يكاد تركيز الإعلام على دور العراق تجاه حرب الإبادة على غزة يفوق تركيزه على النضال الجسور والإبادة بحقد في غزة نفسها. وهذا الأمر مدعاة تفكير وتساؤل:
هل العراق حقا من المحور؟
وهل من يُقاوم من العراقيين هو على وعي بطبيعة نظام بلاده/حكام بلاده وقادة فصيله؟
وهل المشاركة الشكلية مع غزة هي المطلوبة؟
وإذا كانت هناك مشاركة حقة من العراق فهل تتوقف بعد غزة ولماذا؟ وهل هناك من يتاجر بدور مقاومين عراقيين؟
هذه بعض الأسئلة التي يثيرها الدور العراقي تجاه غزة.
ربما يساعدنا على الإجابة تذكُر شعار الحركة التحررية العربية منذ عام 1948 أي بعد اغتصاب فلسطين حيث كان الشعار: “تحرير فلسطين يبدأ من تحرير العواصم العربية”
لقد أفادت المذبحة ضد قطاع غزة وحتى الضفة الغربية بأن هذا الشعار يعود ويفرض نفسه بقوة الواقع أكثر ما هو بقوة الخطاب. فقد وقفت جميع العواصم العربية بين مرتعدة ومتآمرة ومشاركة في المذبحة وتمكنت من لجم الشارع العربي بحيث كان موقفه مخجلا وخجولا مقارنة بالشارع في عديد الدول الغربية حتى لو كان من يخرجون في تلك الشوارع معظمهم من الفلسطينيين والعرب ومن جماهير شعبية هناك. ولم تقف اية عاصمة عربية ولا شارع كما وقفت اليمن التي دخلت الحرب بوضوح وقوة وصبر وعلانية. بل إن تضخيم دور العراق وبهذه الصيغة العامة والمهلهلة ،شاء أم أبى، يحاول تبهيت بطولات كل اليمن. بل الغريب أن هناك حديثا عن “العراق ككل” دون ذكر عروبته، مقابل الحديث عن جزء من اليمن بقصد التشويه مع ان كل اليمن يقاتل، مهما كانت بعض الاستثناءات. كل هذه تلاعبات بالوعي وهي الأخطر.
لكن المبالغة في مديح العراق ، بمجموعه، أمر يدعو للنقاش. فالمقاتل أو الشهيد من العراقيين هو ممثل للقاعدة الشعبية في العراق والتي منطلقها وطني عروبي وأزيدي …الخ وإسلامي ومسيحي..
ولكن: من الذي يقف وراء هذا المقاتل! من الذي يقوده.وأين ينتهي في آخر النهار؟
فالكثير من قادة الحشد الشعبي والنجباء وحزب الله العراق…الخ هم من العراقيين الذين كانوا من كوادر “منظمة بدر” التي كانت تتمركز في إيران وتحارب العراق ! ومن يحارب بلده من البلد الذي يحارب بلده ليس جديراً سوى بالمحاكمة. ولكن التهاون في هذا هو الذي أوصل العراق ، رغم تاريخه في العناد والأنفة، إلى التعايش مع العدو الأمريكي في العراق نفسه!
ولم يُحارب هؤلاء بلدهم لأن النظام كان ديكتاتوياً بل لأنهم مأخوذين بحقد طائفي وشبق للسلطة، ولا أدل على ذلك أكثر من طبيعة السلطة العراقية التي أقامها العدو الأمريكي وبقيت مرتبطة به ومارست القمع والنهب والفساد والتواطؤ مع المحتل. فلو كان الأمر لاستبدال النظام لكن على السلطة الجديدة أن تقدم للشعب ما هو أفضل من النظام السابق بل قدمت ديكتاتورية أخرى لكن متحالفة مع العدو! ولأنها طائفية فهي ترى عدوها الطوائف الأخرى وليس المحتل لا سيما وأنه هو ولي وجودها ونعمتها.
المفارقة التي لا تنطلي على العراقيين على الأقل، أن هذه القيادات هي جزء من السلطة في العراق التي حتى حين اضطرت للطلب من العدو الخروج من العراق فعلت ذلك بالترجي! وهل يخرج المحتل، وهو الأخطر في التاريخ، بالتخجيل أو بقرار برلماني من برلمان يقول أعضائه انهم جميعا بل كل قيادات العراق فاسدة .ومن يود الدقة فليبحث عن فيديوهات مشعان الجبوري وهو ايضا عضو برلمان وفاسد كما وصف نفسه!
قد يقول قائل: هذا ما يمكن للسلطة العراقية في هذه الظروف أن تفعله.
ونقول: بما هي وليدة الاحتلال فهذا طبيعي بمعنى أن هذا هو الجزء من الحبل الذي يسمح لها الأمريكي بالتحرك عبره لا أطول. ولكن!
كيف يمكن لقيادة ال/م/ق/ا/و/مة أن تكون :
· مقاومة للمحتل
· وشريكا في الحكم مع أحزاب عميلة للآحتلال؟
فاين الخلل؟ هل هو من المنسجم مع نفسه: السلطة أم قادة الفصائل؟ قبل ايام وفي تأبين الشهداء الذين قتلهم العدو وقف مسؤول الحشد الشعبي وقال: “نشد على يد رئيس الوزراء السيد محمد شياع السوداني”!
يا للهول! فرئيس الوزراء يده الأخرى بيد الأمريكي الذي قتل الشهداء الذين سوف تصلي عليهم!
كيف يجوز هذا؟ اي تفسير لهذه المواقف غير التواطؤ. ترى هل هناك عراقي لم يشاهد السوداني والحكيم والمالكي …وهم يصافحون الجنرالات الأمريكيين؟ والسوداني حتى اليوم يجالسهم ويستقبل بلنكن؟ أمريكا تقتل شهدائنا وانت تجالسه/ اين يحصل هذا؟ إذا كان تبرير هذا باعتبار كل الحكام العرب وحتى المسلمين يستقبلون سيدهم، لكن سيدك يحتل بغداد!
أليس هذا هو ما يسمح لأمريكا القول: ندافع عن انفسنا! وكأن بغداد الرشيد هي واشنطن!
بعض الفصائل حتى علقت عملياتها بحجة إعطاء رئيس الوزراء فسحة من الوقت للمطالبة بخروج الأمريكي.أي اصبحت فصائل القتال في جيب برلمان فاسد!
ما هذا التصغير للعقل الجمعي العراقي والعربي؟ فالعدو يُسرع في الهروب أكثر حين تكن خلفه بالعصا وليس بالصور واللقاءات معه والاعتذار منه!
إن نفس الأحزاب التي تحكم العراق (أحزاب الإطار) هي التي أتى بها العدو يوم الاحتلال الثاني للعراق اي 2003 حيث كان الأول عام 1991 وإن لم يجلس العدو في العراق حينها. وهذا يكشف عن حقيقة يتيمة وهي أن من طرد العدو من العراق عام 2011 ليست هذه القيادات ألتي جلبها هو نفسه على دباباته. بل من هزم العدو هم العراقيين الذين قاتلوا العدو كوطنيين عرباً ومسلمين ومسيحيين وأزيديين …الخ وقاتلوا داعش هم أنفسهم ايضاً ولكن الأمريكي أورث أحزاب الإطار تراث نضال غيرهم ولا عجب.
ولأن سلطة بريمر بعد الأمريكي لم تكن على حوامل حقيقية وكانت قد خانت الجيش العراق واصرت بعد حله على يد الأمريكي ان يبقى ضعيفاً،تمكنت داعش من احتلال الموصل وأعانها الكرد ومنحرفين بعثيين ومتعصبين سُنة بالطبع.
صحيح أن السيستاني دعى للمواجهة، ولكن هو نفسه لم يدعو لمواجهة المحتل الأمريكي لا عام 1991 ولا عام 2003 ، هذا يجب ان نذكره للناس. وصحيح ان الحشد قاتل داعش، ولكن لماذا تم استجداء الأمريكي لحماية نظام التحالف الطائفي وهم تحالف وتصارع معاً؟ فمن الذي هزم داعش؟
يبدو أن داعش كما تقول الآية الكريمة من الإنجيل: “الرب أعطى والرب أخذ” لأن داعش صناعة أمريكية ولذا أمريكا وهي تملك العراق لن تسمح لداعش بإقامة دولتها فيه فهي لن تستبدل أداة بأخرى وخاصة أن داعش طائفية لن تكون حليفة لإيران التي تصر على سلطة طائفية أخرى في العراق الذي يتقاسمه الطرفان. وهكذا قام المستجلبون بالاستغاثة بأمريكا لحمايتهم وهي التي خلقت داعش. فانظروا كم هي الصورة معتكرة في العراق!
ولذا، فإن حكام العراق من المالكي للعبادي للكاظمي للسودان للحكيم والذين عنهم فيديوهات مع الجنرالات الأمريكيين هؤلاء يستحيل أن تكون لهم علاقة بالمقاتلين،وليس هناك أوضج من قول السوداني: “سنحاكم من ضربوا القواعد الأمريكية وبأن من ضربوا اربيل قد قٌتلوا” مبروك عليك اذن وعلى البرزاني!. ! بينما قادة المقاتلين يبيايعون السوداني نفسه يشدون على يمناه ويودع يسراه بيد الأمريكي! فاي مشهد سوريالي هذا العراق!
عجيب، ألا يدل هذا على تواطؤ ثنائي بين السلطة وقادة فصائل وبين الأمريكي، وبأن السماح لبعض المقاتلين بالعمل هو لتثبيت مواقف ودعاية أنتخابية.
لذا قال الفياض في تأبين الشهداء بأنه لن يسمح لأحد أن يوظف هذا العمل إنتخابياً!
والمثير للضحك أن منافسي الفياض وهو من الإطار هي كتلة او كتل طائفية من نفس الطائفة. أما قادة الطوائف الأخرى فتوابع للطائفة الحاكمة بحكم طائفيتها وليس عددها وبحكم وكالة من أمريكا.
بيانات قادة الفصائل …ماذا تعني
حزب الله العراق:
“العراق: بيان للأمين العام لكتائب حزب الله العراق: المقاومة الإسلامية اتخذت قرارها بدعم أهلنا في غزة من دون أي تدخل من الآخرين
العراق: البيان: إخوتنا في المحور لا سيما في إيران لا يعلمون كيفية عملنا الجهادي وكثيراً ما كانوا يعترضون على تصعيدنا
العراق: البيان: نعلن تعليق العمليات العسكرية والأمنية ضد قوات الاحتلال دفعاً لإحراج الحكومة العراقية
العراق: البيان: نعلن تعليق العمليات العسكرية والأمنية ضد قوات الاحتلال الأميركي وسنبقى ندافع عن أهلنا في غزة بطرق أخرى
العراق: البيان: نوصي مجاهدي كتائب حزب الله بالدفاع السلبي موقتاً إن حصل أي عمل أميركي عدائي تجاههم.
أسماء غريبة! ما معنى حزب الله العراق؟ لماذا ليس العراقي؟ هل هو إرسالية أجنبية إلى العراق؟ ثم يكمل المقاومة الإسلامية ! لماذا ليس العربية الإسلامية؟ أحيانا حتى بعض المستشرقين كتبوا العربية اسلامية عن الوطن العربي.
الرحمة للشهداء طبعاً، لكن هل موقف الحكومة أغلى من دم الشهداء؟ ليتهم عرفوا كيف يشتغل عقلكم ومن الذي يشغله!
بيان فصيل النجباء:
في تقسيم الأدوار، يدعم فصيل النجباء اعتذار فصيل حزب الله العراق عن ما قام به، وهو منشق عن الحشد الشعبي، نأمل أن يكون ذلك على غير المواقع والمكاسب. وهذا دليل على ان ما يقوم به قادة هذه الفصائل هو:
· رقع العتب من قواعدهم العربية
· والاستثمار لاحقاً ليزعموا”ربما: أنه لولا مشاركة ما منهم لما صمدت غزة!
جميل، ولكن لماذا اليوم بعد الاحتلال بقرابة ربع قرن؟ هل فقط اليوم صارت العراق بلادنا؟ وقبل ذلك أي منذ 2003 كانت العراق لصدام حسين!
إن أخطر تدمير للبشر هو في تدمير وعيهم وليس حتى ثقب جيوبهم أو دس اليد فيها وإفراغها، فالوعي ميزة الإنسان، لذا حينما يتم تغييب البعد الوطني والقومي يصبح المواطن أداة لا إرادية التحرك. وحينما يتم تغليف خداع المقاتلين بتحريف معنى الآيات الكريمة، يكون البلاء العظيم. وإذا كنتم تتفهمون مبررات حزب الله العراق فلماذا لم تأخذوا بها؟ أم أنكم عراقيون وهم مرتبطين بأجنبي!
المقاتل/الشهيد يختلف عن القائد حتى لو كانا مضمخين بالطائفية فالأول ببساطة والثاني بارتباط.
أحيانا هناك ازدزاجية السلطة والمقاومة ولكن ليس البلد والعدو هذا تناقض تناحري اي لا شرعية للعدو.
تعويد وتثقيف الشعب بازدواجية ضمنها غض النظر عن الاحتلال هي بناء وعي مهزوم وتبريري ومن طراز : “ليس في الإمكان ابدع مما كان”
ومع ذلك فالعدو اعتدى رغم كل اشكال الاستخذاء.
فماذا انتم فاعلون!!!
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
