يتساءل المرء طالما أن قادة ورجال دين والغالبية الساحقة في الكيان يعتبرون الفلسطينيين حيوانات وبينما الفلسطينيون عرباً ومسلمين، فماذا يقول عرب “الديانة الإبراهيمية” هل يهود هذا الحلف يدخلون حقاً وقناعة ديناً مع الحيوانات؟ أم أن للحيوانات دور حيواني في هذه الديانة” أحجية تحتاج جواباً. وماذا عن تآخي الأديان! وأي إبراهيم ذلك الذي تقوم هذه الديانة على تعاليمه، يبدو أن إبراهيم متعدداً؟ أما المعروض فهو إبراهيم ترامب. ومع ذلك تتحالف انظمة 57 دولة عربية وإسلامية مع الفاشية الإمبريالية، كيف كل هذا الخليط وكيف يمكن تفكيكه؟ لا أزعم تفكيكه وحدي.
في هذه المرحلة من التاريخ الجاري تقع الرأسمالية المعولمة في أزمة بعد أخرى، ولذا، فالأزمات تدفع الرأسمالية إلى الفاشية أكثر ذلك لأن الفاشية جزء مكوِّن ومخفي في الرأسمالية تغطيه اللبرالية القديمة والتي لا شك أن النيو-لبرالية حلت محلها كامتداد طبيعي لها. كيف لا؟ ينزل المولود الطبيعي والإجهاض من الرحم نفسه. لذا، فإن رأسمالية العولمة الإمبريالية وصلت حدها فكان دفاعها فاشياً في المركز من امريكا إلى إيطاليا إلى المجر إلى تشيكيا إلى بولندا إلى دويلات البلطيق، إلى بريطانيا إلى ألمانيا والبقية أقل وضوحاً.
أظهرت حرب أوكرانيا هذه الحقيقة والتي للأسف لا يزال كثير من “اليسار اليميني” يتساءل: لماذا هذه التبعية الأوروبية لأمريكا؟ هذا وكأن أوروبا ليست الرحم الأول للرأسمالية وليست في أزمة. كما يجهل هؤلاء أو تحُول سطحيتهم اليسارية اي غير الماركسية دون الجرأة بل القدرة على التحليل الطبقي الحقيقي الذي يؤكد أن الطبقات الحاكمة المالكة في الغرب /أي الأوليغارشية لها مصلحة طبقية في هذه الحرب على حساب الطبقات الشعبية في نفس الغرب.
ولكي لا ندخل في تفاصيل أكثر فإن تحالفاً قائما منذ ما بعد هزيمة 1967 بين معظم، إن لم نقل الأنظمة العربية المحكومة بالكمبرادور وبين رأسمالية المركز المعولمة في تحالف سلطوي وطبقي بين المركز ومعظم بلدان المحيط وخاصة في الوطن العربي. وهو تحالف السيد والتابع.
كتب كثيرون وكتبنا بأن الوطن العربي خاصة تحكمه فاشيات متخلفة وكمبرادور رأسمالية /أي مروجين للمنتجات الأجنبية وتابعين طبعاً. وقد إتضحت أدوار هذه الأنظمة بعض الشيىء في سلسلة حروب عربية ضد بلدان عربية بهدف القضاء المبرم على العروبة منذ عام 1991 وحتى اليوم وخاصة في حروب قوى الدين السياسي منذ 2011 وحتى اليوم.
هذا إلى أن كانت موقعة 7 تشرين/اكتوبر 2023 التي أوضحت كل هذا التحليل بكل جلاء. نعم، فالحدث في غالب الأحيان أبلغ من اللغة وما على الفكر إلا أن يعتلي إلى درجة القدرة على التقاط الحدث وصياغته في فكر وبرنامج حقيقي ودقيق.
وقد يستغرب القارىء قولنا أن الأنظمة العربية والإسلامية إرتجَّت أكثر من الكيان لأنها على ثقة أنها عمَّمت المساكنة على القوى السياسية وعلى الجماهير عموما لتبقى هذه الأمم في حالة موات. وعليه، فإن هذه الأنظمة قد واصلت إصطفافها لصالح سيدها الإمبريالي ولا يخدعنَّ أحد نفسه أو غيره ببعض التصريحات من هذا السياسي أو ذاك بأن: المنطقة على شفير انفجار وحرب …الخ. لأن هذه أل 57 قد لجمت المنطقة، فكان توسيع الحرب هو من جانب الغرب المعتدي جميعه لصالح الكيان بينما تكفلت هذه الأنظمة بمواصلة اللجم. ولكن لجم ماذا؟ لجم حصان مخدَّر اصلاً.
قد يحتج على ما نقول المتعاطفين مع نظام ما عربي أو غير عربي من المسلمين، ونقول له، أنظر اليمن وقارن!
ولعل ما أوضح المسألة بكل الحسم هو مؤتمر الرياض 11 تشرين ثانٍ نوفمبر 2023 والذي ملخصه ترجي العالم ليترجى الكيان بأن لا يذبح كميونة غزة! وهوترجي مضمونه مواصلة المذبحة على ضوء تقسيم عمل فاشي بين فاشية المركز وفاشية تابعة لها من 57 نظاماً وهما فاشيتين لا تقتتلان كما كان في حربَيْ الإمبريالية الأولى والثانية، لأن فاشية ال 57 هي تابعة لا طالعة بازغة وذات قدرة تنافسية على حصة في السوق الدولي أي جغرافيا التقشيط والنهب والتبال اللامتكافىء سعيا لتكثيف التراكم، بل إن فاشية العرب هي متبرعة بالثروة للفاشية الغربية.
وهكاذ، بمقدار ما أنجز 7 تشرين أكتوبر إعادة الصراع إلى طبيعته الأولى بما هو تناقض تناحري فإن الثورة المضادة الرسمية الحاكمة العربية والإسلامية قد تمكنت من فرض المساكنة مع القوى السياسية والشعوب بمعنى لجم اي تحرك رافض حتى كلاماً. وتكاد تبكي حين يلجأ شارع عربي هنا وهناك لقرع الطناجر دعما لغزة!
لقد أتضح ونحن في الشهر السادس للمذبحة أن اشدنا تشاؤماً ونقدأ للأنظمة العربية خاصة قد أصيب بالدهشة بل بالصدمة لهول المؤامرة العلنية. ولكن دهشة الأمريكي كانت أعمق ومحمَّلة بالغبطة واسترداد الشعور بالقوة بعد الضربات المتتالية للغرب من قبل بريكس وغيرها.
كيف لا، والوطن العربي خاصة هو ساحة ثروات مستباحة للفحل الأمريكي وتوابعه من المليار الذهبي. وهذا ما أغرى وزير خارجية أمريكا أنتوني بلنكن ليصبح على حافة نقل مكتبه إلى القاهرة أو الرياض أو متنقلا بين اثنتين وعشرين جارية عربية يتنافسن على رضاه.
على أن ما اثار الضحك من رجوم الدمامة أن بلنكن طالما كرر الطلب بعدم توسيع الحرب!
أمر مضحك حقاً، فالحرب من جانب الغرب والكيان مفتوحة واسعة على مداها حتى الذبح المطلق، كما أشرنا. ويبدو أنه ايضاً مثلنا تخيل أن هناك بعض الأعصاب لدى حكام أل 57 نظاماً أو “شارباً يهتز”، إلى أن ادرك الحقيقة الممتعة، فلم يجد ضرورة للتكرارـ وأراحه أكثر دور بعض أنظمة أل 57 التي تعظ من يقاومون بالهدوء والتخفيف والتقيد بالتقيُّد! لا شك أن 7 تشرين قد : “أذابت الثلج وبان المرج”.
ربما كرر بلنكن الدعوة لعدم توسيع الحرب لأنه كما يبدو لم يتيقن من “صدق” أجهزة المخابرات وأدوات أمريكا السريين بأن الوضع تحت السيطرة بالمطلق. أما وقد اتضح الأمر، فرَكَن ربابته وراح في الهدوء.
ولا شك أنه أدرك وغيره أن التطبيع اي إستدخال الهزيمة ذاهب باتجاه اندماج الكيان في الوطن العربي إندماجاً مهيمناً وهو ما إتضح تماماً منذ يوم 8 تشرين أكتوبر وتم التوقيع عليه يوم 11 نوفمبر في الرياض من أل 57!
لم تترك أنظمة التطبيع وصفاً سيئاً إلا وألصقته بالشهيد معمر القذافي، لكنه كان يفهمهم جيداً ولذا قرر الذهاب إلى إفريقيا لتعزيز الاتحاد الإفريقي وربما كان سيحقق نجاحاً و لكن التجربة اثبتت أن أنظمة الاتحاد الإفريقي لم تكن أفضل حيث لم تحرك ساكنا حينما أدار الغرب مذبحة ضد الدولة العربية في ليبيا. كان الرجل قد التقط حقيقة أن الأنظمة العربية هي العدو الأول للأمة العربية، للقومية العربية. كيف لا وقد شاهد بأم العين والبصيرة كيف تصطف جيوشاً عربية خلف سادتها من جيوش الناتو في تدمير العراق! ولكي لا يتخيل المرء هذا الأمر عليه أن يكون مجنوناً أو عميلاً!
لعل الدافع الخفي للغدر العلني بنا هو قلق أنظمة أل 57 من انتشار الظاهرة في بلدانهم معتقدين أن الظاهرة لن تتكرر فلجهلهم بالتاريخ يعتقدون أن اغتيال ظاهرة سوف يغلق باب التاريخ!
تمت ثرثرة مديدة قبيل شهر رمضان بأن هدنة ما ستتم قبيل حلول الشهر الكريم، ولكن العقل المخابراتي طمأن الأعداء بأن المساكنة متينة وبأن لا اعتراض سيحصل ولذا،فإن المراهنة على تغير في رمضان كان مثابة “إهانة” للشهر الكريم وتقزيماً لمضمونه. والحقيقة، فإن ما لم يدركه كثير من الشرفاء أن من اعتاد التفريط بالوطن والشعب لن يهتم بالقيم الدينية، فطالما حصل التفريط بالوطن سيتبعه تفريط بكل شيء، وها هو الأمر على الشاشات.
وفيما يخص كذب الأنظمة في المسألة الدينية وكذب إرهابيي الدين السياسي ايضاً، فإن من يرجع إلى حريق الأقصى عام 1969 على يد الإرهابي الأسترالي الأبيض ستوكلي كارمايكل وعدم حصول اي رد على ذلك كان يجب أن يكون درساً نستذكره دائما. لا بل إن مجرد احتلال الأقصى حيث لم يحرك شيئاً في هذه الأنظمة لهو تأكيد على أن من يفرط في الأرض يفرط في الدين. بل إن عم الرسول كان أكثر صدقا منهم حينما قال إثر عدوان الأحباش بقيادة أبرهة الأشرم،والتهديد بهدم الكعبة قبل الإسلام “للبيت رب يحميه” فهؤلاء حتى لم يستدعوا رب البيت لأن الرب عندهم في واشنطن والتلمود. لقد أن الأوان للفصل التام بين الدين السياسي والدين الشعبي الإيماني.
نعم، كما اقل الإمام عليّْ: “الدين حمَّال أوجه”. ولذا استخدمت قوى إرهاب الدين السياسي من القاعدة إلى داعش إلى أنظمة الخليج الدين كطربوش يخفي فاشينها وتبعيتها وتحالفها الدوني مع الفاشية الإمبريالية الغربية. وهل من برهان غير ما يجري من صمت بل ومباركة لمذبحة غزة؟
صحيح أن رئيس وزراء الكيان فهلوي ومناور وكذاب، ولكنه صدق في تصريحه مؤخراً لإحدى الصحف الغربية بأن كثيرا من الأنظمة العربية تبارك ما يفعل. أما منظمات إرهاب الدين السياسي أو وليد الاستشراق الإرهابي فهم في غياب تام عن كل ما يحصل! ولا ندري اي إسلام الذي كانوا يحاولون نشره ضد الجمهوريات العربية.
بل ويبدو أن من يستغل رمضان هم الأعداء وغير العرب وغير المسلمين! فمجلس الأمن قرر وقف الحرب الأهلية في السودان خلال رمضان لأن الطرف العميل للغرب ولأنظمة النفط في وضع متراجع، اي قوات التدخل السريع.
مما يلفت النظر في هذه التجربة القاتلة ضدنا في غزة ما يلي:
· الخرس الذي اصاب في بداية العدوان الكثير من محللي الفضائيات تجاه نقد الأنظمة العربية والإسلامية ثم بدء نطقهم التدريجي بالنقد كطفل يتعلم النطق تدريجيا مع أن الحدث يعني وجوب مباشرة التحريض بحرب الشعب. قاتل الله المثقف المنشبك.
· لفت نظري حديث لأحد مذيعي قناة من المحور حيث قال: “ال.م.ق.ا.و.مة العراقية” ثم عدَّل قوله فوراً فقال “ال.م.ق.ا.و.م.ة الإسلامية في العراق” ممايؤكد أنه مؤدلج ضد العروبة وضد عروبة العراق مع أنه ليس عراقياً. وليعذرني المتحمسين، هل حقاً ضربت الفصائل العراقية يوم 11 آذار الجاري مطار بن غوريون/هو مطار اللد! ونحن نراه من هنا بالعين المجردة، وكنا قد راينا صواريخ عراق البعث عام 1991 بينما لم يراها عشاق الاحتلال الأمريكي ولن يرونها. أيها الناس حرروا العراق من إرهاب نظام الدين السياسي التابع ومن الأمريكي والتركي تصبحون من القدس اقرب.
· أما الأكثر مثاراً للهزء المُر فهي مجموعات مثقفي الطابور السادس الذين كانوا ينظمون قصائد الغزل في “الدولة الواحدة” حالمين وزاعمين أن المشكلة ليست في احتلال الأرض والممتلكات بل في عدم تخلي الصهيوني عن صهيونيته! ولا أعتقد أن هناك صهيوني غبي إذا ما سومح باغتصاب الأرض والبيوت بشرط أن يقول:أنا لست صهيونياً! أما الأشد بشاعة فهم دُعاة دولة مع المستوطنين، كيف ابتلع كل هؤلاء ألسنتهم. ترى: ماذا يقولون لجياع وايتام وارامل غزة!
أخيراً، مهما كانت النتائج، وإلى أين تؤول، فقد أعادت 7 تشرين الصراع إلى طبيعته الأولى ولو لم تقم سوى بذلك اليوم فهو عظيم، لأن التاريخ لا يتوقف عند حدث واحد وبالضرورة يسير إلى الأمام، على المرء أن لا يعبىء بمن يريدون نهاية مباشرة ومنتصرة للصراع، فهم ذوي عقول لا تاريخية، فتدمير فكري واقتصادي ونفسي للعروبة منذ قرن لا يمكن ردَّ ذلك في فترة من ايام أو اشهر..
