السنة الرابعة والعشرون – العدد 6735
في هذا العدد:
■ في الرد على م.ق.ا.و.م.ة ال.م.ق.ا.و.م.ة (1)، د. عادل سماره
■ ما سيناريوهات جبهة جنوب لبنان في ظل هدنة محتملة في غزة؟ العميد د. أمين محمد حطيط
■ نورمان فينكلشتاين: «لعنة» دماء غزّة، سعيد محمد
✺ ✺ ✺
في الرد على م.ق.ا.و.م.ة ال.م.ق.ا.و.م.ة
(1)
د. عادل سماره
استخدمت هذا العنوان للمرة الأولى منذ أكثر من عشرين سنة في مقال رداً على حديث د. رشيد الخالدي في ندوة رتبها مركز “مواطن/مؤسسة أنجزة” في رام الله الذي كان مضمونه ضد ال.م.ق.ا.و.م.ة.
غرَّد مؤخراً د. هشام غصيب:”عندما تشن حرباً على خصم، عليك أن تحسب النتائج المتوقعة لمائة عام إن أمكن، وإلا لا تشن حربك”.
لكن يجدر التمييز: فهو عدو وليس خصماً.
نعم هذا صحيح من حيث حربك بما أنك دولة. ولكن حينما يُغتصب وطنك لا تعود لك دولة وبذا يكون ردَّك مفتوحاً في الزمان والمكان. لذا قال ناظم حكمت: “وحينما تنزلق الأرض من تحت قدميك فإنك تصبح ذئبا”.
لم تخطط كميونة باريس للثورة لمئة عام لكن فكرتها كانت تخطيطا او إلهاماً لقرون قادمة أي بعكس ما يقول د. هشام، وقد ذُبح قادتها في الدير المُقام على التلة البيضاء في باريس وهُزمت الكميونة، لكنها اسست للثورات الاشتراكية حتى اليوم وغداً.
لهشام تفلُّتات من هذا الطراز منذ زمن. ولكنه يتجاهل أن حرب الغُوار تحكمها قاعدة واحدة وضعها وديع حداد “وراء العدو في كل مكان”. فهي لا تلمك رفاه التخطيط الدولاني لعشرات الأعوام.
حرب الغوار ليست منعزلة عن المجتمع لذا لها دائماً شِقَّان:
· الغواريون
· والمحيط الأوسع
حينما بدأت حرب الغوار في فيتنام ساندها فوراً الظهير الصيني والسوفييتي رغم خلافاتهما. والجزائر وجنوب اليمن ساندهما عبد الناصر رغم أن مصر لم تكن دولة عظمى.
في حالة حماس والفصائل كان 7 تشرين بداية لكن المحيط بدأ حربه ضدها فوراً يوم 8 تشرين لأن المحيط هو جزء من ثلاثي الثورة المضادة أي “كل الغرب والكيان والصهيونية العربية والإسلامية” التي شاركت في العدوان على غزة كرجل واحد! لذا، لم ترفد غزة أل 57 دولة ولو دبلوماسياً بل أكدت استدخال الهزيمة وقرار نقل التطبيع إلى “اندماج الكيان في الوطن العربي اندماجا مهيمنا “وهو ما كتبت عنه منذ ثلاثين عاماً وها هو يُعلن وخاصة في مؤتمر 11 تشرين ثاني 2023 في الرياض حيث تم تتويج النظام السعودي على العرب والمسلمين.
وهذا أكَّد المساكنة الخطيرة بين: الأنظمة والقوى السياسية والثقافية والشعوب. اي حراك كل بلد في حدود سماح الأنظمة التابعة بل التي تقوم بدور الإمبريالية على وطنها خدمة للإمبريالية. ربما لا يمكن لأي عروبي أن يذكر هذا التواطؤ طالما هو في هذا القطر أو ذاك.
وحدها اليمن خرجت على إجماع قريش لاغتيال محمد ولكن علياً خرج عن إجماعهم فهل كان ذلك جنوناً!
ووحده ذو العمامة فعل ما يمكن أمام إجماع لم يبق بين ظهر الرجل وخناجرهم سوى مسافة ثوانٍ.
د. هشام أكد في ما كتبه مقولة لينين في القسيس بيركلي: “وهكذا يعود القسُّ قِسّاً”.
وللأسف أجدني مضطراً لوضعه في موقف أدورنو من الثورة الطلابية 1968، وهو الذي حاضر للثورة وحينما حصلت اتصل بالشرطة وسحبوا تلميذه كوهين بنديت من أمامه، ونظر إليه الطالب ولم يتكلم اياً منهما. وربما لذا توفي أدورنو بعد عامين! ندعو ل د. هشام بطول العمر إن كانت لدعوات البشر دور في القدر. كما أتذكر سقوط الراحل د. جلال صادق العظم من الماركسية إلى الطائفية السُّنية!
مسالتان شدَّتا د. هشام:
الأولى: عدم مغادرة الوضع الطبقي
والثانية: وهي تخدم الأولى وهي ثقافوية الرجل وليس ميدانيته تأكيداً بأن الصراع الوطني والطبقي والقومي مادته الطبقات الشعبية التي هي غالباً مولِّدة الغواريين/ات.
حينما كان البلاشفة يشعلون الثورة 1917 كان مكسيم غوركي وعديد المثقفين الروس يشربون الفودكا في المقهى ويهزؤون بالعمال والفلاحين الفقراء والجنود المسرحين الذين يقودهم البلاشفة والحزب الإشتراكي للفلاحين.
وبعيداً عن حديث د. هشام، لا بد من ملاحظتين:
الأولى: من يدري إن كانت حماس حقاً لم تستشر أحداً! وهذا متروك للزمن وأخشى أنها استشارت وبعد ذلك خُذلت ولكن في فمها ماء وقد يتحول الماء إلى حجر صُوَّان.
والثانية: لقد كتبتُ منذ سنوات أنه في المناخ الحالي الأفضل أن يكون النضال:
- عملية مسلحة محدودة بين شهر او أكثر لإبقاء القضية حية وعدم إهلاك أهل الأرض المحتلة والإصرار على التحرير والعودة وتحقيق ذلك.
- بالتعبئة لتغيير الواقع العربي تمهيداً للتحرير عروبياً
أما وقد كانت موقعة 7 تشرين فالموقف معها. وهكذا كان موقف ماركس من كميونة باريس، حين حصلت وقف معها. (ناقشت بعض هذه الأمور في كتابي “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة” المطبوع في عمان بجهد الرفيق د. عصام السعدي وتبرع مجانا من الرفيق خالد حتّر مشكورين.)
ملاحظة 1: تُرى هل خطط اليهود لمئة عام في موقفهم من هتلر وهل فكّر أو توقّعَ اليهود طبيعة رد النازية الوحشي الذي كان بالمحرقة؟ ألا يلاحظ د. هشام أن الكيان يفتخر بمقاومة اليهود للنازية ولا يبكي ولا يندم.
ملاحظة 2: نحن في الأرض المحتلة أمام المذبحة لا ننام ولا نأكل ولا نداعب طفلاً دون أن تكون أمامنا صورة المذبحة في غزة.
✺ ✺ ✺
ما سيناريوهات جبهة جنوب لبنان في ظل هدنة محتملة في غزة؟
العميد د. أمين محمد حطيط
رغم المماطلة والمراوغة، والتعنّت «الإسرائيلي» الظاهر فإنّ الهدنة التي تسعى إليها أميركا في غزة باتت كما يبدو قريبة دون أن تصبح مؤكدة. وهي هدنة تريدها أميركا قبل شهر رمضان المقبل بعد أسبوعين لأكثر من اعتبار، وتحتاجها المقاومة لأسباب إنسانية تتعلق بوضع السكان في القطاع ولكن ليس بأيّ ثمن، وتستفيد منها «إسرائيل» في وجوه عسكرية وسياسية شتى. ومع ذلك فإننا لا نغفل العوائق والتعقيدات التي قد تفشل المسعى بيد «إسرائيلية»، أو قد تمنع الوصول إليه إذا كانت الهدنة من أجل تجريد المقاومة من ورقة ذهبيّة دون مقابل يعوّل عليه استراتيجياً وسياسياً وإنسانياً. وفي النتيجة فإنّ الهدنة العتيدة احتمال قويّ لكن قبل أن يُبرم الاتفاق حولها لا يمكن اعتبارها أمراً حتمياً، ولذلك نجد المعنيين «الإسرائيليين» بأمر الميدان يردّدون عبارة «إذا تمّت الهدنة….» لأنهم يدركون انّ الوصول إليها ليس حتمياً مع وجود نتنياهو وبن غفير.
ومع احتمال الهدنة، ورغم ما ذكر، هو احتمال قويّ مرجّح برأينا، سيطرح السؤال عن مستقبل أو وضع الجبهات المساندة عامة وجبهة الجنوب اللبناني بخاصة، طرح تستوجبه مواقف المسؤولين «الإسرائيليين» في المستويين العسكريّ والسياسيّ والتي كان آخرها بالأمس كلام وزير الحرب الصهيوني الذي قال «سنكثّف إطلاق النار في الشمال حتى لو أبرمت هدنة في غزة إلى أن يستسلم حزب الله».
بداية لا بدّ من التأكيد على استراتيجية «إسرائيل» الثابتة في رفض التعامل مع منطق «وحدة الساحات» و»ترابط الجبهات» المقاومة وإصرارها على التعامل مع كلّ جبهة بمفردها في سياق سياسة «الاستفراد» والشرذمة الذي تعتمده ضدّ الفلسطينيين والعرب منذ أن اغتصبت فلسطين وأقامت كيانها غير الشرعي فيها. لذلك ومن منظور استراتيجي لا ننتظر من «إسرائيل» إقراراً بمنطق «وحدة الساحات وترابط الجبهات» لأنّ هذا الإقرار يناقض كما قدّمنا جوهر وعمق الاستراتيجية «الإسرائيلية»، وبالتالي يكون موقف وزير الحرب «الإسرائيلي» منسجماً مع استراتيجية كيانه، وعليه يكون مرجّحاً أن تستمرّ «إسرائيل» إذا تحققت الهدنة وبدأت بالسريان في قطاع غزة، أن تستمرّ بعدوانها على الجبهة اللبنانية تحديداً والقيام بما من شأنه أن ينكر وجود مسرح عمليات المقاومة الواحد ويثبت عدم الترابط بين الجبهتين (غزة والجنوب اللبناني) تاركة أمر جبهة اليمن لأميركا التي تحمل العبء بدلاً من «إسرائيل» وتراقب جبهة العراق التي تستمرّ على ما آلت إليه من تجميد فرضته اعتبارات خاصة بها.
إذن من الوجهة الاستراتيجية الإسرائيلية، يمكن القول بأنّ ما سيجري على قطاع غزة من هدنة، إن حصلت، لن ينسحب على الجنوب اللبناني، ما يطرح سؤالاً أساسياً كيف سيكون الوضع الميداني على جبهة الجنوب وما هي مدلولات التهديد والوعيد الإسرائيلي في هذا المجال.
في الإجابة نقول إنّ جبهة الجنوب فتحت من قبل المقاومة في لبنان لتكون جبهة إسناد لغزة، وبالتالي فإنّ هذه الجبهة ومن وجهة نظر المقاومة تبقى على ارتباط بالجبهة الرئيسيّة حركة وفعلاً أو سكوناً وخموداً، أيّ انّ المقاومة لن تبادر الى أعمال قتالية على هذه الجبهة إذا توقفت الأعمال القتالية في غزة بهدنة او بوقف إطلاق النار.
بيد أنّ الأمر يكون خلاف ذلك إذا قام العدو بعد التزام المقاومة بالهدنة ووقف عملياتها في الميدان بتنفيذ ما يتوعّد به من تكثيف لإطلاق النار على لبنان. هنا سينقلب الوضع وتتحرك المواجهة وتغيّر هويتها وطبيعتها وتغادر مهمة «الإسناد» الى مهمة الدفاع. وهنا يعرف «الإسرائيلي» بأنّ حرب الدفاع تختلف في قواعدها وأحكامها وأساليبها عن حرب الإسناد المقيّدة. وهنا أهمية التذكير بما قاله الأمين العام وقائد المقاومة في لبنان «بتوسّع منوسّع»، أيّ أنّ المقاومة جاهزة للردّ على أيّ تصعيد بتصعيد مماثل من شأنه أن يبقي في ثباتها معادلة الردع الاستراتيجي الفاعل.
وفي هذ الإطار يأتي إسقاط المقاومة لمُسيّرة العدو «هرمز 450» في اليوم التالي لإطلاق وزير حربه غالنت تهديده ليكون بمثابة ردّ أوّلي على التهديد ويضيف جديداً إلى ما كان سبقه من زجّ المقاومة لأسلحة جديدة في الميدان من قبيل صواريخ البركان والماس وسواها ضمن استراتيجية التدرّج في إظهار القدرات عملاً بقاعدة «دائماً لدينا جديد ونحتفظ بالمزيد». وربطاً بكلّ ذلك فإنّ جبهة الجنوب في حال توقيع هدنة في قطاع غزة ستكون وفقاً لتهديد العدو عرضة لإعمال واحد من سيناريوات ثلاثة، كالتالي:
1 ـ السيناريو الأول: انسحاب ما سيجري في غزة على جبهة جنوب لبنان واعتبار المواقف الإسرائيلية بمثابة تهويل وحرب نفسية من أجل ممارسة الضغوط على لبنان لدفعه للقبول بالحلول السياسيّة التي تريح العدو والتي جاءت الورقة الفرنسية كنموذج من نماذجها، ما يعني أنّ الأعمال القتالية ستتراجع بشكل ملحوظ مع بقائها في حجم وقدر يكفي لممارسة هذه الضغوط.
2 ـ السيناريو الثاني: إبقاء الجبهة مشتعلة وفقاً لما هو عليه الوضع الآن، ولكنها تحرّك بمبادرة من العدو الذي سيقوم باستهداف مواقع وأهداف محددة ويدفع المقاومة للردّ دون أن يكون في الأمر تغيير لقواعد وقيود اعتمدت منذ بدء المواجهة. وهنا ستقوم المقاومة بالردّ عملاً بقاعدة التماثل دون تدحرج الأمور إلى أبعد.
لكن السؤال هنا يكمن في معرفة ما ستحققه «إسرائيل» من هذا الوضع أكثر من تأكيدها على فصل الساحات، لأنها ستواجَه بالردّ عند كلّ عدوان وسيكون الردّ متوازناً مع العدوان، وسيبقى المشهد على الأرض على حاله خاصة لجهة النازحين.
3 ـ السيناريو الثالث: توسيع العدو عملياته وتكثيف النيران داخل وخارج بقعة العمليات المحدّدة منذ بدء المواجهة دون أن يتطوّر الوضع إلى غزو بري، خاصة أنّ المواقف الإسرائيلية حصرت الموضوع بالنيران دون الإشارة تلميحاً او تصريحاً الى مناورة برية ودون القول بالسعي الى تدمير المقاومة. واكتفت «إسرائيل» مسكونة بخشيتها مما هدّدها به قائد المقاومة من تهجير مليوني مستوطن والوصول إلى أيّ نقطة في فلسطين المحتلة من كريات شمونة إلى ديمونا، اكتفت في معرض تهديدها بأمرين الأول تكثيف النار والثاني السعي لاستسلام المقاومة، وإذا كان الأول ممكناً وسيواجَه بردّ يماثله فإنّ الثاني يبقى هدفاً – حلماً يعرف العدو استحالة تحققه، لكنه يلوّح به في سياق ممارسته غطرسة وعنجهية فارغة لا تغيّر حقيقة المشهد في الميدان.
وبين هذه السيناريوات ومعطوفة على شهية العدو للذهاب الى حرب مفتوحة يورّط بها أميركا ويفشل أو يحاول أن يفشل السعي لحلّ مسألة تبادل الأسرى مع تملّص من فكرة الهدنة الطويلة القابلة للتجديد والتمديد حتى تصل الى وقف الحرب، آخذاً كلّ ذلك بالاعتبار، نقول إنّ المقاومة لن تهدي العدو ما يرضيه ولن تتنازل عن معادلة الردع الاستراتيجي الفاعل ولن تجرّ الى حرب مفتوحة من جهة، ومن جهة أخرى لن تدع عدواناً يمرّ من غير ردّ، لذلك بين السيناريوات المتقدّمة سيكون الخيار الفعلي واقعاً بين الأول والثاني مع ترجيح للأول دون استبعاد الثاني حتماً…
:::::
“البناء”، بيروت، 2024-02-27
✺ ✺ ✺
نورمان فينكلشتاين: «لعنة» دماء غزّة
سعيد محمد
كأنّه سيزيف معاصر! يستمر البروفيسور اليهودي الأميركي نورمان فينكلشتاين (1953) في مقارعة باطل «الصهيونية»، دافعاً صخرة حقيقة الأيديولوجيّة الناظمة لوجود الكيان العبري الملفّق وفلسفة ممارساته المتوحّشة إلى أعلى قمّة جبل اصطناعيّ هائل بنته الإمبريالية الغربيّة من مراكمة قمامة البروباغاندا والتضليل. كلّما هوت تلك الصخرة، عاد هذا النبيل متحاملاً على آلامه الكثيرات ليحملها فوق كتفيه مجدداً، لعلّ بقية من عقلاء في هذا العالم تتنبه إلى خطورة أن تكون هناك «إسرائيل». رغم أنه ليس متخصصاً في القانون، إلا أنّه أصبح منذ بعض الوقت محام أوّل عن غزّة، يطوّع قدرته الفائقة على التحليل والتدقيق الأكاديمي الصارم لنسج سرديّة مضادة لأكاذيب الصهيونية تبدّد ستراً من دخان كثيف ينفثه أكاديميون ومثقفون متصهينون تموّلهم السلالات المتواطئة، بينما تعجز الغالبيّة، كما ديدنها، عن إدراك أبعاد الصورة الكليّة بكل تعقيداتها وتشابكاتها.
كتابه الأحدث «المنهج والسّعار: الأبعاد الخفيّة للاعتداءات الإسرائيلية على غزة» الذي تزامن صدوره في تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي مع انطلاق العدوان الإسرائيلي الحاليّ على القطاع، نذير صريح بأنّ لجوء الكيان العبري إلى حروب التوحّش ليس أمراً انفعاليّاً أو مرحليّاً، بقدر ما هو نهج متعمّد، عابر للحكومات يمينها ويسارها، وغايته تصفية قضية الشعب الفلسطيني، وتخريب كل ما من شأنه أن يسمح بأي صيغة تسوية معه، ولو بشروط تضمن ديمومة بقائه مغروساً في قلب الشرق العربي. بعد أشهر على صدور الكتاب، يمكننا التيقّن من صحة مرافعة مؤلفه ودقة قراءته لمنطق المشروع الصهيونيّ عبر مضاهاته بحرب الإبادة التي تواصل القوات الإسرائيلية شنّها ضد الفلسطينيين، ولا سيما استهدافها الأطفال والشبان، هؤلاء الذين اعتبرهم فينكلشتاين سرّ غزّة الذي يقض مضاجع القادة العبريين، وأيضاً ذاك التعنّت الصلد ضدّ كل دعوات وقف إطلاق النار، أو مشاريع التسويات السياسية «السلميّة»، ولو طرحت من قبل حلفاء الكيان وطاقم الدويلات المتواطئة معه.
قبل «المنهج والسّعار»، كان فينكلشتاين قد وضع سجلاً تاريخياً موثقاً صدر في 2021 بعنوان «غزّة: تحقيق في استشهادها» عن الحروب الإسرائيلية المتكررة ضد قطاع غزّة في العقد السابق. حروب ترتقي منفردة وفي مجموعها إلى مستوى كارثة من صنع الإنسان، ليس في طول أمدها وقسوتها المفرطة فقط، بل أيضاً في اقترافها علناً، في وضح النهار، على مرأى ومسمع وتواطؤ كثيرين بمن فيهم حرّاس ما يسمّى بالقانون الدولي، من منظمة العفو الدولية، و«هيومن رايتس ووتش»، إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذين خذلوا غزة وشهداءها إلى درجة تلاشت فيها الفروق بين المرتكبين والمتغافلين. السرد الشامل لأهوال عمليّات «الرصاص المصبوب» و«عمود السحاب» و«الجرف الصامد»، ومحاكمتها من الناحية القانونيّة، جعلت من هذا الكتاب الرواية الأكثر موثوقيةً لهذه الصفحة من تاريخ التوحش الصهيوني، ونصباً تذكاريّاً خالداً لأرواح الآلاف من الأطفال والنساء والرجال الذي ذهبوا ضحيّتها.
على أنّ أهم كتابات فينكلشتاين التي تضيء على جزء من المشهد اليوم بعد انطلاق جولة حرب الإبادة الأحدث ضدّ غزّة، هو نصّه «لقد أصبحوا يعرفون الكثير: لماذا تتجه العلاقة الرومانسيّة ليهود أميركا إلى الاضمحلال؟» (2012). حلّل هنا إرهاصات تحولات الرأي في أميركا، بخاصة في أجواء الجالية اليهوديّة هناك كما في جميع أنحاء العالم، ضد الكيان العبري، وما تسببت به حلقات الإبادة الجماعية المستمرة ضد الفلسطينيين من أضرار للصورة الرومانسيّة عن الـ «يوتوبيا» العبرية التي طالما روّجت لها الحركة الصهيونيّة. وخلافاً للتغطية الإعلامية، يُظهر فينكلشتاين كيف تم التلاعب بيهود أميركا والعالم طوال عقود للحصول على دعمهم، وتوفير الغطاء للجرائم التي ترتكبها السلطات الإسرائيليّة بحق سكان الشرق العربيّ، فيما تواصل تلك السلطات تكريس منظومتها داخل الأراضي التي تحتلّها كأحد أبشع أنظمة الفصل العنصريّ في التاريخ.
في وقت ما، كان فينكلشتاين ـــ في انتقاده المنتظم والمهنيّ للدولة العبريّة ـــ أقرب لأن يكون استثناء بين يهود أميركا. دفع لذلك ثمناً كبيراً نتيجة حرب شاملة شنّها عليه اللوبي الصهيوني، على أنّه اليوم في قلب تيّار عريض، بينهم جيل جديد يعرف الكثير عن معاناة الفلسطينيين، ويدفع باتجاه التملّص من ارتباط مخجل بسعار القتل الذي استحكم بالمشروع الصهيوني. لا عدالة في هذا العالم، لكن يبدو، أقلّه في ما يرى فينكلشتاين، أنّ دماء شهداء غزّة ستكون لعنة على القتلة.
:::::
“الأخبار”، 24 شباط 2024
________
تابعونا على:
- على موقعنا:
- توتير:
- فيس بوك:
https://www.facebook.com/kanaanonline/
- ملاحظة من “كنعان”:
“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.
ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.
- عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
- يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org
