجر معه، وفق علاقات سلمية، ونحو ذلك’… ليس أكثر من ذلك!.
هل حقاً لم يبصر الكاتب اليساري البعد الاستعماري الراسمالي الذي دأبه وهدفه النهائي هو التراكم، بمعزل عن الآلية (أي النهب، التبادل اللامتكافىء). ولم يدرك أن دافعاً اساسياً من وراء تدمير العراق هو خدمة الكيان الصهيوني!
لذا يقول ‘الأمر ببساطة هو التالي: إذا قُدّر لي أن اختار بين الإمبريالية والفاشية، فسأختار الإمبريالية’؛ فأي خيار!
في كتابهما “الإمبراطورية” كتب هاردت ونيجري:
“… انظروا إلى أكثر النضالات قوة وجذرية في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، إلى أحداث ساحة تيننمن في 1989، إلى الانتفاضة ضد سلطة الدولة الإسرائيلية سنة 1987، إلى عصيان ايار 1992 في لوس أنجلوس…كل من هذه النضالات كان محددا وخاصا، قائما على هموم إقليمية مباشرة بما لا يتيح فرصة الارتباط مع غيره وصولا إلى تشكيل سلسلة متصلة عالميا من حركات التمرد” (ص 98).
هل يُعقل أن الكاتبين اللذين يخططان لإمبراطورية عالمية لا يعرفان عن المستوطنة الصهيونية البيضاء في فلسطين ودورها ووظيفتها[18] في الامبراطورية البريطانية السابقة والأميركية الحالية؟ وطالما يقدمان الانتفاضة كحدث ثوري، لماذا يصوغان النص وكأن سلطة الاحتلال هي دولة الشعب المنتفِضْ؟ فهما في أفضل حالاتهما إما ينافقان الاحتلال كي لا يقعا تحت طائلة سياطه أو لا يعتبران العرب أمة تستحق الدقة العلمية والثورية بالطبع.
بين الفلسفة وكتابة السياسة
يعتبر نوعام تشومسكي من أكثر المفكرين المعاصرين حظوة على الصعيدين الشعبي والرسمي العالميين على حد سواء. ففي الوقت الذي يُشار إليه بالبنان، وخاصة من العرب (لبراليين ويساريين) على انه مفكر يساري، بل يراه البعض اشتراكياً [19] تنظر إليه المؤسسات الحاكمة على انه نقدي لبرالي وحسب، لذا لم تتعرض له المؤسسة الحاكمة كما هو حال نورمان فنكلشتاين، ولا الأكاديميا كما هو حال جوزيف مسعد.
على أن ما يحدد فكر الرجل يجب أن تكون أطروحاته الفكرية وليس فقط مساوماته أو تصالحاته السياسية. فتشومسكي أحد أعلام الثقافوية واللغويات وتنظيراته في هذا النطاق هي التي تشكل دوره ووزنه، وليست مواقفه السياسية تجاه النظام الأميركي، الذي لا يحتاج المرء ليكون شيوعياً كي ينقده، فأي إنسان حقيقي هو نقيض وضحية محتملة للنظام الأميركي.
تشومسكي لغوي، ومن رواد الألسنية الحديثة، وتنطلق دراسته ل اللغة من اعتماد “مجموعة من المبادئ الفطرية التي يشترك فيها البشر كلهم،” تعرف بالنحو العالمي، وعلى “الحالة البدئية لمتعلم اللغة. وهو منتم إلى البنيوية الانثروبولوجية التي تعامل الظواهر الثقافية كما لو كانت لغة ومن ثم تحاول ان تكتشف القواعد، او ما سماه تشومسكي البنية “العميقة”. لعل اسهام تشومسكي هو في البنيوية الألسنية او ما يعرف بالبراعة اللغوية. والبراعة اللغوية عنده هي واقعة لا تقبل التفسير العلمي او التعليل السببي اوما شابه ذلك لأنها من خصائص الروح الإنساني الغامض والخلاق. وبالتالي فهو يفصل بين المادة والروح. ويرفض تفسير البراعة اللغوية لدى الطفل الصغير علميا او استنادا الى أشياء مثل البيولوجيا التطورية…(العظم ص 492) لا يبتعد هذا التفسير عن الاية الكريمة: “يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي”. وهكذا، فإن تشومسكي ينتهي مثالياً، خالصاً.
لكن ما يهمنا في هذا البحث هو تشومسكي اليساري أو “الاشتراكي” كما يرى البعض وخاصة من حيث موقفه من الكيان الصهيوني. ففي الوقت الذي يُعتبر تشومسكي ناقدا حادا للسياسة الأميركية وحتى لسياسة الكيان الصهيوني، لا يستطيع إخفاء تناغمه مع الصهيونية وحتى اليهودية وهذا تناقض لا يمكن المرور عليه مرور الكرام ولا يمكن تغطيته بالتطرفات السياسية العالية لدى الرجل. هذا ما لم يجرؤ كثير من المثقفين العرب على التعرض له، وعليه، فإنه بمقدار مباعدته ما بينه وبين السياسة الأميركية، لم يباعد ما بينه وبين الصهيونية.
وأبعد من هذا، فإن تشومسكي النقدي جداً للسياسة الدولية التي تقودها بالطبع الولايات المتحدة الأميركية، يستند كما سنرى أدناه إلى نفس هذه السياسة (الأسرة/المجتمع الدولي) ليبرر دفاعه عن الكيان الصهيوني الأشكنازي كي يبقى مغتصباً لفلسطين!
حين سُئل تشومسكي من قبل مقابليه ستيفن س شالوم و جستين بدور[20]، كيف يرى امكانية حل دولة واحدة في صيغة دولة ديمقراطية علمانية اجاب كما يلي:
“… لم تتبن اية مجموعة فلسطينية (ولا بالطبع إسرائيلية) ذات وزن مقترحاً ينادي بدولة ديمقراطية علمانية ذات أهمية. بوسع المرء ان يدير حوارا مجردا، فيما إذا كانت الفكرة “محببة”. ولكنها غير واقعية بالكامل. لا يوجد دعم دولي ذي معنى لها. ولا داخل إسرائيل. والمعارضة لها تكاد تكون عالمية. إنها تُفهم على انها ستكون دولة فلسطينية بأقلية يهودية، ولا توفر ضماناً لا للديمقراطية ولا للعلمانية (حتى لو تم قبول وضعية او حالة الأقلية، وهذا ليس الحال). وبرأيي، فإن أولئك الذين ينادون بدولة ديمقراطية علمانية يوفرون سلاحا لأكثر العناصر تطرفا في اسرائيل الولايات المتحدة[21]“.
ولكن، هل تقاس حقوق الشعوب بالدعم الدولي والأسرة السياسية الدولية خاضعة ومتذيلة للمركز الرأسمالي العالمي؟ ألم يكن التصويت على تقسيم فلسطين مؤامرة ورشى وتهديدات للعديد من الدول التي صوتت لصالح التقسيم؟ هل يُعقل أن تشومسكي لا يعرف هذا؟ كيف سيكون شعور تشومسكي لو قيل له، أن هناك من يطالبون ب:
- وجوب إلحاق الهزيمة بالكيان
- عودة فلسطين كجزء من الوطن العربي الاشتراكي[22].
ويضيف تشومسكي:
“…إن الدعوة لدولة ديمقراطية علمانية لم يتم أخذه بشكل جدي من قبل الرأي العام الإسرائيلي أو العالمي، هو مطلب واضح بتدمير إسرائيل ولا يعد الإسرائيليين بأي شيء ابعد من الأمل في درجة من الحرية عندما تنتهي الأمور إلى دولة فلسطينية”…” إن الدعوة إلى دولة ديمقراطية علمانية الأمر الذي لم يؤخذ على محمل الجد من قبل الجمهور الإسرائيلي”.
وبشأن حق العودة يقول تشومسكي:
“… ليس هناك تأييد دولي لحق العودة يمكن تلمسه، وفي ظل ظروف (فعلية وغير متخيلة) فإن دعماً من هذا القبيل إذا ما تطور، فإن إسرائيل سوف تلجأ إلى سلاحها الأخير والنهائي وهو معاندة الرجل الكبير لمنع حصول هذا الأمر. وبرأيي، فإنه من غير المناسب تعليق آمال لا يمكن أن تتحقق أمام أنظار شعب يعاني من البؤس والقمع، والحري أن يُعمل على بذل جهود بنائية لتخفيف معاناتهم والتعاطي مع مشاكلهم ضمن الالم الواقعي”
هنا تتضح المركزانية الأوروبية في الرجل تماماً، بل ويلتقي مع ما قاله جورج شولتس وزير الخارجية الأميركي 1982: “تحسين شروط المعيشة للفلسطينيين”.
لقد كرر تشومسكي مواقفه هذه يوم 14 كانون ثانٍ 2010، فقد رفض أي حديث في القضية الفلسطينية “…إذا ما بدأ منذ عام 1948، وحصر الصراع على ما أُحتل عام 1967، وقال إن جرائم إسرائيل لا يمكن مقارنتها بجرائم أميركا” وكأن المسألة ليست في الجريمة بل فقط في حجمها، هذا إذا كانت جرائم أميركا أكبر حقيقة! وأكد على أن دولة واحدة امراً غير عملي وأن دولة واحدة اشتراكية غير مفيدة، كما رفض مقاطعة فرقة رقص إسرائيلي (كمثال على ما يجب أن يقاطع)
بعد أن منعه الاحتلال من دخول الضفة الغربية، لنلاحظ أنه لم يحاول الذهاب إلى غزة؟ أليس لهذا معنىً؟، غادر إلى بيروت، وهناك أكد على رفضه للدولة الواحدة! وبغض النظر عن أي دولة واحدة يتحدث هذا أو ذاك، وهي برأينا مجرد رؤية للمستقبل، فإن تشومسكي بهذا الموقف الحدِّي للفصل بيننا وبين الغُزاة، إنما ينتهي إلى “دولة يهودية نقية” فهل ما زلنا نحتفي به؟
نقد يمشي على نصل السكين
يلتقي جون ميرشايمر[23] مع تشومسكي في حل الدولتين كحل للصراع العربي الصهيوني كما كتب في شيكاغو تربيون (9 أيار ر 2010)، ولكن دون نفاق ودون نقد المجموعة الدولية في مستوى والاستناد إليها في مستوى آخر! كان ميرشايمر من الجرأة بمكان بحيث اعتبر ان مصير إسرائيل سيكون الأبرثايد.
“…لن تكون هناك دولة ديمقراطية ثنائية القومية لأن معظم اليهود يرفضون العيش مع العرب. صحيح ان التطهير العرقي سيحقق دولة يهودية نقية لكن لهذا ثمن كبير لن يقبله اي مؤيد لها…قد تسير اسرائيل باتجاه دولة نقية وتضع الفلسطينيين في منعزلات…. كثير من الإسرائيليين لا يريدون دولة فلسطينية قابلة للحياة”
لذا يستغرب لماذا لا تستعجل اسرائيل واميركا في إقامة دولة فلسطينية.
استهداف من لا ينافق
أما من أخذته الجرأة لقول الحقيقة، فتعاقبه الصهيونية معاقبة من أخذته العزَّة بالإثم.
كتب عامل المناجم السابق والكاتب التلفزيوني المسرحي جيم آلن، مسرحية تكشف أسرار تعاون قيادة الصهيونية وأغنياء اليهود مع النازية وهي معلومات تحاول قيادة الصهيونية منذ عام 1944 إخفائها. وقد تمكنت المنظمات الصهيونية والشخصيات اليهودية الكبيرة في بريطانيا من إرغام مسرح الرويال كورت على منع عرض المسرحية. وقد رحبت بذلك كافة الصحف البريطانية بمنع المسرحية التي تحمل اسم الهلاك The Perdition وكانت صحيفة الديلي تلغراف اليمينية المحافظة الأكثر بهجة وسعادة بالإلغاء[24]. على أن أوساط المسرح البريطاني قد سرَّبت إلى النطاق الثقافي في لندن آنذاك، بأن الضغط الحقيقي جاء من زعامة المسرح الأميركي الذي هدد المسرح البريطاني بعدم مواصلة دعمه مالياً، ليتكشف الأمر عن تبعية المسرح البريطاني للأميركي.
تعرض جوزيف مسعد بروفيسور مساعد في تاريخ الدراسات الثقافية المعاصرة في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة لهجمة مفتوحة من قبل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة بهدف عزله من عمله[25]. وشارك في الحملة بعض أعضاء إدارة الجامعة والطلبة اليهود وصحف التابلويد يمينة الاتجاه، والصحافة الإسرائيلية كذلك. ومع أنه حاز على شهادات تقدير لمحاضراته من طلبة الجامعة، إلا أن هذا أغاظ منظمة الطلبة اليهود في أميركا “هيليل”. فبدأت توجه طلبة يهوداً ومنهم من كان جنديا في جيش الاحتلال ليسألوه اسئلة عديدة ترغمه على تحديد موقف سياسي. ثم قام هؤلاء الطلبة بتوزيع عريضة للتوقيع عليها من الطلبة عامة للمطابة بفصله من عمله. كما اعلمته إحدى الطالبات أنها دُفعت لذلك من أطراف خارج الجامعة.
كما هدده طلبة بالقتل وقام بعض اللوبي بنشر داية بأن محاضرات تشبه في مضمونها الصليب المعكوف.
ممن تدخلوا ضده كان الصهيوني المعروف دانييل بايبس الذي كتب في نيويورك بوست 25 حزيران 2002 بأن مسعد متطرف ومعادي لإسرائيل. كما نشرت وول ستريت جيرنال في 18 ايلول 2002 مقالة ل بايبس لموقع إلكتروني موالٍ لإسرائيل اسمه CampusWatch حيث ذكر ثانية بروفيسورات ومسعد منهم محتواها أنهم معاوين لإسرائيل وأميركا وطلب من الطلبة مراقبتنا. كما قام الحاخام شيير باتهامي بأنني قلت إن الصهيونية نازية جديدة. ولم يكن أمامي سوى أن أحافظ على هدوئي[26].
ولا تختلف حالة بروفيسور نورمان فنكلشتين عن حالة مسعد سوى في نجاح اللوبي الصهيوني في تجريده من مقعده الجامعي. وفي حين كان مسعد متمسكاً بدوره كمحاضر جامعي دون تدخل عالٍ في السياسة، فإن فنكلشتين واجه ماكينة الإعلام الصهيوني التي دأبت على ابتزاز ألمانيا بسبب المحرقة، وحتى دول أخرى بتهمة التواطؤ بدرجة أو أخرى.
كان كتاب فنكلشتين “صناعة الهلوكوست” مثابة صدو للصهيونية وثقلها في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي أدى إلى فصل فنكلشتين من عمله.

________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
[1] كانت مدرسة إكلا ECLA وهي اللجنة الاقتصادية لأميركا الجنوبية في الأمم المتحدة الأولى منذ أربعينات القرن العشرين التي بحثت عدم التكافؤ في التجارة الدولية وتضاؤل حصة الجنوب في تلك التجارة وخاصة الاقتصادي الأرجنتيني راؤول بريبتش.
[2] Arghiri Emmanuel, White Settler Colonialism and the Myth of Investment Imperialism, in New Left Review, no 73, 1972.
[3] موقف كاوتسكي من علاقة الكيان بالاستعمار؟ وهو مبكر
[4] Arghiri Emmanuel. Unequal Exchange: A Study of the Imperialism of Trade. NLP Publications, 1972.
[5] Michael Barrat Brown, Economics of Imperialism, Penguin, 1974
[6] ارنست ماندل، النظرية الاقتصادية الماركسية. دار الحقيقة، بيروت 1972، الكتاب في مجلدين.
[7] Bernard Makhosezwe Magubane, The Political Economy of Race and Class in South Africa, Monthly Review, 1979
[8] Grolier Multimedia Encyclopedia, 1996, Saul S. Friedman. Opcit
[9] Sara Roy. Gaza Strip: The Political Economy of De-Delevopment. Institute of Palestine Studies, Washington D.C. 1975.
[10] فيما يخص نمط الإنتاج الآسيوي، أنظر عادل سمارة: الاقتصاد السياسي والطبقة منشورات المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية –رام الله و دار فضاءات/عمان 2017ص ص 53-58، وفيما يخص ماركس والاستعمار، انظر عادل سمارة التطبيع يسري في دمك منشورات مركز المشرق للدراسات الثقافية والتنموية-رام الله ودار أبعاد-بيروت 2010 ص ص 88-92 وكذلك Adel Samara, Arab’s Regime Arab’s Enemy , 2023. P.p 105-148 منشورات مركز المشرق للدراسات الثقافية والتنموية.
[11] Schloch Alexander, The Economic Development in Palestine, in Journal of Palestine Studies 10 (3): 1982, 25-58, pp. And, Schloch Alexander, Studies in the Economic and Social History of Palestine: the Ninteenth and Twentieth Centries, London, MacMillan Press ltd.
[12] عادل سمارة، 1991 ص ص 84، 90.
[13] Quoted in Bernard Makhosezwe Magubane, The Political Economy of Race and Class in South Africa, Monthly Review, 1979:66.
[14] انظر
Max Horkheimer and Theodor W. Adorno, Dialictic of Enlightment (New York, 1973), 3. Quoted in After Marxism by Ronald Aronson, Guilford1995
[15] أنظر عادل سمارةن اللاجئون الفلسطينيون بين حق العودة واستدخال الهزيمة منشورات بيروت….
[16] David McDowell, The Palestinians : Minority Rights Group. London, n.p.
مقتطف في عادل سمارة اللاجئون… ص 77.
[17] لمعرفتي الشخصية به وخاصة في حرب الخليج 1991 كان بيننا نقاشاً ونفوراً واضحين.
[18] أنظر حول دور إسرائيل كتاب عادل سمارة: الاقتصاد السياسي للصهيونية: المعجزة والوظيفية، منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية، رام الله 2008.
[19] تشــومســكي في فلســطين، ضمن سلسلة محاضرات “تشومسكي في فلسطين” تتشرف دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية وبرنامج الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة في جامعة بيرزيت بدعوتكم إلى محاضرة الفيلسوف العالمي نوعام تشومسكي، بعنوان: أمريكا في العالم
وذلك يوم الإثنين الموافق 17 أيار 2010، الساعة 12:00 ظهراً، في قاعة الشهيد كمال ناصر-جامعة بيرزيت
[20] مترجمة في مجلة كنعان، العدد 119، تشرين أول 2004 ص ص 43-52، مترجم المجلة ثابت عكاوي
[21] Noam Chomsky interviewed by Justin Bodur and Stephen Shalom. March 30, 2004. http://www.zmag.org/content/showarticle.cfm?ItemID=5240.
وقد رد على تشومسكي نقدياُ نواح كوهين، في موقع مجلة Axis of Logic بعنوان
Noam Chomsky. “Noam Chomky and “Left Apologetics for Husticein Palestine”, 3 August , http;//www.axisoflogic.com/artman/publish/article_11169.shtml2004.
[22] أنظر مقالة مسعد عربيد وعادل سمارة، دولة اشتراكية في الوطن العربي وفلسطينن في مجلة كنعان، العددين 141 ربيع 2010 وو 142 صيف 2010.
[23] استاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو
[24] جريدة العرب اليومية، لندن، 23-1-1987.
[25] For further background on the witchhunt against Middle East studies, see Joseph Massad, “Policing the Academy,” published in Al-Ahram Weekly, No. 633, 10-16 April 2003 (http://weekly.ahram.org.eg/2003/633/op2.htm) and Joel Beinin, “The new American McCarthyism: policing thought about the Middle East,” Race and Class, v. 46 no. 1, July-September 2004.
[26] ATC 116, May-June 2005

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.