ما معنى عودة ترامب اقتصادياً، د. عادل سماره

بناء على نشرات الأخبار لهذا اليوم، يبدو أن ترامب سوف يعود إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية مجدداً، وهي عودة في فترة تأزُّم السياسة اللبرالية الجديدة. يكتب كثير من الاقتصاديين في امريكا والغرب بأن تجاوز أزمة النيولربالية يجب أن يكون اعتماداً على حاملين:

·      التقشف

·      والاعتماد على المستحدثين    entrepreneurs وهو ما سنرى كيف تتحقق.

يُعزى إلى جون مينارد كينز أنه عالج أزمة الاقتصاد الرأسمالي بعد الكساد الكبير 1929، ولا سيما مسالة التضخم. كان هدفه وضع أسس استقرار النظام الرأسمالي والذي ليس مستقرا بطبيعته.

كان يعتقد بضرورة تدخل الدولة. وكان كينز واضحًا جدًا في أن رأسمالية ما قبل الكساد كانت تعتمد بالفعل على الأسواق الاستعمارية لتحقيق الاستقرار في نفسها أي كان يرى أن العلاج في أن تستخدم الإمبريالية الأسواق الاستعمارية لتحقيق الاستقرار في نفسها أي استخراج الفائض على شكل مواد أولية لمنع اقتصادها من الضغوط التضخمية. وبعبارة أخرى، يتم التحكم في التضخم بسبب الاستعمار. بمعنى آخر تدفيع بلدان المحيط كلفة علاج اقتصاد المركز.  والحقيقة أن ما كانت تستخلصه الإمبريالية ليس الفائض بمعنى حصولها عليه في عملية اقتصادية عادية وحرة، بل هو وضع اليد على فائض تلك البلدان والكثير من الضروري، فلم يكن الأمر تبادلاً حراً.

هنا يهمنا الرد على الذين تخيلوا أن كينز بتركيزه على دور الدولة كان يساريا أو اشتراكيا، فهو لم يكن اياً منهما.

منذ بضع سنوات يدور طرح لدى الاقتصاديين الغربيين وخاصة القريبين من الكينزية فحواه: أما ولأن النيولبرالية وصلت طريقاً مسدوداً فلا بد من إحياء للكينزية، ولكن مع اختلاف، أن الحفاظ على الرفاه او العودة إليه ليس بالطريق الكينزي الكلاسيكي بل باتباع طرق تقشف. وهذا نقيض ذاك. ولكنهم حلوها بأن يُفرض:

·      التقشف في المحيط

·      للحفاظ على الرفاهية في المركز والتي هي جوهر الكينزية.

لكن هذا لم يعد ممكنا طالما دخل العالم مرحلة “ما بعد الاستعمار” أي ان الاستعمار بشكله السياسي والعسكري لم يعد سهلا. لذا يرون أن المدخل هو الضغط على صادرات بلدان المحيط بمعنى تخفيض اسعار ما تصدره إلى المركز وهذا المقصود بتقشف المحيط أي فرض التقشف.

هنا يمكننا الوصول إلى الخيط الذي يربط هؤلاء الاقتصاديين، مع أنهم غالبا من الحزب الديمقراطي، بسياسة ترامب هذا دون أن نغفل أن السياسة لدى الحزبين تقوم على المباراة الانتخابية وليس على السياسات الاقتصادية وإن اعتورتها تفاوتات هنا وهناك.

يعيدنا هذا إلى الثورة الصناعية التي بدأت في بريطانيا والتي هي باردة والعديد من المحاصيل الراعية الضرورية غذائيا لا تنبت فيها، لذا عوضت ذلك باستعمار المناطق الاستوائية وغيرها من المعتدلة مناخيا حيث المواد الخام والحبوب.

ولكن هل هذا ممكن اليوم؟

هذا ممكن كما أشرنا أعلاه عبر الضغط على منتجات المحيط إلى الأدنى مما يقلل مداخيل السكان يرغمهم على التصدير للمركز وهذا معنى فرض التقشف على المحيط.

على أن هذا يفتح على مسألة النفط الذي يلعب دور آلية مزدوجة عبر دور السعودية المسمى “المنتج الترجيحي” والقائم على حجة قيام السعودية بالحفاظ على التوازن الاقتصادي الدولي فتزيد الضخ حينما يحتاج السوق وتقلله حينما يُتخم.

ولكن هذه السياسة ليست مصدر تحكمها هي السعودية بل التنسيق، على الأقل، مع الولايات المتحدة. لذا نلاحظ أن اسعار النفط على الرغم من دخول أمريكا أكثر من حرب اي في أوكرانيا وإلى حد ما وسط افريقيا وقيادتها للعدوان الصهيوني وهي قيادة بالمعنى السياسي والعسكري والاستراتيجي إلا أن اسعار النفط لم ترتفع بشكل صارخ.

صحيح أن هذا لم يضع بلدان النفط في مأزق اقتصادي ولكنه قلل المداخيل مما أرغم السعودية على تغيير سياسة المساعدات للدول الفقيرة كما قال وزير خارجيتها في مؤتمر دافوس العام الماضي: “لم نعد نؤمن بسياسة الهبات بل نتحول إلى الإقراض” وهذا مثال على إرغام من تساعدهم السعودية على التقشف.

يقود تقشف بلدان المحيط إذن إلى قلة استهلاك المنتجات وبالتالي بيعها بأسعار أقل إلى المركز.

ولكن، ما العمل اليوم وكثير من بلدان المحيط هي نفسها تنتج صناعياً؟

هذا صحيح، ولكن كثيرا منها تصدر إلى الأسواق الأمريكية التي تُعتبر “سوق الملاذ الأخير”.

هنا يجب أن نأخذ بالاعتبار تنافس بلدان المحيط على التصدير مما يوفر للمركز فرصة مزدوجة:

الأولى: ان الشركات عابرة القوميات وهي غربية تستغل عمال المحيط الذي نقلت إليها مصانعها وبالتالي تحقق لٍ ال 1% من الأمريكيين أي الأغنياء جدا ارباحا هائلة

والثانية: يتم الضغط على اسعار منتجات المحيط لتدخل أمريكا بسعر منخفض فتتقشف الناس وبالتالي تتحسن معيشة سكان المحيط.

ماذا يعني هذا على ضوء الاحتمال القوي لعودة ترامب لا سيما وهو الذي تقوم سياسته على استرجاع الشركات الراحلة إلى المحيط ضمن سياسة متناقضة طبقياً:

فالشركات لا يُغريها سوى تقليص الضرائب وتخفيض الأجور وهذه سياسة ضارة بالطبقات الشعبية ولكن ترامب بحاجة لأصواتها وخاصة لأنها العدد الانتخابي الأكبر.

لذا، يقول ترامب علانية بأنه سوف يطرد عشرات الملايين من الأجانب الذي دخلوا أمريكا بشكل غير شرعي وبهذا يقلص البطالة التي هي رسميا 4% وعمليا قرابة الضعف وعليه يحصل على أصوات العاطلين أو نصف العاطلين عن العمل.  وفي الوقت نفسه قد ينجح في دفع الشركات أجورا أعلى للعمال مقابل تخفيض الضرائب عليها وبهذا يدمج بين:

الفوردية اي حصول العمال على مداخيل تنشِّط قدرتهم الاستهلاكية

والكينزية ولكن السلاحية: اي مواصلة الدفع باتجاه التسليح والنفقات الدفاعية لمواجهة الصين. ولذا منذ فترة رئاسته الأولى قام بالحرب الاقتصادية ضد الصين ولم يغفل احتمال الحرب العسكرية معها، وهذا بحد ذاته يشد عصب التيار الفاشي في أمريكا الذي يدعم ترامب. ويعزز قولنا هذا أن بايدن واصل نفس سياسة ترامب ضد الصين.

قد يتساءل البعض ولكن كيف يغطي هو أو غيره النفقات التسليحية الضخمة؟

وهذا يفتح للحديث عن مواصلة بيع النفط بالدولار حيث يواصل الطلب الدولي على الدولار رغم محاولات بريكس مغادرة استخدام هذه العملة. هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن امريكا تربح كثيرا من شراء كثير من الدول سندات الخزانة الأمريكية اي تعيد الدولار إلى السوق الأمريكية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن امريكا لا تزال تسيطر على عديد الدول التي توفر لها مواد خام رخيصة ومنتجات زراعية وحتى النفط كحال النفط العراقي الذي تقبض أمريكا ثمن بيعه وتُعيد للسلطة العراقية حصة تقدرها امريكا نفسها.

والسؤال: هل سياسات ترامب السابقة والتي سيطبقها في حالة عاد إلى السلطة هي سياسة كينزية، أي سياسة تدخل الدولة في الاقتصاد؟ بالطبع لا، بل ولكن تقوية دور الدولة في توجيه الاقتصاد وجهة اقتصاد حرب مما يسنح للدولة بتدخل من نوع مختلف بعيدا عن الكينزية وبعيداً أيضا عن النيولبرالية التي تقريباً حاصرت دور الدولة وصغَّرت حجمها البيروقراطي.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/