نشرة “كنعان”، 27 مارس 2024

السنة الرابعة والعشرون – العدد 6754

في هذا العدد:

تتابع “كنعان” نشر كتاب “العروبة في مواجهة الأنظمة، الإمبريالية والاستشراق الإرهابي”، لمؤلفه د. عادل سماره (الحلقة 4)

  • تتمة الفصل الأول: هل دول الخليج إمبريالية؟

اسرائيل تحارب من أجل بقاء السلطة الفلسطينية .. والسلطة تستميت لبقاء اسرائيل، نارام سرجون

✺ ✺ ✺

تتابع “كنعان” نشر كتاب

“العروبة في مواجهة الأنظمة، الإمبريالية والاستشراق الإرهابي”

لمؤلفه د. عادل سماره

(الحلقة 4)

  • تتمة الفصل الأول: هل دول الخليج إمبريالية؟

لعلها مغامرة أن نطرح مثل هذا السؤال على الأقل حسب تشخيصات لينين الخمس للإمبريالية التي نوقشت سابقاً، لكن يجب أن ننظر في التغييرات التي حدثت في العالم في القرن الذي أعقب صدور عمل لينين.

عرّف لينين الإمبريالية على أنها علاقة استغلال اقتصادي تؤدي إلى توزيع غير متكافئ للثروة والسلطة على نطاق عالمي، وهذا يوسع تعريفه للإمبريالية على أنها تتحكم في كميات كبيرة من رأس المال وتصدير رأس المال.

الحالة قيد البحث، أي أن الكيانات الخليجية الريعية تتحكم في الكثير من رأس المال ورأس المال التصديري أيضاً. لا يمكننا تجاهل هذا التشابه، لكن في نفس الوقت لا يمكننا التأكيد على أنها إمبريالية طالما تعتمد على تلك التشابهات وحدها.

كما يجادل لينين بأن الإمبريالية تتميز “بأرباح احتكار عالية” أو “سوبر أرباح ” من خلال نهب العالم بأسره، هنا لا يمكن تسمية الكيانات الخليجية بالإمبريالية بسبب نقص أربعة عوامل:

  • لا تنبع ثروتها أبدًا من عملية إنتاجية متطورة في التاريخ والحاضر، فمصدر ثروتها نابع من ريع النفط الذي تم اكتشافه واستخراجه وحتى تنقيته من قبل الإمبريالية، لذا راجت المقولة التالية في الغرب: “كيف جرى أن نفطنا وُجد في أرضهم”!
  • ثروتها في الأصل لم تكتسبها من النهب الخارجي.
  • وليس من الواضح حتى اليوم ما إذا كان استعمارهم للأراضي في البلدان الفقيرة في إفريقيا، سيولد الكثير من الفائض أو الأرباح الفائقة.
  • معظم ما يتم تصديره من رأس المال الخليجي ليس بهدف الإنتاج ولا موجه إلى قطاعات منتجة، بل رأسمالها المُصدَّر مخصص للإرهاب لخدمة تقسيم العمل الإمبريالي إرهابياً، أي أنه يحرق رأس المال لدعم الإرهاب المكرس لحرق البشر.

من ناحية أخرى، من المثير للاهتمام أيضًا ملاحظة أنه بالنسبة للينين، يجب أن تستند الإمبريالية باعتبارها “ظاهرة تاريخية عالمية” إلى استغلال الغالبية العظمى من سكان العالم، من قبل “حفنة من الدول الغنية والقوية بشكل استثنائي”.

لم ينطبق هذا على الأنظمة الخليجية من حيث الاستغلال، فالأنظمة الخليجية لم تتحكم في ريع رأس المال الخاص بها، وتفتقر إلى قرار سياسي وطني مستقل. الأنظمة الخليجية ليست دولاً قوية من حيث الهياكل الاجتماعية وحتى الديموغرافية، أي أن العرب في بعضها يشكلون أقل من 10٪ من السكان، ولأنها في حالة التبعية والضعف، فإنها تفتقر إلى التماسك الديموغرافي الداخلي/ الاجتماعي. التشابه الوحيد مع وجهة نظر لينين هو قلة عدد سكان الخليج، لكنها صغيرة جدًا مقارنة مع قلة عدد سكان بلدان الإمبريالية الأوروبية أو ثلاثي الإمبريالية أي أمريكا، الاتحاد الأوروبي واليابان/المليار الذهبي.

ما يستخلصه المرء من حالة الأنظمة الخليجية هو أنها مشوهة للغاية كتشكيلات اجتماعية، فهي تابعة من جهة وعدوانية ومستعمرة من جهة أخرى. إنهم أغنياء لكنهم غير منتجين.

كان العديد من الماركسيين والقوميين العرب قلقين على مستقبل دول الخليج لأن معظم سكانها ليسوا عربًا ويعاملون معاملة سيئة، بالإضافة إلى حقيقة أن سياسات الأنظمة ضد أي شكل من أشكال الوحدة العربية. يكشف الربيع العربي/ الخريف عن دور بالغ الأهمية والخطير لتلك الأنظمة. لن أعود إلى دورهم كأدوات للإمبريالية، لكنني سأتناول هنا فقط وضعهم ودورهم في ضوء تنظير ماركس من حيث النزعة العسكرية.

منظور ماركس للإنفاق العسكري بأنه يعتبره “هدراً لجزء غير منتج من المنتج الاجتماعي”، جنبًا إلى جنب مع وضعه الإمبريالي المتنامي. وفي حين أن وجهة نظر ماركس هنا، من حيث الهدر، قابلة للتطبيق بشكل كبير على الدول العربية العميلة في الخليج، مع بعض الاختلافات مثلا أن الريع ليس منتَجاً اجتماعياً محلياً. فالسيولة النقدية لهذا النظام الريعي في الأصل والأموال التي يتم إنفاقها على الجيش هي للاستيراد والعدوان، ولكنها غير مستثمرة داخليا حتى لإنتاج الأسلحة. إن الإنفاق العسكري الخليجي هو في الواقع ضد الأمة العربية نفسها، وهو شكل فريد من أشكال انتحار الذات. إنه امتصاص بل ترويج فعال لصناعة الأسلحة الإمبريالية التي تخدم الإمبريالية ضمن هدفين مهمين:

• الحصول على تراكم موسع،

• وتكريس هيمنة دولية.

تنطبق وجهة نظر ماركس على المدى القصير  على حالة الخليج، أكثر مما تنطبق على المدى العملي والطويل. هذا النوع من الإنفاق الخليجي هو في المقام الأول وفي الدرجة الأولى لأجل أصحاب الشركات الأجنبية الإمبريالية، إنه حرق ثروات الخليج من جهة وشن مجزرة بحق أجزاء أخرى من الأمة العربية، لكنه يعود بالنفع على منتجي السلاح.

في الواقع، حتى على المدى الطويل، فإن الاستثمار الإمبريالي في الأسلحة مربح. إنه أداة الحروب الاستعمارية التي تدعم خسارة الرأسمالية في الحروب من خلال الاستغلال الفادح واستغلال الطبقة العاملة والتبادل غير المتكافئ، والحرب هي أكثر الحقول ربحاً للرأسمالية.

أدى الإنفاق العسكري إلى توسع الحروب مما يعني فتح أسواق جديدة والمزيد من الأرباح، إنه توسع في توظيف العمال المحليين وغيرهم من العاملين في هذا القطاع، إنه أداة لإخضاع وكسب الحلفاء في العديد من البلدان التي تفتح أسواقها أمام الصادرات العسكرية والمدنية الإمبريالية.

لنأخذ الإنفاق العسكري الإمبريالي/ التبرعات إلى الكيان الصهيوني الإشكنازي على سبيل المثال، والذي هو استثمار استراتيجي، يبدو غير مربح على المدى القصير أو للوهلة الأولى/النظرة المباشرة؛ ولكن بالنظر إلى دوره في عرقلة التنمية العربية والحفاظ على التبعية العربية، فهو مربح للغاية.

كما ذكرنا سابقًا، ماركس محق من وجهة النظر الإنسانية وحماية الطبيعة، وهي حجة لم تستمع إليها الإمبريالية أبداً. وللتوضيح، فإن الإنفاق العسكري الخليجي على شكل حرق/ إهدار رأس المال، والعدوان على الدول العربية الأخرى في شكل شبه إمبريالي يسير جنباً إلى جنب مع العدوان الصهيوني وعرقلة التنمية في الدول العربية، وأخيراً فإن النظامين الخليجي والصهيوني عملاء لـ الإمبريالية، وإن كانت بأشكال مختلفة ومراتب مختلفة طبعاً.

إن التطبيع بين العديد من الأنظمة العربية وخاصة الأنظمة الخليجية مع الكيان، وعدوانها المشترك على سوريا وليبيا واليمن والعراق  والصومال وفلسطين بالتأكيد كجزء من خطة الإمبريالية ضد الأمة العربية، قادنا إلى مناقشة الإمبريالية في الوطن العربي بشكل منفصل عن بقية الشرق الأوسط، وخاصة عدوان الإمبريالية على الأمة العربية بأكثر وأشد منه على بقية الشرق الأوسط.

كما إن الوطن العربي تحت تهديد شرس ودائم في نفس الوقت من ثلاث دول/ أمم: تركيا وإيران وإثيوبيا إضافة إلى الكيان الصهيوني الإشكنازي، مما يعني اشتراك الإقليم في حرب الإمبريالية ضد الوطن العربي سواء كان الاشتراك بتناغم ومخطط أو كلٌ لمصالحه الخاصة. وهذه حالة لا تعيشها بلدان الشرق الأوسط على الأقل بنفس الوضوح والحدَّة. هناك عدوان تركيا من أجل تجديد استعمارها حتى في صورة المستوطنين، بالإضافة إلى حربها المائية على سوريا والعراق؛ وحرب المياه الأثيوبية ضد مصر والسودان، وهيمنة إيران على العراق ومحاولاتها تصدير ما يسمى ثورة وهو مشروع الدين السياسي، أي الدولة الدينية التي شكلها إسلامي وجوهرها قومي، مستفيدة في ترويج هذا من مساهمتها في دعم المقاومة (أنظر لاحقاً)، ناهيك عن احتلال الأهواز العربية. هذا دون أن ننسى مهارة إيران في دعم المقاومة في لبنان وفلسطين لتظهر بشكل حليف يغطي طموحها الجيوسياسي بكل من الدين ودعم المقاومة، ولكن ليس ممارسة العمل المقاوم عسكريا، وعلى أي حال ليس هذا واجب إيران والتغذية والحماية الأمريكية والأوروبية للصهاينة الكرد لتقسيم سوريا والعراق وخلق ودعم ظواهر مشابهة في أي قطر عربي آخر.

كل هذه المشاكل تعزز وتبرر حجتنا القائلة بأن التعامل مع الإمبريالية في الوطن العربي بشكل منفصل، هو أكثر دقة من التعامل مع جميع ما يُسمى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كمجموعة واحدة.


ليست وحدها الأنظمة الحاكمة خادمة للإمبريالية

علمتنا التجربة الحياتية أن على أي مقاتل أو حتى مواطن عادي ليكون منيعاً ومحصَّنا سياسياً أن يبدأ حياته كوطني قبل أن يصبح قومياً، شيوعياً، اشتراكيًا …الخ، بهذه البداية الصحيحة لن تأخذه أية فكرة، نظرية، عقيدة …الخ بعيداً عن حقوق الشعب أو الطبقات الشعبية في وطنه أو خارجه. لإتِّباع هذا المسار، يجدر بالمقاتلين إعادة إنتاج وتبييئ النظريات والممارسات، لتكون مناسبة للبيئة المحلية أو الوطنية.

فشل الكثير ممن تبنوا الأيديولوجيات الثورية في استيعابها بشكل يدلُّ على ضحالة تمكنهم منها، ولذا وقعوا في خيار متعثر ضد أمتهم، ومع ذلك ونظراً لضحالة الاستيعاب والتبييئ واصلوا التظاهر بأنهم وحدهم النخبة الوحيدة التي تفهم مصالح ومصير الأمة أو الطبقات الشعبية، وعلى الناس أن يتبعونهم بلا جدال!

 لنورد شواهداً فيما يخص التناقض مع الشعب في مرحلة حساسة من تاريخه.

أولًا: في حين أن جميع الأحزاب الشيوعية، ربما في جميع أنحاء العالم، هي وطنية أو قومية، إلا أن معظم الأحزاب الشيوعية العربية كانت ولا تزال تتجاهل إلى حد ما وجود الأمة العربية، وتقف ضد القومية العربية. يعتقد بعضهم أن كل دولة عربية هي أمة منفصلة، مما يضعف مجرد التأسيس للثورة العربية وبالتالي يدعم الأنظمة القُطرية، وفي نهاية المطاف، يدعم الدعاية الغربية بعدم وجود أمة عربية. السخرية هنا هي أن أخطاء هؤلاء الشيوعيين تسقط لا مباشرة وعن غير قصد في الهدف الصهيوني الإمبريالي[1].

ثانياً: موقف الأنظمة والأحزاب وقوى الدين الإسلامي السياسي وخاصة الحزب الكبير والأقدم -جماعة الإخوان المسلمين- هو مطلقا ضد القومية العربية، ويدعو إلى أمة الإسلام، ودون الجدل بأن الدين لا يجمع بين جميع الأمم في أمة واحدة. السخرية هنا هي أن جميع قوى الدين الإسلامي السياسي في الدول الإسلامية والمسيحية، وحتى دولة الكيان الصهيوني الإشكنازي، هي وطنية وقومية جدًا، ولعل أوضح مثال هو الموقف القومي لقوى الدين السياسي في إيران وتركيا على العكس من نظيراتها في البلدان العربية.

هذا التيار هو الأكثر خطورة على الأمة لأن أيديولوجيته أسهل قبولًا من قِبل الجماهير، خاصة في ظل غياب التربية القومية التقدمية الوحدوية والاشتراكية لدى قوميين وشيوعيين فقدوا شعبيتهم في مناطحتهم صخرة القومية العربية والوحدة، واعتراف معظم الأحزاب الشيوعية بالكيان الصهيوني حتى قبيل هزيمة عام 1948.

سأتجنب الجدال في أن تيار قوى الدين السياسي ترافقت بدايته مع سيطرة الإمبريالية على الوطن الكبير، ولكن أصبح واضحاً في العقد الأخير من الربيع/ الخريف العربي أن هذا التيار يقف جنباً إلى جنب مع حرب القوات العسكرية الإرهابية ضد معظم الدول العربية من جهة، وأن منظماته الإرهابية “الإستشراقية الإرهابية” قد تأسست من قبل أجهزة المخابرات الغربية[2].

ثالثاً: يجادل التيار الطائفي الفاشي الانفصالي في البلدان العربية لصالح القُطريات والكيانات الصغيرة. بينما يحظى التياران السابقان بجماهيرية معينة تكبر أو تصغر مما يتيح لهما الاعتماد إلى حد ما على جماهيرهم الخاصة، إلا أن هذا التيار الثالث ليس لديه فرصة الكسب الجماهيري بما هو وليد الثورة المضادة، وهذه حالة أو مفارقة مثار سخرية أيضاً. ففي حين أن الفاشية والطائفية وما إلى ذلك في جميع أنحاء العالم هي قومية جدًا حد العرقية والتعصُّب، إلا أنها في وطن العرب تعمل كوكيلة للإمبريالية و/أو صهيونية!

رابعاً: تتواجد في مختلف تيارات الثقافة مجموعات من المثقفين “العضويين بالسالب” أي:

مثقفين عضويين للطبقات الحاكمة والكمبرادور وللسلطات الاستعمارية/ الإمبريالية، ولقوى الدين السياسي وللشيوعية التحريفية، ناهيك عمَّن يعملون تحت غطاء الليبرالية، والحداثة، وما بعد الحداثة، والجندر، والأناركية، والتروتسكية، إلخ. جميع الأجنحة من التيارات الفكرية ضد الأمة العربية، ولذا في النهاية تضعف نضال التيارات الثورية من أجل التحرير، والوحدة، والاشتراكية. إنها تعزز نظم الحكم التي تخدم الإمبريالية.

وللتدقيق نُجمل هؤلاء، هذه الأجنحة التي هي ضد التيارات /السرديات الكبرى،  فيما نسميه تيار مثقفو الطابور السادس، وهؤلاء كما أشرنا من مختلف التيارات أي الليبراليين، وما بعد الحداثيين، والجندر، والتوجه الجنسي الإباحي وخاصة الترويج للمثلية …إلخ. هذا التيار يناهض العروبة والقومية والشيوعية، وصراع الطبقات، ويدعو للسلام في مضمون استسلامي لتبرير التطبيع مع الإمارات العربية المتحدة وأنظمة التطبيع الأخرى والتبعية للإمبريالية، إلخ.  

يصر هذ التيار على الديمقراطية كعلاج لجميع المشاكل في الوطن العربي، متجاهلاً التنمية، وحرب الغُوار/ العصابات، والتحرير الوطني، والاشتراكية، والشيوعية؛ ويركز نشاطه عموماً ضد الدول التي تقف خارج سيطرة الإمبريالية، مثل الصين وروسيا وسوريا وإيران وكوبا وكوريا الشمالية، ويصف أنظمة هذه البلدان بالاستبداد والديكتاتورية وعدم الديمقراطية. إنهم لا يُقيِّمون الديمقراطية السياسية الغربية لا من حيث تاريخها الاستعماري والإمبريالي الحالي، ولا من حيث انحدارها القيمي الحالي وكيف أصبحت أداة لتعزيز دكتاتورية الطبقة البرجوازية في المركز، واحتضانها لأنظمة قروسطية في المحيط.

خامساً: منظمات الأنجزة، المنظمات غير الحكومية المنتشرة في جميع أنحاء العالم، التي هي كما الإستشراق الإرهابي تم تصميمها في قلب الإمبريالية كأدوات للثورات الملونة، للإطاحة بالأنظمة التي لا تزال خارجة عن سيطرة الهيمنة الإمبريالية. أمَّا وهي مصمَّمة لاختراق بلدان المحيط فإنها في عملها في تلكم البلدان وخاصة الفقيرة منها، فهي تتجاوز عن سيادة الدولة هناك لتتفرَّد بدور اختراقي في قطاعات شعبية تسميها الفئات المستهدَفة تحت يافطات “التنمية، التمكين واجتثاث الفقر…الخ”. أي تستغل ضعف الأنظمة التي تهيمن عليها الإمبريالية من خلال استهداف هذه المنظمات للمجتمع المحلي، دون أن تحقق أيّاً مما تزعم. تلعب المنظمات غير الحكومية دوراً تدميرياً وواضحاً ضد الجمهوريات العربية، خاصة في ليبيا وسوريا وحالياً في لبنان وفلسطين المحتلة، حيث يقترح أكاديميون تابعون لها أن تتولى هذه المنظمات مراقبة أداء السلطة الفلسطينية على سبيل المثال، بينما رددتُ عليها بوجوب رقابة شعبية عليها كمنظمات أنجزة وعلى أداء السلطة[3].

الإمبريالية والإستشراق الإرهابي كأسلحة إهلاك للبشر

لا زال كثيرون من الكتّاب يمدحون حركة عدم الإنحياز التي عفى عليها الزمن كما عفى على ما تسمى نظريات ما بعد الاستعمار، حيث لم تعد إلا مجرد نظريات فقط بينما تفتقر لأية جذور حقيقية في الواقع. فالاقتصاد والسياسة قضايا طبقية، ولكن لا توجد طبقة تمثل كل المجتمع في أية تشكيلة اجتماعية اقتصادية. وحتى عندما تكون الأمم في حالة حرب أو تحت الاستعمار، تكون بعض الطبقات ضد الاجماع الوطني، خاصة تلك الطبقات التي تحكمها وتقودها مصالحها المنسجمة مع الاستعمار. ولهذا السبب، فإنها تتفق مع العدو، أي تخون الوطن. في الواقع، يجب أن تبدأ مرحلة ما بعد الاستعمار الحقيقية بالتنمية من خلال الحماية الشعبية، التي يجب أن تؤدي إلى فك الارتباط.

لم تمر البلدان العربية فيما يسمى مرحلة ما بعد الاستعمار أبداً. هناك أشكالاً للاستعمار، والاستعمار الجديد بل وأنظمة تلعب دور استعمار ذاتي لبلدها! وخاصة الأنظمة التي جلب رجالها الاحتلال الغربي وسلمها الحكم، وهي قوى الدين السياسي كوكلاء للإمبريالية كما هو حال العراق وليبيا.

 بعد الغزو العسكري الإمبريالي للعراق في عام 1991، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حرباً اقتصادية وحصاراً وحظراً على الشعب العراقي ل13 عاما بناء على مبررات كاذبة، بينما الهدف إهلاك العراق ونهبه. ووفقاً لذلك، التزمت جميع الدول العربية والإسلامية بذلك الحصار على الرغم من أنها، بالنسبة للعرب، حرب ضد جزء من الوطن العربي. وعلى الرغم من أن تلك الدول تُطلق على نفسها “دول مستقلة”، أي إنها في عصر ما بعد الاستعمار!

في العشرة أيام الأخيرة من أغسطس 2021، أعلن زعيم حزب الله اللبناني أن سفينة إيرانية محملة بالوقود كانت في طريقها إلى لبنان. كانت هذه خطوة نحو كسر الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأنظمة العربية على لبنان. التقت سفيرة الولايات المتحدة في لبنان برئيس الحكومة اللبناني وأخبرته أن حكومة بلادها قررت “السماح للأردن بتصدير الكهرباء إلى لبنان عبر سوريا والسماح لمصر بتصدير الغاز إلى لبنان أيضاً عبر سوريا”. هل يعني ذلك أن رئيس الولايات المتحدة هو الحاكم الحقيقي لمثل هذه الدول العربية، وأن تلك الدول العربية هي مستعمرات للإمبريالية؟ حتى كتابة هذه السطور، لم يصل أي غاز إلى لبنان، لأن وزارة الخارجية الأمريكية قررت تغيير رأيها. كانت تصريحات الولايات المتحدة لوكلائها بجلب الغاز من مصر إلى لبنان خدمة دعائية انتخابية لوكلائها اللبنانيين. ومع ذلك جرت الانتخابات في مايو 2022 ولكن الغاز لم يصل أبداً! ليس فقط لمواصلة حصار سوريا بل أيضا لإهلاك لبنان.

إن استراتيجية الاستعمار والأنظمة العربية التابعة له هي علاقة زبونية من جهة، واستعمارية متبادلة من جهة أخرى، ويمكن تلخيصها في جزئين منفصلين ومختلطين في نفس الوقت:

  • تقسيم العمل،
  • التنفيذ والنتائج المشتركة.

منذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وحتى حينه تعرض الوطن العربي لأنواع من الحروب على النحو التالي: لم تشن الإمبريالية الغربية عدواناً برياً ولكنها هاجمت من السماء، بينما تنفِّذ أنظمة عربية حاكمة الحرب على الأرض بوسائل عدة، وبشكل رئيسي من خلال حرب الإرهاب، هذا تقسيم العمل؛ أي أن التنفيذ منفصلاً ولكن النتيجة هي تعزيز تمكينهم المشترك ومصالحهم، وطبعاً على قاعدة اقتصاد التساقط.  لنلق نظرة على آلية فريدة من نوعها للفوائد المشتركة بين الاستعمار والنظم المحلية الريعية والتابعة في الوطن الكبير:

أولاً: تستخدم هذه الأنظمة القمعية العميلة الثروة الريعية النفطية خاصة لاستيراد معظم احتياجات المجتمعات من البلدان الاستعمارية، فهي كأنها أنبوب يضخ ثروة أمتها ويوجهها مرة أخرى إلى اقتصادات الإمبريالية.

ثانياً: الموجة الحالية من استهداف الوطن العربي منذ عام 1991 ضد العراق وحتى اليوم، تتجلى من خلال تجنيد الفقراء والأفراد البسطاء، تسليحهم، دفع أجور مرتفعة نسبياً لهم، تدريبهم، تشجيعهم جنسياً، وحقنهم بأيديولوجية متطرفة للغاية أي إيديولوجيا الدين السياسي، وتسخيرهم لممارسة القتل بشكل أعمى. من خلال هذه المهمة، يصبح هؤلاء الأشخاص أسلحة للإهلاك البشري للدمار الشامل البشري. إن استمرار هذه السياسة يتناسب مع الأفكار الإجرامية لروبرت مالتوس وهنري كيسنجر التي صممت لتقليل البشر في الجنوب قدر الإمكان، من خلال السيطرة على ثرواتهم. إنها تجديد لاعتماد وتوسيع اقتباس هنري كيسنجر الإجرامي في سبعينيات القرن الماضي حول المجاعة: “من يتحكم في إمدادات الطعام يتحكم في الشعوب[4]” – ويذهب الاقتباس قائلاً: “من يتحكم في الطاقة يستطيع السيطرة على قارات بأكملها، ومن يتحكم في المال يستطيع السيطرة على العالم”. بيت القصيد هو إهلاك البشر والحفاظ على الثروة.

بينما يستهدف الاستعماريون الإجراميون شعوب الجنوب بشكل عام وإفريقيا بشكل خاص، فإن ميدانهم الرئيسي للإبادة الجماعية العملية هو الأمة العربية، من خلال شن حرب إرهاب الدين السياسي وتفتيت كل دولة إلى كيانات بحيث يكون كل كيان منها أصغر من دولة الكيان الصهيوني حتى من حيث الجغرافيا والسكان. تم تنفيذ هذه الاستراتيجية الإجرامية بشكل مشترك بين ثلاثي الإمبريالية والأنظمة العربية التابعة وقوى الدين الإسلامي السياسي والأنظمة شبه الإمبريالية، أو الإمبرياليات الإقليمية كتركيا وإثيوبيا وخصوصاً الكيان الصهيوني الإشكنازي.

تفيد تجربة الوطن الكبير مع تعدد أعدائه بأن نستخدم مصطلح “أسلحة الإهلاك البشري” بدلا من “أسلحة الدمار الشامل  (WMD)” لأن الأسلحة النووية تبيد الإنسان والأماكن والطبيعة، ولكن Weapons of Human NihilizimWHN أسلحة الإهلاك البشري مصممة ضد الناس بهدف الاستيلاء على الأرض والثروة بعد ذلك.

فحصار العراق وتدميره وتدمير ليبيا وتدمير وحصار سوريا وأفغانستان هي أمثلة حالية حية، حيث يتم قمع البشر مثل الحشرات، ولكن تمت حماية النفط. عدد الليبيين الذين قتلوا بفعل غارات حلف شمال الأطلسي (ناتو) لا يزال غير محسوب، وتم تدمير البنية التحتية والمدن، ولكن حقول النفط تم الحفاظ عليها بأمان. وفي العراق جرى محو حضارة عظيمة وسرقتها، ولكن النفط لا يزال آمناً وأمواله مخزنة في بنوك الولايات المتحدة! وحتى ريعه من حينه إلى اليوم يذهب لأمريكا وهي تُرسل حصة حكومة العراق من نفط العراق بالطائرة في نهاية كل شهر، وتقوم الحكومة بسرقة معظمه فلا يبقى للشعب سوى تساقط اقتصاد التساقط! ومع ذلك يقولون بأن العراق ضمن محور المقاومة!

أما حرب الإبادة على الفلسطينيين في غزة منذ 8 تشرين الأول وحتى كتابة هذه السطور، وكذلك على الضفة الغربية فهي إبادة لاستلاب وطن بأكمله.

إلى جانب هذا كله، لا تتبنى الأنظمة الحاكمة في مجمل الوطن الكبير، وبقصد، أية سياسات تنموية، وذلك لحشر الجيل الشاب في مأزق البطالة والجوع فيضطر للتحول إلى فرق قوى الدين السياسي الإرهابية، فينتقل من وجوب كونه ضمن قوى الإنتاج إلى جزء من حاملي أسلحة الإهلاك البشري ضد مجتمعه. وهذه سياسة مشتركة بين الإمبريالية ومعظم نظم الحكم العربي، وتكون النتيجة قاتل ومقتول وتبقى الثروات منهوبة على أرضية اقتصاد التساقط.

✺ ✺ ✺

اسرائيل تحارب من أجل بقاء السلطة الفلسطينية .. والسلطة تستميت لبقاء اسرائيل

نارام سرجون

21 مارس 2024

قبل ان نحول هذا العنوان الى نص .. أستميحكم عذرا في هذه المقدمة التي ان فهمناها فهمنا كيف تتصرف السلطة الفلسطينية لأنها انتاج نفس العقل الذي أنتج هذا الهوان العربي .. وهذا الاضمحلال في الشخصية السياسية العربية .. والانحطاط في التفكير السياسي ..

منذ أن أنشئت اسرائيل كان علماء المستعمرات والاستيطان يعلمون ان دوله بهذا النوع من التنافر والتناقض والعجائبيين لايمكن ان تنمو في الشرق دون ان يخضع الشرق لتحولات كبيرة ليصبح مثل رحم قادر على ان يحمل هذا الجنين المريض المزروع في جسد لاينتمي اليه .. وكان لابد من أجل بقاء الجنين الغريب ان يتم اعداد المسرح الجغرافي والشعبي له .. وقد صنع الانكليز والفرنسيون كل مايستطيعون لتحقيق تحولين أساسيين .. الاول هو تفكيك الشرق وتحويله الى زعامات وممالك وجمهوريات متنافرة ولتصبح كل قطعة جغرافية مغلقة على نفسها غير قادرة على الاندماج بمحيطها الذي لن يشبهها بعد التفكيكي .. مثل محميات الحيوانات تنمو وحدها معزولة وتربي أجيالا معزولة وتخضع لأنظمة مختلفة بحيث يكون في كل بلد نظام حكم لايمكن ان يتشابه مع من حوله .. فلبنان خراج في خاصرة سورية .. وهو مجموعة كيانات متنافرة طائفية .. والاردن مملكة .. وسورية الجمهورية كان من المفروض ان تكون على خطا لبنان .. ولكن حرب هتلر على فرنسا جعل فرنسا تنسحب من سورية قبل اكتمال تقسيمها طائفيا .. ولولا ذلك لكانت سورية منذ تلك الايام ثلاث قطع .. مثل قطع العراق اليوم قطعة سنية وقطعة شيعية وقطعة كردية .. بلا توافق ولا انسجام .. ولكن خرج الشرق من الحرب العالمية الثانية وقد وضعت فرنسا وبريطانيا على كل قطعة فيه حارسا وملكا واميرا وشيخا والكل يدين بوجوده لبريطانيا وهو يدافع عن مصالحها لأنها صارت مصالحه .. كل على مزبلة سياسية يصيح من فوقها .. ولكنه لايملك في تقرير مصريرها شيئا .. فطهرت ممالك الخليج واماراتها ومملكة الاردن والمسخ اللبناني .. وهي مذنبات ملحقة باسرائيل وانكلترة ..


ولكن كان من أهم وسائل تثبيت المشروع الصهيوني الجنيني هو الخطوة الثانية القاضية بالاستيلاء على مصدر الفتوى الاسلامية .. اي تسليم الحرم المكي لأسرة مالكة تدين بوجودها للانكليز ..ولذلك تم خلق المملكة العربية السعودية في الثلاثينات وتمكين العائلة السعودية من الاستحواذ على كل ارض الحجاز عندما كانت عملية تحضير ولادة اسرائيل تنطلق لتكون جاهزة .. وكان من الضروري منع اصدار فتوى جهادية من الارض المقدسة بقرار بريطاني نفذ بشكل مقدس من قبل كل فئات الحكم العربية في الجزيرة العربية .. وبالفعل فقد امتنعت الارض المقدسة عن اطلاق اي فتوى جهادية لفلسطين منذ مئة سنة رغم اطلاق ملايين الفتاوى والاجتهادات .. الا في شأن فلسطين والمسجد الاقصى فقد كان ممنوعا ان يتحرك الحرم المكي في ذلك الاتجاه بتاتا ..

وبمجرد ان الملك فيصل بعد حرب 1967 حاول ان يتذاكى وان يبتز الاميريكيين والانكليز بموضوع القدس والاقصى فقد تخلى عنه الانكليز لأنهم رأوا في تحركه وتلويحه بالصلاة في القدس ابتزازا لهم بعد ان كان حليفهم .. رغم ان حرب 1967 يشار اليها على انها بموافقة ضمنية من الملك فيصل الذي لم يكن مرتاحا لمشروع ناصر وتحركه في المنطقة واحساسه بخطره وخطر قدرته على قيادة الشارع العربي حتى في السعودية نفسها .. وقد اقترب ناصر من خط التوتر العاليب من السعودية في اليمن .. ورغم ان فيصل كان من المحرضين على ناصر الا ان تصريحه الشهير الذي تمنى في الصلاة في القدس فهم على انه محاولة منه للحلول محل ناصر في زعامة المنطقة العربية ولكن من خلال لعب الورقة الدينية والتلويح بمكانة السعودية وثروتها المعنوية في الحرم المكي .. فقرر الانكليز فورا التخلص منه لأنه حاول على مايبدو الخروج من التفاهمات القديمة التي ربطت العائلة السعودية بالانكليز لخلق تفاهمات جديدة بعد ازاحة ناصر .. فهناك في العقلية البريطانية حدود لطموحات اي زعيم مشرقي .. ولذلك كانت العصا الانكلوساكسونية جاهزة للضرب على أي محاولة لتغيير الخرائط الجيوساسية في الشرق الذي بنته بريطانا بشق النفس وبرموش عيونها .. فكانت اسرائيل واسطة العقد .. وحولها ممالك عربية تحميها وتتبادل الحماية معها .. أي ان اسرائيل جزء من المنظومة الانكلوساكسونية والآلة التي تشتغل لمصلحة الانكلوساكسون .. والكل يخدم الكل .. السعودية ودول الخليج والممالك التاربعة للتاج البريطاني تخدم اسرائيل .. واسرائيل تخدم هذه الممالك بتقديم الحماية لها .. وبالتالي فان اسرائيل تخدم السعودية كما فعلت عام 1967 وهدمت لها التهديد الاكبر المتمثل بمشروع عبد الناصر .. وردت السعودية الخدمة لها بايقاف مشروع الخميني الثوري الذي كاد يجرف السعودية واسرائيل فيما لو وصلت الاهتزازات الثورية الى داخل المنطقة العربية .. وصدت موجته باطلاق الحرب العربية الفارسية .. وبعدها تشاركت الدولتان في تحطيم سورية وليبيا واليمن .. وقبلها كانت الجزائر قد تم تحييدها باظلاق العشرية السوداء التي كان للسعودية دور في ايقادها عبر خدمة الفتوى حسب الطلب .. وكانت الفتاوى تتدفق من الحرم المكي للجهاد ضد الطاغوت في الجزائر ..


ونتيجة هذا الربط صرنا نفهم أن الدول المرتبطة باسرائيل وفق المنظومة الانغلوساكسونية لاتجد ان مشروع تحرير فلسطين الا خطرا عليها .. لأن زوال اسرائيل يعني انتفاء الحاجة لوجود الطوق الانكلوساكسوني حول اسرائيل .. وهذا ماكان الماركسيون العرب يسمونه بقانون ان التناقضات الرئيسية تلغى التناقضات الثانوية .. اي ان بقاء اسرائيل سيشغل الشعوب العربية عن البحث عن تناقضات ثانوية مثل غياب العدالة الاجتماعية والشورى وتراجع الحريات ..

السلطة الفلسطينية هي من ثمرات العقل الانكلوساكسوني الذي أقنع الفلسطينيين بوهم السلام .. اي حول العقل الاستعماري الثورة الفلسطينية الى نسخة عن الممالك العربية فيها تناقضات وطبقات ومصالح .. وحول البندقية الفلسطينية الى بندقية شرطة وبلديات بدل ان تكون بندقية ثورة .. وكعادة اي ثورة عندما يدخل المال اليها وتصبح لها رواتب فانها تتحول الى وظيفة وموظفين .. وهذا أحد الاشياء التي كان الراحل أحمد جبريل يعيب فيها على ياسر عرفات طريقة ادارته للثورة لأن عرفات صار يغدق الاموال على من يشارك في العمل المسلح .. وكان جبريل يرى ان في هذا افسادا للثورة وخلقا لظاهرة الثوري الذي لايقاتل من أجل مبدأ بل من أجل مكافأة ..


وتحولت الثورة بالتدريح الى سلطة .. وهيئة بيروقراطية ثقيلة الحركة ولزجة ومتبلدة في السياسة والعمل الثوري .. وصارت هذه السلطة مثل اي مملكة عربية ترى ان بقاء اسرائيل هو ضرورة لبقائها .. وان الاستقلال سيعني نهاية دورها ومصالحها وميزاتها .. ولذلك كان من المفجع كيف ان السلطة الفلسطينية ورغم كل الكوارث التي حلت بالشعب الفلسطيني لم تقدر ان تغير رئيس السلطة الذي صار ملكا على ثورة .. وهناك من يتمسك به من أجل ان يبقى الحال على ماهو عليه لأن تغييره سيعني ترحيل كوادر قديمة عف عليها الزمن .. وهذه الكوادر لم تعد قادرة ان تتخلى عن ميزاتها..


هذه السلطة الجديدة التي صارت تجد ان وجودها وتمويلها سببه الاحتلال الاسرائيلي تحولت الى سلطة تقمع الشعب الفلسطيني وتقتل من يدعو للثورة .. ورفعت شعار التنسيق الامني المقدس في ظاهرة لايوجد مثلها في تاريخ الشعوب .. حيث تمنع الدولة مواطنيها من ممارسة حق التحرر والكفاح ضد مستعمريهم .. بل وصارت مثل العبيد الذين كانوا يعملون عن البيض وتجار الرقيق لاصطياد العبيد من ابناء جلدتهم .. ولذلك لم يكن مفاجئا أن السلطة الفلسطينية قتلت شخصية نقية مثل نزار بنات دون ان يرف لها جفن .. ووصل بها الامر انها شاركت في الربيع العربي بصمت رهيب عما يجري .. دون ان تبدي رأيها فيما يحدث .. وصار عباس يلتقي كل الشخصيات الاشكالية التي تثير الحساسيات دون اي مبرر .. فبينما تغزو تركيا شمال سورية يفاجئ عباس الجميع بزيارة ودية الى استنانبول والتقاط الصور التذكارية مع اردوغان دون ان يوجه له انتقادا له او ان يطرح مبادرة لوقف التدخل التركي .. وكأن الزيارة مباركة وتأييد وغطاء واستكمال لزيارات خالد مشعل لاطباق الموافقة الفلسطينية على دور تركيا في سورية .. وفي مناسبة أخرى يقرر عباس لقاء مريم رجوي كمعارضة ايرانية رغم ان فلسطين ليس لها اي مصلحة في لقاء شخصية اشكالية لاتقدم ولاتؤخر في الصراع العربي الصهيوني .. بل يتجنب لقاءها حتى قادة الغرب أنفسهم لابقاء مسافة أمان مع ايران .. ولكن عباس قرر ان يلتقيها دون ان نعرف الجدوى السياسية من هذا اللقاء في الشأن الفلسطيني..


والغريب ان السلطة التي وعدت الفلسطينيين بالسلام والدولة المستقلة بعد اوسلو لم تعتذر عن اخفاقها في تسليم ما وعدت والتنحي حتى من باب ابتزاز اسرائيل والضغط عليها .. بل هي امعنت في ابقاء اسرائيل تتمدد وتستوطن وصارت وظيفتها هي فقط التفاوض الى مالانهاية بل ومنع الاحتجاج على ذلك بدل ان تتنحى وتعلن انها فشلت ويجب على الشعب الفلسطيني ان يحدد اتجاهه الان ..


اليوم فاجأت حماس والمقاومة محمود عباس والسلطة الفلسطينية في كل شيء .. منذ لحظة 7 اكتوبر وحتى هذه اللحظة .. عباس لم يكن يتوقع هذا الانجاز للمقاومين .. وكان يتصرف وكأن فلسطين كلها صارت اسرائيلية .. وبتوقيعه .. وكان 7 اكتوبر ليس خرقا للستار الحديدي والالكتروني حول غزة بل كان اختراقا للسلطة الفلسطينية ولمحمود عباس .. السلطة ربما في شخصياتها المحيطة بعباس رأت في هزيمة اسرائيل انكسارا لها .. كما ترى السعودية والاردن ودول الخليج انكسار اسرائيل تهديدا وجوديا لها .. فهناك في السلطة بنت اسرائيل طبقتها الخاصة بها والمستفيدة من السلطة والتي صار وجود اسرائيل حيويا لها .. واستقلال فلسطين نهاية لنفوذها ..

اسرائيل لعبت بالشعب الفلسطيني كما فعلت في كل شعوب المنطقة .. ففي كل مكان تدخله الالة التفاوضية الانكلوساكسونية يجب ان يكون هناك مستفيدون يبرمون اتفاقا او تفاهم تخادم .. ويصبح التخلي عن العدو تخليا عن أسباب البقاء فيتمسك المتعاون بالعدو ويصبح حليفه ونصيره ويدعو له بالنصر ويتمنى هزيمة شعبه .. وهذا هو ما يفسر سلوك السلطة الفلسطينية التي تشنع على حماس والمقاومة ماجنته ايديها على الشعب الفلسطيني وهي تحاول منع ظاهرة المقاومة في الضفة بطلب اسرائيلي ولكنها برغبة واضحة من السطية التي صارت تخشى انهيار الاحتلال ..


هذه الظاهرة وجدت في لبنان فالغرب أوجد طبقة سياسية وتجارية لها مصالحها في بقاء لبنان غير مستقل بل يعيش على الرضاعة من السياسة الغربية .. والعائلات السياسية اللبنانية جميعها مرتبطة ببقاء لبنان ضعيفا وتابعا للغرب .. وترى ان استقلال لبنان اخراجا لها من المعادلة السياسية فنراها تبالغ جدا في استخدام مصطلحات الوصاية والسيادة والاتئلال رغم انها لاتملك اي سيادو ولا استئلال ولا حرية .. وان كام للبنان كيان كدولة فهو عندما خارج الوصاية الغربية وتحت ماسمي الوصاية السورية ..

وفي مصر تمكن نظام كامب ديفيد من خلق طبقة مستفيدة جدا من حالة الانكفاء المصري عن كل شيء لأن مصالحها صارت في ان تبقى اميريكا قوية ومتنفذة في مصر .. تماما كما هو حال الطبقة التي أنتجتها فترة الحكم الملكي التي كانت تجد في بريطانيا حاميا لمصالحها فكانت تحارب فكرة الاستقلال عن بريطانيا وتحارب من يحمل هذه الفكرة .. ومصلحة الطبقة الكامبديفيدية المصرية هي ان تبقى اسرائيل بجانبها ولو كانت اسرائيل تريد تدمير مصر وحجب مياه النيل عنها .. ولكن المهم ان هذه الطبقة صارت امتدادا وذراعا لاسرائيل توجه سهامها ضد كل من يزعج السلام المصري الاسرائيلي لأنه سيهدد وجودها كطبقة طفيلية مستفيدة ..


هذه هي علاقات اسرائيل التي تبقيها .. فهي تتخادم مؤقتا مع جزء من الشعب العربي الذي يتحول الى مستفيد من بقاء اسرائيل لمصلحة ذاتية .. ويصبح هؤلاء يتبرعون بامداد الجسور البرية والبحرية والغذائية لاسرائيل .. ويمنعون اي تعاطف مع فلسطين ويخلقون الاعذار لتنفير شعوبهم من فكرة انتصار الفلسطينيين لأن ذلك سيكون انتصارا لحماس او لأنصار ايران او للاخوان .. أو تهديدا للسلام وجرا لهذه الشعوب الى الحرب ..


السلطة الفلسطينية الان تشبه في وضعها كل المنطقة العربية التي اهتزت في 7 اوكتوبر .. لأن اختراق غزة لاسرائيل كان اختراقا لهذه الدول .. ووجدت هذه الدول ان شبان غزة لم يتجاوزوا فقط السياج حولهم بل دخلوا العواصم العربية .. لأن هزيمة اسرائيل ستعني ان كل الدول المرتبطة باسرائيل ستسقط .. والسلطة الفلسطينية ترى في انتصار غزة انقلابا عليها ونهاية لعهدها البائس .. لذلك تجد ان العالم كله يمور ويغلي ويبكي الا سلطة رام الله صامتة بشكل غريب .. ولايصدر عنها اي شكر لشعوب العالم ولايصدر عنها اي بكائية لما تفعله اسرائيل في غزة بل تدين غزة وما جلبته على نفسها كما تقول ..


السلطة تريد من اسرائيل محق حماس وسحق غزة .. والسلطة لاتريد هزيمة اسرائيل .. وهي لاتريد فلسطين على الاطلاق .. لأنها وظيفيا ستنتهي بتحرر فلسطين او هزيمة اسرائيل .. السلطة تقاتل بقلبها مع الاسرائيليين .. وتدعو بالنصر لهم .. انها مسألة حياة أو موت .. وقد آن للشعب الفلسطيني ان يحيا .. وأن تموت سلطته البائسة وتمحى من التاريخ بالممحاة .. والافضل اخفاء هذا التاريخ عن الاحفاد لأنه مهين ومشين ومجلبة للعار والخجل .. واسقاط السلطة سيضعف اسرائيل .. واسقاط اسرائيل سيزيل السلطة عن الوجود .. انها الاواني المستطرقة .. المرتبطة ببعضها من الخليج المحتل الى فلسطين المحتلة مرورا بالاردن ومصر ولبنان والمغرب ..

::::

مدونة الكاتب

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:
  • توتير:
  • فيس بوك:
  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org

[1]  هذا يقودنا إلى الإشارة إلى أن  الاتحاد السوفييتي فشل في فهم طبيعة الكيان الاستيطاني في فلسطين. وفي الواقع فإن موقفه ينم عن مركزانية أوروبية طالما وافق على طرد شعب من وطنه لصالح كيان استيطاني بل وسقط في تصور بأن هذا الكيان الإستيطاني سيكون نظاماً إشتراكيا وبالتالي حليفاً له ، أنظر كذلك Adel Samara Kana’an – The e-Bulletin  Volume XXII – Issue 6256

 10 April 2022, Communist Boys of NATO are bilding the “Wailing Wall” in Defense of Ukrainian Fascism!

[2]https://www.facebook.com/messenger_media/?thread_id=773969383&attachment_id=227845086013950&message_id=mid.%24cAABa9X41K7SBUXDXPF7ICuO5tALs

[3] See Adel Samara Critique to Rima Hamami, Kanaan, no 88 January 1998, p.p. 25-37

[4] https://mail.google.com/mail/u/0?ui=2&ik=cb6cc82c4d&attid=0.1&permmsgid=msg-a:r