السنة الرابعة والعشرون – العدد 6738
في هذا العدد:
■ م.ق.ا.و.م.ة. .ا.ل.م.ق.ا.ومة (2)، عادل سماره
- حين تقاوم ال.م.ق.ا.و.م.ة نفسها…يحلُّ البَوْح
- لا يجوز لها المساهمة في المساكنة
■ تساؤلات حول مسرحيات الإنزال الجوي، باسم داغر
■ من فمك أدينك يا “إسرائيل”، رشيد وحتى
✺ ✺ ✺
م.ق.ا.و.م.ة. .ا.ل.م.ق.ا.ومة
(2)
- حين تقاوم ال.م.ق.ا.و.م.ة نفسها…يحلُّ البَوْح
- لا يجوز لها المساهمة في المساكنة
عادل سماره
في قراءة أسباب المساكنة بين الشعب العربي والأنظمة لا يستطيع المرء سوى البدء بالأساسيات وأهمها:
· إن ال.م.ق.ا.و.مة بكل شرفها لا تكفي إن لم يكن لها ظهير شعبي. وقد كتبت عن هذا منذ فترة طويلة، واليوم وقد آن الأوان أنظروا كيف يقف الشارع الصهيوني وراء قيادته؟ بينما مآت الملايين في صمت القبور والقلوب المرتاعة.
· إن تعداد اسلحة ال.م.ق.ا.و.مة و حتى لو كان كله صادقاً فقد يكون له مفعول عكسي بحيث تقول الناس: ال.م.ق.ا.و.مة بخير ووحدها تكفي، فيا ايها ألناس…ناموا وتناسلوا.
تذكرت حينما كان الصهاينة يبنون اقتصادا وجيشاً كان الفلاحون الفلسطينيون قبيل احتلال 1948في موسم النبي صالح يحتفلون ويقولون: “ما شاء الله وجه المفتي مثل الطربوش الأحمر”
· إن فقدان شارع المقاومة ناتج عن مخطط خبيث لثلاثي الثورة المضادة هدفه تفكيك العمق القومي واقتلاع القضية من عروبتها.
· إذا كانت الأنظمة العربية خانعة، وهي كذلك، فإن تضخيم المستوى الإسلامي حكوماتيا، ولا أقصد إيمانيا يوفر عذراً للأنظمة العربية ومثقفيها القدماء ويشجع جدداً على التزلف لها لإعماء الجماهير.
· إن ترويج الأنظمة للحلول الشكلانية ودورها كوسيط والصمت عن ذلك هو تقويض للقضية وبوعي.
على ضوء توضيح الأساسيات تجدر قراءة تفكير وأداء وسلوك قيادات ال.م.ق.ا.و.م.ة. وفي هذا الصدد تحضرني درجة استماعها لمن ليس من عناصرها وهذا ليس تقليلا من كفاءة المخلصين والقديرين منهم، ولكن ليس شرطاً أن يتم الانحصار في ما يرون. ولنأخذ ثلاثة مسائل هامة كمجرد أمثلة:
1) التطبيع
إنه استدخال الهزيمة ودمج الكيان في الوطن العربي اندماجا مهيمناً، وها هو يتجسد وخاصة منذ يوم 8 تشرين وأخص يوم 11 نوفمبر باجتماع أل 57 نظاما في حضن السعودية وترجيهم الذليل للعالم بأن ينقذغزة. لقد كتبنا عن هذا منذ عقود، ولم تأخذ المقاومة بهذا سوى منذ بضع سنوات! لماذا؟ ولذا بقي الحديث عن التطبيع ضمن مستوى الأنظمة والقوى المهادنة واللبراليين ولذا لم يؤثر على الطبقات الشعبية قطعاً.
نقول هذا لأن كلمة ال.م.ق.ا.و.مة ضد التطبيع اشد اثراً من تغنجات مثقفين/ات لبراليين متخارجين منشبكين يؤدون ما تطلبه الأنظمة ومنظمات أنجزة تخدم مموليها.
2) وماذا عن التنمية؟
أيضاً منذ عقود ونحن نكتب عن وجوب التنمية بالحماية الشعبية وهي التي لا تقوم بها الأنظمة بل تقوم بها القوى السياسية الاجتماعية وترغم الأنظمة على تبنيها. ال.م.ق.ا.و.م.ة ليست بالسلاح فقط بل لا بد من مرافقة ذلك بانخراط .ا.ل.م.قا.و.مة الشعبية الاقتصادية التنموية والثقافية فيها وهذا ما كتبنا عنه على الأقل منذ انتفاضة 1987 ولا من يسمع!. ولكن لا الفلسطينيون قاموا بذلك ولا اللبنانيون، بل مؤخراً أخذ حزب ذي العمامة في الحديث عن هذا بعد أن انهار الاقتصاد في لبنان!
الطابور السادس الثقافي
ولعل قطر ودوحتها هي مدرسة هذا الطابور والذي تولى أمره عزمي بشاره وقد حذرت منه منذ عام 1994، وكنت أعرفه ولم يكن الأمر كراهية شخصية كما يزعم السطحيون أو المثقفون وفتى المحرقة الذين تلاعب بهم فخجلوا أو خافوا الكتابة ضد هذا التيار! وبعضهم دعاه إلى الدوحة وذهب…والله أعلم.
ورغم وصول كل ما كتبت أنا وغيري إى أنه لا دمشق قرأت ولا الضاحية سمعت حتى أعلن بشارة وجوب سقوط سوريا. ولكن، بعد أن اتسع هذا التيار وتجذر إلى درجة أن جامعات في الأرض المحتلة تٌديرها أموال قطر وتشتري محاضرين وطلبة وخاصة من كانوا يساراً. بالمناسبة شاهدوا حديث عن 7 تشرين، حتى وهو يزعم انه معه الحدث لكنه لا بد أن يقتنص لحظة لضرب سوريا لنهش سوريا من جهة والترويج للديمقراطية اللبرالية الغربية المتوحشة بعد خمسة اشهر على المذبحة.
وماذا منذ 7 تشرين الأول 2023؟
وهذا اساس هذا الجزء من المقالات، وهنا أطرح سؤالين للتفكير لأن الإجابة عليهما ليست سهلة اليوم :
السؤال الأول: هل أعلمت حماس أحداً بما قررت القيام به؟
حتى الأن الأقوال لا. ولكن من يدري؟ فربما أعلمت وإما رفض الآخرون الموقف أو وعدوا وحينما رأوا اتساع الحدث ورد فعل ثلاثي الثورة المضادة تحفظوا وتراجعوا! وعليه، يبقى هذا الأمر قيد الزمن لأنه ربما في فم حماس ماء. ولكن هذا الغموض فتح الباب لأعداء 7 تشرين كي يُجرِّموا يوم 7 تشرين واتسع نطاق مؤيديهم من إعلام ومثقفي الطابور السادس وإعلام الأنظمة مما وضعنا في موقع الدفاع بدل الهجوم.
والسؤال الثاني وهو الأهم: لماذا لا تقوم ا.ل.م.ق.ا.و.مة أو المحور بالتحريض علانية ضد الأنظمة العربية والإسلامية، رغم أنني اعتبر لصق الأنظمة الإسلامية وجمهورها المُتعب عبئاً لا رصيدا لأن لا أحد يسمع هناك باستثناء البعض. والسؤال تحديداً لذي العمامة حيث أن نصف لبنان معادٍ، ولن يتغير بالهدوء والرصانة!!!!
دعونا نستدعي تجربة عبد الناصر. ففي الفترة التي كان يشن حربا كمبادرة أو كردٍ على الأنظمة الرجعية التي خلقها الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، بل هي ساهمت في بناء الكيان، كان الظهير الشعبي له في أعلى الدرجات، ولكن الخلل كان في ضعف الحوامل الحزبية لهذا الظهير سواء في مصر أو مختلف الأقطار العربية ومن الخطل نسب ضعف الظهير لأخطاء الرجل فكل مواطن من المحيط إلى الخليج، ناهيك عن كل حزب، مسؤول عن ان يكون ظهيرا ومنظماً. وها هي الحوامل هامدة اليوم.
وحينما قرر عبد الناصر الاستعانة بالأنظمة العربية نفسها وخاصة في مهرجانات مؤتمرات القمة فقد صغَّر نفسه إلى مستوى قاماتها الوضيعة ودفع الإعلام النقدي والثوري للصمت وحتى صمت الإعلام التحريضي بصراخ كتجريه الراحل أحمد سعيد، وحينها قفزت هذه الأنظمة على عنق عبد الناصر وتلقفت أمريكا دعوة الملك فيصل بتدمير مصر وهو هدف لم يغب ابدا عن اية إدارة أمريكية، وهكذا حصل.
وهنا يواجهنا السؤال الصعب: لماذا يصمت المحور عن هذه الأنظمة وها نحن في الشهر الخامس للمذبحة؟ وإذا كان يراهن على اي تحرك ولو وضيع منها، ألا تكفي خمسة أشهر من المذبحة ليفهم المحور أن مهادنة هؤلاء هو تدعيم للعدوان وانتحار للمحور؟ ولسنا هنا بصدد سؤال المحور: أليس من التقزيم للوعي العربي مواصلة لصق العراق ب.ا.لم.قا.و.م.ة؟ وعلى الأقل نفط العراق يذهب ريعه لأمريكا وهي تنفق على القاصر العراقي الصغير!
ما هي القناعة التي تلجم المحور من الذهاب إلى المواجهة على الأقل بالخطاب الإعلامي؟ من هي القوة التي تلجمه؟
قاد هذا الصمت إلى ترسيخ المساكنة الثلاثية بين الأنظمة والقوى والشعب فحصل الموات إلى جانب طوابير الشهداء والجرحى والجوعى والمرضى في غزة والضفة الغربية. وهل حلمت الأنظمة بأفضل من هذا الصمت؟
خطورة هذا الصمت ليست ضارة بهدا اليوم وحسب، بل هي تؤسس للاستسلام الشامل من المحيط إلى الخليج لاحقاً، فما اسعد الثورة المضادة بهذا؟
وحدها اليمن التي جسدت التماسك الثلاثي بين السلطة والمقاتلين والشعب، ولذا وحدها اليمن التي تجرأت على فتح نار الإعلام ضد الأنظمة العربية والإسلامية وعرَّت هذه أل 57 نظاماً.
ولعل ما يزيد لجم المحور وجود ذلك الفريق من المحللين الذي يرددون وصف امريكا والكيان ومديح ال.م.ق.ا.و.م.ة حتى الغزل وهذه يعرفها حتى الأغبياء! ولا يجرؤون على فتح النار على الأنظمة وصولا إلى حرب الشعب لتحريك الشعب العربي ولو بإحراجه.
مضحك أن يصل بعض هؤلاء تدريجيا وبحذر في توجيه القصف ضد الأنظمة وكأنه ملجوم ايضاً وينطق في حدود ما يسمح له لجام المحور! (مثل حصان المتنبي في قصيدة الحُمَّى).
بقي أن يعلم المحور أن المطلوب محور ثوري وليس وطني فقط، محور قومي وليس قطري فقط.
وأخيراً سنبقى ضمن التحشيد والمواجهة مهما تأخر كشف اسرار الصمت على الثورة المضادة.
✺ ✺ ✺
تساؤلات حول مسرحيات الإنزال الجوي
باسم داغر
كاتب فلسطيني
اختتمت مسرحيات بعض الأنظمة العربية وغيرها في عمليات الإنزال الجوي من سماء فلسطين المحتلة (بإذن اسرائيلي مشروط) بإلقاء بعض فتات من الطعام على قطاع غزة المنكوب والتي جاءت بالتزامن مع عمليات قصف الطائرات الاسرائيلية بالقنابل والصواريخ ضد أبناء قطاع غزة
في البداية يجب توجيه كل الشكر والتقدير لكل من ساعد و لا يزال يقدم المعونة بكافة أنواعها واشكالها للشعب الفلسطيني ومن اية جهة كانت بقصد مساعدته على الصمود ودون استغلال لمعاناته
بعد عرض مشاهد الإنزال الجوي للمساعدات على قطاع غزة وما صاحبه من تهريج وتمسيخ (من مسخ) للوعي والقيم والحقائق
يتساءل البعض وربما الأغلبية عن حقيقة وأهداف هذه المساعدات والطريقة التي تمت بها وتوقيتها وعن المستفيد الحقيقيّ منها وهل ستستفيد (اسرائيل) وتوظف سماحها للدول والجيوش العربية وغيرها بتلميع صورتها وخصوصا أمام محكمة الجنايات الدولية؟
وهل هي موافقة ضمنية على استمرار الحصار والإبادة الجماعية وتكريس سيطرة دولة الاحتلال على كل الحدود البرية لفلسطين المحتلة؟
لا يحتاج المرء إلى كثيرا من الذكاء لفهم مغزى هذه المسرحيات فالآن أصبح كل شيء مكشوفا لا بل عاريا وان تغطى بلبوس الإنسانية أو الأخوة أو الوطنية أو الدين
فالحصار والتجويع والإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي يمارس بفظاعة غير مسبوقة ضد الشعب الفلسطيني من قبل الاحتلال الاسرائيلي وحلفاؤه مستمرة ومتصاعدة منذ خمسة شهور ولم يتحرك أي نظام عربي لنصرة الشعب الفلسطيني وفك الحصار عنه أو محاصرة (اسرائيل) لا بل قامت بعض الأنظمة العربية بتزويد الكيان الصهيوني بالغذاء وموارد أخرى لشد ازر جنوده وطياريه الذين يقتلون المدنيين في قطاع غزة ويهدمون بيوتهم
كما لا يوازي او يعادل ما ألقته الطائرات الأردنية على قطاع غزة بما فيه من غرق في البحر ما قدمه الأردن من صادرات إلى الكيان الصهيوني منذ بداية العدوان الاسرائيلي الأخير على قطاع غزة
اذ يحتل الأردن المركز الثاني عالميا كأكبر مصدر للخضار والفاكهة إلى الكيان الصهيوني بعد تركيا أثناء عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المستمرة إلى الآن في قطاع غزة
ويتساءل الجميع عن حقيقة وماهية الانظمة العربية الحاكمة وأسباب وجودها واستمرارها وحدود قدراتها ودورها الوظيفي الذي انشأت لأجله
فماذا يعني قبول هذه الدول بإلقاء المساعدات من الجو إلى الفلسطينيين المحاصرين وخضوعهم لإرادة وقرارات الاحتلال بينما تمر اساطيلهم المحملة بالأطعمة والأجهزة والمعدات إلى الكيان الصهيوني الاستعماري عبر الحدود البرية لفلسطين المحتلة؟
فهل تحولت وظيفة الجيوش العربية أمام ما يحدث من مجازر وابادة وتدمير في فلسطين إلى مجرد جمعيات اغاثة (خيرية)؟؟
وهل هذه الدول والأنظمة السياسية الحاكمة وجيوشها تستطيع الدفاع عن أوطانها وحماية شعوبها؟؟
وهل هذا أقصى ما تستطيع فعله هذه الدول وجيوشها في هكذا ظروف؟؟
وهل هذا يعني هذا تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية إنسانية او ما دون ذلك (صدقات وزكاة فطر وخيام ودواء وأكفان)؟
فكيف يمكن التعويل على هذه الدول في المساعدة بتحرير فلسطين أو على الأقل إقامة دولة فلسطينية مستقلة على جزء من فلسطين المحتلة في الوقت الذي تنصاع فيه وترضخ أمام القرارات الاحتلالية بإغلاق حدود فلسطين كاملة بينما تستمر هذه الدول بعلاقاتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية مع دولة العصابات الاجرامية التي تحتل فلسطين؟؟
ولماذا يطلب من المواطن العربي ان يفرح ويصفق ويمدح ويهلل كما فعل البعض من إعلاميين ورجال دين وأشباه مثقفين ومهرجين وغيرهم بينما علم العدو مرفوع فوق سفاراته في عدة عواصم عربية تحميها جيوش واجهزة امن عربية
فهل هذا كي للوعي العربي أم مسخه؟
أم ان عمليات كي الوعي مقدمة ضرورية لمسخه؟
لقد قام المستوطن البولندي نتنياهو رئيس حكومة العصابات الارهابية الصهيونية (اسرائيل) منذ بدء العدوان على قطاع غزة بتوجيه نصيحة أو اوامر لبعض الدول العربية بأن تلوذ بالصمت أثناء قيامه بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني ومحاولة تصفية قضيته فكان له ما طلب وأكثر
قد يجد البعض من اصحاب الوعي الممسوخ نتيجة للخوف والتضليل (اعذار) او (مبررات) لعجز وضعف الدول العربية منفردة أو حتى مجتمعة في التصدي لإسرائيل التي تقف خلفها وأمامها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الأطلسي
ولكن ما هي مبررات استمرار العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية و (الاخوية) مع اسرائيل وحلفائها وهي تشن حرب ابادة ضد الشعب الفلسطيني؟
فهل القاء بعض صناديق الغذاء هو أقصى ما تستطيع عمله هذه الأنظمة في هذه الظروف والمحنة التي يمر بها الشعب الفلسطيني؟؟
وهل هذا أقصى ما يحتاجه ويطمح اليه الشعب الفلسطيني؟؟
✺ ✺ ✺
من فمك أدينك يا “إسرائيل”
رشيد وحتى
حتى عندما يؤرِّخ الصهيوني، فإنه لا يقدّم اعتذاراً أو أيّ أدنى أسف على جرائم اقترفها أسلافه بحقّ ضحاياه الفلسطينيّين بما أنَّه في صلب المؤسّسة الصهيونية ونتاج أيديولوجيتها. أقصى ما يمكن أن يفعله هو أن يقدّم جزءاً من الأرشيف الذي يحصل عليه بطريقة جافَّة لا تخلص إلى أنَّ «إسرائيل» ظاهرة كولونياليَّة آيلة إلى زوال. هذا بالضبط ما يقدِّمه كتاب «نهب الممتلكات العربية في حرب 1948» («مدار»/ المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ــــ ترجمة: أمير مخول ــــ تقديم: أنطوان شلحت) لآدَم راز (تل أبيب ــــ 1982) أصغر مؤرِّخ صهيوني، ابن الجيل الثالث من موجة المؤرِّخين الجدد.
فلسطينيون يخرجون من يافا في عام 1948
العمود الفقري للكتاب سرديةٌ تريد لنفسها أن تكون «موضوعيَّة» في جردها لعمليات النهب التي قام بها المستوطنون اليهود للأملاك المنقولة (دونَ غيرِها) في بيوت الفلسطينيين، لدى اقتلاعهم من مدنهم وبلداتهم إبان النكبة. يستند المؤرِّخ إلى أرشيف كبير جداً ومتنوع، يراوح بين قراءة وثائق أفرجَت عنها المؤسسة الرسمية الصهيونيّة والشهادة المروّعة عن وقائع نهب جماعي منظَّم، مع وضعها في سياق النقاش السياسي الداخلي لوقائع النكبة بين 1947 و1949.
هذا الكتاب هو الأشمل في موضوعه، بما أنَّ المؤرِّخ يكشف فيه عن اطّلاعه على أكثر من 20 مركز أرشيف داخل الكيان المؤقّت، من دون إغفاله مجريات النهب في أيِّ مدينة من مدن فلسطين التاريخيّة. لكن الأهم في ما يكشف عنه الكتاب هو أصداؤه التي تثبت أنّ المجتمع «الإسرائيلي» معَسْكرٌ بالكامل، فالتورُّط في النهب يشمل «المدنيين» كما المحاربين من بين الغزاةِ المستوطِنين، ليصيرَ النّهب سياسةً عامةً داخلية وخارجية، شملت (ولا تزال) الأراضي والبيوت، وشهدت سماحاً «قانونياً» في عمليات النهب الفرديّة كنهج سياسي يلتزم بتفريغ البلاد من سكّانها الأصليين.
من مزايا هذه الترجمة، أنّها لا تكتفي بنقل محتوى الكتاب من لغة إلى أخرى فحسب، وإنما توجّهها نقدياً إلى القارئ، عبر تنبيهه إلى محاذير ومنزلقات تقصَّدها المؤرخ. يقول مقدِّم الترجمة العربيّة أنطوان شلحت: «على الرغم مما ينطوي عليه هذا الكتاب من جهدٍ محمود وأهمية ملفتة، يلزم أن نمهّد لقراءته، سواء بالنسبة إلى القارئ الفلسطيني أو العربي، بالإشارة إلى أنه مكتوب من وجهة نظر لا تخفي أنها مؤدلجة صهيونياً، حيث يقرّ المؤلف منذ البداية بأن ما حدث في عام 1948 كان في قراءة الفلسطينيين نكبةً، لكنه في قراءته «حرب استقلال»، مثلما يقرّ بأن الحركة الصهيونية لم تكن حركة نهبٍ منذ نشأتها، وفي الواقع لا ينبغي أن يُنظر إليها على هذا النحو حتى بعد انتهاء «حرب الاستقلال». بكلمات أخرى، فإن محتوى هذا الكتاب هو كشف وقائع من الأرشفة الصهيونية، لكن من خلال النأي عن تفسير أو تحليل طابع هذه الحركة، وكذلك من دون مناهضة مُعلنة لها. بناء على ذلك، وجدنا أن أكثر ما يستدعيه تقديم نشر هذا الكتاب بترجمة عربية خاصة، هو استعادة حقيقة وجود صِيغ متنوعة ضمن سياق تحدّي أرشفة الصهيونية للأحداث المرتبطة بالنكبة».
من شهادات الكتاب الموثَّقة أيضاً، كتبت محارِبة في «كتيبة البلمَاح الثالثة» إلى والديها: «أحضرت بعض الأغراض الجميلة من صفد، فوجدت لي ولسارة فستانين عربيّين مطرّزين بشكل فائق الجمال، ربما سوف يلائمانِنا. كما أحضرت ملاعق ومناديل وأساور وخرزاً وطاولة دمشقية، وطقم فناجين قهوة رائعاً مصنوعاً من الفضة، وفوق هذا كله، فقد أحضرت سارة في الأمس سجادة فارسية كبيرة جداً وجميلة وجديدة تماماً. لم أرَ مثل هذا الرونق من قبل. مثل هذا الصالون في إمكانه التنافس مع أفضل صالونات أغنياء تل أبيب. على فكرة، هذه الورقة هي أيضاً تعود للعرب». إشارة أخيرة: يتغافل المؤرخ عن كون نهب المقتنيات مقروناً غالباً بنهب الأرواح، عبر الآلة التمهيدية لعصابات الشترن والأرغون والهاغانا وأنوية الجيش الأكثر حقارةً في العالم. وهي أولى معالم التأريخ «الموضوعية» التي تعزل السرقة عن الدماء المسفوحة أنهاراً، إذ لا يمكنك أن تكون مؤرخاً نزيهاً (مثل إيلان بابِهْ) من دون أن تتخلَّص من أسر الكيان الصهيوني بمؤسساته وسرديتِه «الوطنية».
كأنَّ وقائعَ النهب ذاتُها تحدث في غزَّة الآن، فقد تأسّس النهب (نهب المقتنيات والأراضي والبيوت والأعمار) مثلما تقول الصحافة العربية والدولية المتحررتان من التواطؤ كـ «رياضة وطنية إسرائيلية» منذ حملات الاستيطان الأولى في منتصف القرن التاسع عشر حتى آخر اجتياح حالي لتخوم رفح، على سائر أرض فلسطين من النهر إلى البحر. لكنَّ من سيعيد الأرض، سيعيدها بمسروقاتها!
::::
“الأخبار”، 2 مارس 2024
_______
تابعونا على:
- على موقعنا:
- توتير:
- فيس بوك:
https://www.facebook.com/kanaanonline/
- ملاحظة من “كنعان”:
“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.
ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.
- عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
- يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org
