نشرة “كنعان”، 9 فبراير 2024

السنة الرابعة والعشرون – العدد 6721

في هذا العدد:

هي المذبحة … إن لا تصدَّها، فشريك فيها، د. عادل سماره

  • ملحمة طوفان الاقصى التداعيات والمآلات

المستور الذي كشفه الطوفان.. وإرادة الأردنيين التي يكسرها النظام، فؤاد البطاينة

✺ ✺ ✺

هي المذبحة … إن لا تصدَّها، فشريك فيها

  • ملحمة طوفان الاقصى التداعيات والمآلات

د. عادل سماره

ومن بوسعه حصر الملحمة في كلمات! وقد نقلت الصراع إلى المحتل 1948 وحولت مستوطنين إلى اللجوء ودفعت بعضهم من حيث أتوا وبيَّنت أن القاعدة كاستثمار إستراتيجي مربح للإمبريالية هي في النهاية محمية وعبأ على صانعيها ودفعت قيادة الكيان لما بعد الانتقام مستعيدة السيرة الأخطر للاستيطان الرأسمالي الاقتلاعي الأبيض وهي الإبادة. وحيث مارست النازية محرقة مشتدة لليهود، انتقل الكيان من محرقة ممتدة ضد شعبنا إلى مزاوجتها مع المشتدة ومن هنا شنَّ العدو عدوانين أحدهما مع المقاومة تحت الأرض والآخر ضد اهليهم المدنيين فوق الأرض وصمد شعبنا في الحربين بينما يحاول الكيان إخفاء تثاقل جُنده وفراغ معنوياتهم.

وهرولت الإمبريالية بأجمعها إلى الكيان بين شد العصب والقتال نيابة عنه، كيف لا وهي تعلم أن وطننا الكبير آخر منطقة مباحة للاستغلال بتواطئي حكام قُطريات يتواشج مصيرها بحبل سُرّيٍّ بمصير الكيان.

أكدت المقاومة أن حرب الغُوار لم تفقد دورها ولا وهجها مبتكرة أشكالاً إبداعية تتغلب على تكنولوجيا راس المال المعولم مما يرغم الإمبريالية على قراءة أخرى ذات وقت قريب لدور هذا الاستثمار الذي يفقد دوره كاستثمار إستراتيجي.

لم يكن على المقاومة أكثر من موقعة 7 تشرين الأول والصمود الأسطوري وتطوير تشرين 1973 لما هو أعمق من المحتل 1967. وإن جاز لنا القول فهي فاتحة عهد جديد كما معركة “ذي كار” قبل مجيئي الرسالة حيث شكّلت انبعاثا عربيا وضع العروبة على عرش العالم، وهذا يؤكد أن العالم قد اهتز ووضعته 7 تشرين على عتبة تغيير معولم.

ساهمت الملحمة في تقعيد مختلف الأنظمة والمعسكرات كل في موضعه الطبيعي وهذا كشف لم يكن ليحصل لولا هذه المغامرة التاريخية.

أثبتت هذه المغامرة تاريخية المقاومة وانتقالها من حقبة وإبداع إلى آخر من المجاهدين للفدائيين للمقاومين وإلى ما سيأتي.

كشفت الملحمة عن ما لم ندركه من قبل حيث انتقلت الدولة القطرية من التخلي في عدوان 1982 إلى الخذلان هذه المرة. فأفهمتنا درساً في قراءة قانون الترابط الشامل للأحدث وخاصة الثورات. لقد وضعت الأنظمة العربية وحتى الإسلامية جميعاً في خانتها الطبيعية. بل وأخطر، فها نحن نشهد مساكنة ثلاثية بين السلطة والقوى السياسية والشعب في حالة ابعد من الهيمنة/غرامشي حالة الانشباك بدل الاشتباك! وهذه مساهمة في ديالكتيك السقوط كاستثناء مقابل 7 تشرين ديالكتيك التاريخ الصاعد.

كان 7 تشرين لحظة الانتصار العالي، لكن الثورة المضادة بثلاثيتها الإمبريالية الغربية والكيان والصهيونيتين العربية والإسلامية التقطت أنفاسها بهجومها التطبيعي منذ 8 تشرين مباشرة الأمر الذي آخى المؤامرة والمذبحة

اثبتت الملحمة بأن النووي الحقيقي هو الذي يواجهنا به العدو أي التطبيع الرسمي العربي وتطبيع قوى ومثقفي الطابور السادس ومحاولة الوصول بالتطبيع إلى قلعة الجماهير العربية التي لم تُخترق لكنها تساكنت. نعم كانت المهزلة في تقيد الحراك الشعبي بالسقف الذي سمحت به الأنظمة بينما كان الشارع العالمي مختلف تماماً. أما النووي الحربي فهو ردع متبادل مما يحول دون تفعيله.

وهذا يفتح على حقيقة معولمة جديدة وهي التفارق بين الرسمي الشعبي على صعيد معولم والذي يبشر باحتمال الطلاق بين الشعبي والرسمي وحتميته في الوطن العربي وإن تأخرت.

وفي هذا الصدد لعب الإعلام العربي التطبيعي وحتى المقاوم دوراً خطيرا إتضح في مستويين:

الأول: تضخيم الفلسطيني إلى حد الزعم بأن الفلسطينيين وحدهم قادرون على هزيمة الكيان وتحرير فلسطين. وفي هذا تبخيسً لطبيعة الصراع وكأنه بين الفلسطيني والصهيوني. ولعل هذا يذكرنا بحقيقة إدراك عبد الناصر بأن الصراع مع الإمبريالية وليس محصورا في الصهيونية. ولسنا هنا بصدد التذكير بالجسر الجوي الأمريكي في حرب تشرين 1973 وقرار الغرب “ممنوع انتصار العرب”. وهنا يكفي أن نشير إلى انكشاف ظاهرة “الماخال” أي المتطوعين مع الكيان من جميع الدول الغربية بلا استثناء عام 1948، وها هي تتضح بل تُعلن.

إن تضخيم الفلسطيني هو في حد ذاته تغطية على الموقف الكارثي الذي وقفته الأنظمة العربية خاصة والإسلامية عامة في عدم القيام بإدخال علبة دواء لغزة! وهذا ليس عجزاً وإنما مخافة امتداد الظاهرة إلى تلكم الأنظمة. لقد سُمح للكيان بممارسة الذبح على الفضائيات مما أفلت مثقفي الطابور السادس إلى التجرُّؤ والكتابة ضد مجرد حصول ملحمة أكتوبر/تشرين الأول بثَّا لسموم الندم على ما حصل.

إن الخطوة الطبيعية الثانية بعد خطوة 7 تشرين الأول هي حرب الشعب العربية طويلة الأمد بدءا بمقاطعة حقيقية لمنتجات الأعداء وضرب مصالحهم اي مستعمراتهم مما يقود في الحد الأدنى لإرغام العدو على وقف المذبحة. هذا هو التفاقم والتطوير الطبيعي لتشرين وليس توجيه اللوم لتشرين لامتصاص فعله التاريخي.

وما أقل، وللأسف، الذين التقطوا ذلك الاستدخال للهزيمة بإعفاء الأنظمة العربية من دورها الذي كان يجب أن يكمل بالحلقة الثانية من 7 تشرين وهو التصدي للعدو بدءاً بقطع العلاقات الدبلوماسية بالحد الأدنى.

لذا شاهدنا ترويجاً وتوسيعاً لكتابات تبرر الاستقواء بالضعف وتضخيم الإمبريالية واسلحة الكيان مما قاد إلى لجم الكثير من القوى التي كان يمكن لها أن تفعل شيئاً ما.

والثاني: اقتلاع القضية من عمقها العربي وهذا يقع تماماً في مخطط العدو بتوسيع التطبيع إلى كامل الوطن العربي.  

يعيدنا هذا إلى السياق التاريخي لخطة وتآمر الإمبريالية ضد الوطن العربي بما هو الأكثر استهدافاً من اية بقعة في الكوكب وذلك منذ انتقال أوروبا الغربية خاصة من المركنتيلية إلى الثورة الصناعية فالرأسمالية الاستعمارية فالإمبريالية فالعولمة. واختصاراً، فإن وثيقة بانرمان في الحيلولة دون الوحدة العربية وإيلاج الكيان في فلسطين وهزيمة الناصرية وتدمير ثم احتلال العراق والعشرية السوداء في الجزائر واحتلال ليبيا والاستماتة لإنهاء سوريا والعدوان على اليمن وصولا إلى إهلاك لبنان اقتصاديا كل هذه مسار السياق التاريخي لاحتجاز الوحدة والتنمية في الوطن العربي. ومن هنا كان 7 تشرين صدمة لكل هذا، إلا أن هذا الإنجاز ووجه مباشرة من قبل الثورة المضادة والتي علينا أن نفهم ونُفهم الجميع بأنها موجودة تحت جلد الوضع العربي وبقوة. وهذا يعني شدة المواجهة بيننا وبينها.

لذا حُصر الدعم للمقاومة في دور المقاومة اللبنانية التي قُيِّدت رغماً عنها بحكم الظرف. لكن مساهمة المقاومة اللبنانية ومساهمة اليمن اثبت ما لا يود كثيرون رؤيته وهو أن البعد العروبي لن يغيب عن فلسطين.

وفي هذا الصدد، ليس من الحكمة اللجوء إلى لوم إيران التي اتخذت الموقف المنسجم مع مصلحتها الوطنية بتجنيب وطنها عدوان الإمبريالية والذي يشكل الشبق الأقصى لدى نتنياهو من جهة، ودعمها للمقاومة الفلسطينية واللبنانية من جهة ثانية بمعنى أن ليس من حقنا ولا تقبل عروبتنا أن يقاتل الصديق نيابة عنا لا في فلسطين ولا في أي بلد عربي آخر.

ينقلنا هذا إلى السمفونية المشروخة التي يعزفها البيت البيض بعدم توسيع الاشتباك لما هو ابعد من غزة. والحقيقة أن توسعة الحرب حصلت فوراً ومطلقاً من جانب الثورة المضادة إذ انخرط الغرب بقضِّه وقضيضه في العدوان وبالتالي صار المطلوب ولا يزال الرد في الجانب العربي تحديدا والإسلامي توسيعا وغير الإمبريالي عامة. وهذا بقي محصور في لبنان واليمن لا اوسع.

ولعل آخر ما اثبت ذلك العرض الأمريكي لليمن بوقف الدفاع عن غزة مقابل اعتراف الأمريكي بالسلطة العروبية في اليمن والتسريب لليمن بأن أمريكا لجمت الأنظمة العربية عن المشاركة في الدفاع عن غزة بل والضفة الغربية، ولكن في حقيقة الأمر هي ملجومة ذاتياً.

وسواء هو اللجم الخارجي أو اللجم الذاتي فهذا الأمر يفتح على ما يُدعى باليوم التالي! وهو الذي اسرَّت به الإمبريالية الأمريكية للكيان.

إن سؤال اليوم التالي هو سؤالنا نحن: ماذا بعد وقف العدوان بغض النظر عن أيلولتها؟

صحيح أن 7 تشرين مقدمة حرب التحرير وليست حرب التحرير نفسها، وهذا يعني أن علينا التعاطي مع اليوم التالي في اربعة مستويات:

الأول: مواصلة المقاومة وبالسلاح خاصة لقطع الطريق ما أمكن على التطبيع والمفاوضات وأكذوبة حل الدولتين ولجم المستوطنين لا سيما وأن الوعود بالحلول والمفاوضات ليست سوى تعميقاً للاستسلام وإنتاج حلول لغوية لا أكثر. أنها المقاومة التي على شعبنا مواصلتها ونقلها ما أمكن للشعب العربي وصولا إلى حرب الشعب.  وهذا يفتح على الميلان نحو حل الدولة الواحدة في فلسطين وهو الحل النهائي كما نعرف ولكن ليس بالطبعة المألوفة منذ قرن بل بمضمون جديد قوامه أمران هامان:

·      دولة واحدة ضمن الدولة العربية الكبرى.

·      مع خيار اليهود بين البقاء والرحيل وحق المتبقين في المواطنة دون تمسكهم ببيوت وأملاك العرب الفلسطينيين على أن تحل الدولة الجديدة والعالم متطلبات حياة مقبولة لهم بدل أن يتم خصي الأمر بالأطروحة المسحوتة: “تخلي الإسرائيلي عن صهيونيته” بل تخليه عن ما اغتصب.

والثاني: معركة إعادة تجليس القضية المركزية، اي القضية الفلسطينية في موضعها الطبيعي اي الوضع الشعبي العربي. وهذا يعني أن تحرير فلسطين هو مقدمة و/أو نتيجة لتحرر وتحرير الوطن العربي. وعليه، فإن الدولة العربية المركزية وحدها التي بوسعها إنجاز المهام التاريخية للعروبة بإسقاط الأنظمة القطرية لصالح دولة الوحدة أو الاتحاد وهي الدولة التي لا تحصل إلا وقد كنست مصالح /مستعمرات الإمبريالية في الوطن العربي بأسره وهذا ما يقود إلى تحرير فلسطين سواء بالقوة أو بالقوة والثقل الاقتصادي والسياسي لوطن موحد يتعاطى معه العالم طمعا في مصالحه معه بما هو كتلة واحدة سوق واحدة ثروات مسيطر عليها ممرات بحرية وجوية وبرية وبذا يكون لهذا العالم مصالحه مع وطن العروبة وليس مع كيان غاصب وفاقد لدوره. إن الاقتصاد بمفهومه الاقتصادي البسيط والمادي الموسع والمعمق هو العامل الحاسم والمقرر في التاريخ عامة وفي حاضر البشرية اليوم وهذا ما يؤكده ثقل ودور الكتل الاقتصادية الكبرى وسيطرة الكتل الكبرى على صغريات الدول تأييداً للمقولة التنموية المركزية بأن البلدان الصغيرة لا بد أن تكون تابعة غنية هي أم أفقيرة. وحينها قد تهز الصهيونية كتفيها في استسلام.

والثالث: وهو معركة الجدل الفكري والثقافي مع المثقفين اليهود التقدميين أو الأقل صهيونية وخاصة أن هذا الفريق قد نشط بعد 7 تشرين الأول بشكل ملفت للنظر داعيا لدولة واحدة متوقفاً عند هذا الشعار المعوَّم!. شعار رومانسي جميل لا شك، ولكنه لا يجيب عن سؤال: مضمون هذه الدولة الواحدة؟ وهنا لا نكتفي بالعنوان البراق “دولة ديمقراطية”! فهي لن تتأتى دون تحرير، بينما هم ينطلقون من أن الكيان موجود ثابت وعلى الفلسطينيين التوحد معه! وحتى حين نصل إلى هناك ففي هذه الدولة يكون الصوت الفردي نفسه للأشد فقراً وللملياردير! وبوضوح: نقول لهم ماذا عن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وممتلكاتهم؟ وقد يقبل بعضهم بالحل الاشتراكي، ولكن حتى الوصول إلى هناك لا بد من إعادة الأرض والمساكن لأصحابها، ولا بد أن يقبلوا بأن الدولة الواحدة هي ضمن الدولة العربية المركزية الاشتراكية في التحليل الأخير وهم فيها رعايا كغيرهم.

والرابع: وهو بلورة الخطاب في توجهنا إلى التضامن الشعبي العالمي الذي يقف معنا بوضوح؟  كيف ننقل إلى هذا التضامن أن معركتنا ليست استعادة المحتل 1967 بل مع التناقض الأساسي اي مع احتلال الكيان لمعظم فلسطين عام 1948؟ وفي هذا المستوى يواجهنا ثقل التطبيع العربي والرسمي الفلسطيني الذي ينطلق من الإقرار بأن المحتل 1948 هو للكيان؟ هذه معركة هامة وشديدة الحساسية مما يوجب بلورة خطاب لا يقود إلى انفضاض الكثير من هؤلاء المتضامنين إنسانيا معنا.

ننهي بلفت النظر إلى أن تهافت الأنظمة العربية فتح الباب لانضمام إمبرياليتين جديدتين لدعم المذبحة هما المانيا والهند!

✺ ✺ ✺

المستور الذي كشفه الطوفان.. وإرادة الأردنيين التي يكسرها النظام

فؤاد البطاينة

لقد أفرزت معركة طوفان الأقصى وما قادت اليه من حرب عدوانية إبادية على غزة والضفة لم تدانيها بهمجيتها وقذارتها وجبنها وحوش الغاب ولا ألف ألف داعش، نتائج مفاهيمية هامة لم تكن بحسابات الكثيرين من كل أطراف الصراع، وأكدت حقائق كانت جدلية أصابت كل جوانب الصراع العربي الصهيوني والقضية الفلسطينية وحقيقة الوضعين العربي والإسلامي. وإن محاولة الوقوف ولو على بعضها ضرورة تنير الطريق أمامنا كشعوب عربية..

لقد أثبتت الحرب بظلمها وظلاميتها أن العالم ما زال يرضخ لأحادية القطبية الأمريكية بما فيه روسيا والصين. وأن الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي يتحليان برضوخ استراتيجي للقرار الأمريكي مهما كان ظالما وعدوانيا. وأنظمة الحكم في الغرب تعرت أمام شعوبها، وشعوب العالم لم تعد تتعاطف مع الكيان أو تحسب له حساباً. ونتذكر هنا قول نتنياهو بأن العالم لا يحب اليهود ولكنه يخاف منهم)، فمع أن هذا منصوص عليه بتوراتهم إلا أن حاجز الخوف انتهى بعد طوفان الأقصى.

وعلى صعيد محور المقاومة، كان اليمن هو المستجد الأبرز في إطار هذه الحرب، وكان المثال على مستوى العالم في الشجاعة والإقدام حينما استطاع أن يعلق الجرس لمواجهة الكيان وحِلفه ويكسر حاجز خوف العالم الواهم من أمريكا. بل وخلق مشكلة مستقبلية لدى الغرب حين أثبت لهم أنه قادر وحده على إغلاق البحر الاحمر. كما أن هذه الحرب قد أكدت ثبات قواعد الاشتباك بين حزب الله واسرائيل وهذا يدل على قوة الردع عند الحزب، كما أثبتت وحدة الدم لدى الأطراف المقاومة. وبالنسبة لسورية فقد أثبتت هذه الحرب أن سورية غير قادرة على تقديم شيء لنفسها او لدول المحور سوي المجال الجغرافي. وللقيادة السورية التي تقدم نفسها كمحاربة لداعش أقول إن من يحتل أراضيها ويسرق مواردها وثرواتها هم الامريكان والاتراك والكرد والكيان الصهيوني وليس داعش. وأتساءل ما الذي تخشى القيادة خسارته من تشكيل مقاومة شعبية سورية او حركة تحرير وطني. كما بينت الحرب ان مساحة النفاق عند قوى المعارضة في اقطار الوطن العربي كبيرة جدا وأنها اجبن أو أضعف من أن تحشد مظاهرات التأييد والتضامن مع غزة والمقاومة بما يوازي أو يحاكي ردة الفعل الشعبية في عواصم العالم.

وعلى صعيد الأهم من الحقائق التي أكدتها الحرب هي أن الكيان مستعمرة أمرو صهيوغربية في فلسطين، وأن وجودها مصيري للمصالح العليا لهم، وسقوطها أو تحريرها يعني انتهاء الوجود الغربي في الوطن العربي والشرق الأوسط. وكما يعني غياب الأنظمة العربية المرتبط وجودها بوجود هذه المستعمرة، وغياب تلك التي تتحصن بعمالتها. وبناء عليه فقد أكدت بأن الطرف المقابل للطرف العربي في الصراع سياسياً وعسكرياً هو أمريكا وذيلها بريطانيا، والطرف المواجه للفلسطينيين في حرب التحرير ومعاركها سياسياً وعسكرياً وأخرها طوفان الأقصى هي أمريكا وذيلها بريطانيا.

إن ربط حقيقة فشل سيرورة حرب الابادة لما يزيد عن اربعة أشهر وإثباتها لأمريكا وللكيان وللعالم استحالة القضاء على المقاومة الفلسطينية الممثلة بحماس والجهاد واستحالة نجاح الارهاب في تهجير الفلسطينيين القسري كما في عام 48،أقول إذا ما ربطنا هذه الحقيقة بحقيقتي إسقاط سلطة أوسلو ومنظمة التحرير لخيار المقاومة وفقدانها شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني وخياراته، وحقيقة مواصلة حماس والجهاد تبني خيار المقاومة واستراتيجيتها منذ ذلك الحين وصولا لطوفان الاقصى والصمود بوجه العدوان الأمروصهيوني ودحره، أقول إن هذا كرس حماس وشقيقتها كحركة التحرير الوطني الفلسطيني الممثلة الوحيدة حالياً للشعب الفلسطيني وقراره.

وهذا بدوره يربطنا بنقطة خطيرة تتعلق بتوجه امريكا والكيان للانقلاب والتآمر على المقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد) وتمثيلها للشعب الفلسطيني كحركة التحرير الوطني وعزلها وتحييد انتصارها واختطاف استحقاقات النصر وثقة الشعوب العربية والشعب الفلسطيني بها بإدارة الظهر للمقاومة وإعادة الإعتبار المهدور للسلطة وإنعاش أنظمة التطبيع العربية لاستدامة التدليس والحلب والتآمر وذلك كله من خلال طرح مسرحية حل الدولتين المقبور أو كذبة إقامة دولة فلسطينية.

وهنا نقول يا حبذا أن يجرأ أحدهم على طرح أسئلة على أمريكا قبل القبول او التعاون بالموضوع، مثل، هل تعلن اسرائيل أولاً قبولها لمبدأ حل الدولتين وهل هي مستعدة بأن تتبرع بإعادة الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 67 وهل أمريكا ودول أوروبا ملتزمين بإجبار الكيان على قبوله، وأين ستقام الدولة وعلى أية أرض وما حدود هذه الدولة، وما مصير ملفات الحل النهائي كحق العودة والقدس والمياه والحدود. نريد أن نسمع كلاماً عن هذا أو مرجعياته. كفانا كذبا وتامرا. لا يوجد أي حل او تسوية لمسألة احتلال سوى ازالته ولا تعايش مع الاحتلال. فالطرح كاذب والهدف هو التآمر على المقاومة لعزلها واستمرار الحرب عليها، فوجودها هو النقيض الوجودي للكيان..

وعلى صعيد أنظمة التطبيع العربي فقد تأكد كذب وسقوط مصطلح التطبيع في الحالة العربية الصهيونية. فالتطبيع أو العلاقات الطبيعية يفترض أن تكون بين دولتين او كيانين حرين ومتكافئين ومستقلين، بينما طبيعة سيرورة العلاقة بين الانظمة العربية المطبعة أو بعضها وبين الكيان هي إخضاعية وتخلو من تبادلية المصالح. وكمثال أسأل نظامنا الأردني كيف لنا أن نسمي علاقته مع الكيان طبيعية وليس إخضاعية عندما يرى هذا الكيان وهو يرتكب مجازر ومحارق جماعية بحق شعبنا الفلسطيني لا يرتكبها بشر أسوياء، ويمنع عنه الماء والطعام والكهرباء والدواء والحليب عن الرضع، وتكون ردة فعل النظام تزويد هذا الكيان باحتياجاته الإستراتيجية التي تساعده في صموده بارتكاب مجازره، وترك خونة القطاع الخاص يوغلون في هذا، وجعل الاردن جسراً لعبور إمدادات خون العرب للكيان، بينما القواعد الأمريكية مطلوقة اليد حسب اتفاقية الدفاع. ولا شك أن النظام مقاد في كل هذا بنهجه السياسي المستورد والمجرم.

يجدر جدا بعقل النظام ورأسه أن يعلم بأن للأردن خصوصيته الفريدة في القضية الفلسطينية تاريخياً وحاضرا ومع الشعب الفلسطيني، وأن عليه أن يعمل وفق هذا، فلا يمكن أن يكون على مسافة واحدة من القضية والكيان مع أي نظام عربي أو غير عربي. فالأردن الحديث ولد من رحم المشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة، ولا تصفية ممكنة للقضية وملفاتها إلا بتعاون النظام الأردني، فهو بيضة القبان بفشل أو نجاح المشروع الصهيوني، وقادر إن شاء وتوفرت لديه الإرادة السياسية على إفشال المشروع الصهيوني في فلسطين وفي الأردن. بمعنى أنه يتحمل مسئولية وجهة القضية الفلسطينية. ومع كل هذا عليه أن يعلم بأنه لا يوجد في الأجندة الصهيو أمريكية بقاء للحكم الهاشمي بعد أدائه للدور، وللتأكد يمكنه مراجعة التاريخ والوثائق ويحسبها سياسياً. فالشعب الأردني وحده من يحمي الملك والعرش الهاشمي والقادر على ذلك وخاصة عندما يأخذ الملك قرار التخلص من التبعية..

وفي الختام، إن أردن الشعب والنضوج والمفاهيم في عام 2024 غيره قبل مئة عام. وعلى النظام أن ينصاع لإرادة الشعب لا لإرادة عدوه. فلا يمكن أن يستمر الأردن وديعة لحساب وعد بلفور او للمشروع الصهيوني، ولا أن يكون مكبلا لهذه الغاية بالاتفاقيات الخطيرة مع الكيان على سلامة مستقبل الاردنيين، وبالقواعد العسكرية الجائرة، ولا أن تكون أبوابه مشرعة للغزو الصهيوني الناعم لأراضيه. ولن يقبل الأردنيون أن يكون الأردن مجالا حيوياً للكيان أو عمقاً أو مخزوناً استراتيجياً له ولا رصيدا، ولا أن يكون حاجزاً جغرافياً بين الكيان والشرق العربي والمسلم. ولن يقبل الأردنيون بأقل من أردن خالي من الصهاينة وعضيدا للمقاومة الفلسطينية.

كاتب عربي أردني

:::::

“رأي اليوم”

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:
  • توتير:
  • فيس بوك:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org