فلسطين بعد السابع من تشرين  رافعة لفلسطين، كاشفة لأصحاب تصريحات، محمد البربراوي

شكل السابع من تشرين الأول عملية نوعية جديدة في الحربِ مع الاحتلال الإسرائيلي، فقد ظهر جلياً  وواضحاً تفوق المقاومة الفلسطينية بغزة في قدراتها التكنولوجية، والإعداد النفسي، والتجهيز العسكري رغم ضعف الإمكانيات و الحصار المفروض على القطاع،  فالقذائف محلية الصنع والأسلحة المستخدمة في هذه الحرب تؤكد مجدداً بإن الثورة  قامت لتحقيق المستحيل لا الممكن، و مهما كانت الظروف استطاعت المقاومة تسخير المستحيل ليصبح قذيفة الياسين التي لمع نجمها عالياً بإعطاب الآليات في عالم مليء بالقذائف وصواريخ متطورة تتجاوز سرعة الصوت.

السابع من تشرين الأول في وجدان المقاومة يتجذر بثبات على الأرض، وبأنفة الشعب في مرحلة تجاوزت الصمود، ورغم ترهل الأنظمة العربية وسجودها من ثقل أزرارها ورتبها العسكرية على بساط العدو إلا أن الشعوب ما زالت تحاول أن تشق طريقها نحو إنجاز مشروع تحرري لها على مستوى الأقطار، ولعل أهمها في القطرين المصري والأردني.

وفي الحديث عن هذينِ القطرين.

1) القطر المصري

تكمن أهمية مصر في أسباب عدة منها:

أ- الكتلة البشرية الضخمة حيث تتمتع مصر بتعداد سكاني ضخم يمكنه أن يشكل رافعة بشرية للمشروع العربي حين يكون هناك وعي تام بطبيعة المرحلة

ب- الطبيعية الاقتصادية لتلك الكتلة في تتبع للهرم الاقتصادي لِمصر نجد مصر تقبع في العصور الوسطى حيث الطبقة العليا” البرجوازيون والسادة” وطبقة العمال والفلاحين، وحين تستطيع الأحزاب والجماهير أن تُنظم نفسها لتصبح قوة مؤثرة بدلاً من الخضوع ستعود من جديد لتنجز ثورة عمالية حقيقية

ج – دور مصر في الصراع العربي – الصهيوأمريكي: تُشكل مصر في الوعي العربي رافعة للمشروع العربي ودونها لا يمكن لنّا النهوض من جديد، ولربما محاربة التجربة الناصرية، ومحاربة شخص الزعيم جمال عبد الناصر بعد خمسين عام تظل شاهدة على الخنجر في جسد النهو العربي.

هذه الأسباب كلها تدفع الغرب للسيطرة على مصر عن طريق الاتفاقيات ومعاهدات السلام وذلك واضح في اتفاقيات كامب ديفيد، وربما أيضًا التحكم في كرسي الحكم هُناك..

وبالرغم من إغراق مصر بالديون واللجوء للاقتراض من صندوق النقد الدولي، ودفع المال الخليجي لشراء منجزات الثورة الناصرية، وإنشاء المشاريع الإدارية والاستهلاكية لا تلك المشاريع المُنتجة، مازال الشعب المصري يدرك نفسه بعض الشيء فقد شهدت الفترة السابقة إضراب غزل المحلة، والمظاهرات الأخيرة أمام نقابة الصحافيين والتي قُوبلت بقبضة أمنية مشددة وبالتهمة مناصرة الشعب العربي الفلسطيني يتولى أمن الدولة أحرار الشعب المصري.

وفي ظل عدم وجود قيادة قومية حقيقية في مصر ستبقى عصابة كامب ديفيد تضع ثقلها في ضياع هذه الأمة وليس فقط على الصعيد المصري.

2) القطر الأردني

تكمن أهمية الشارع الأردني في أسباب مهمة منها

أ- التركيب السكاني يتألف المجتمع الأردني من الأردنيين (عشائر وقبائل بدوية) ومن الفلسطينيين الذين هاجروا بعد نكبة عام 1948 وتم تجنيسهم بهوية قُطرية.

التركيب السكاني في الأردن يلعب دوراً مهماً في قول الكلمة والفعل فالعشائر والمجتمع في الأردن ما زال في كل يوم يرفع صوته لا للاتفاقيات مع الكيان بالكلمة في الشارع وفي كل مكان، وفي الفعل منذ احتلال فلسطين والضفة الشرقية لم تهدأ عن الفعل ولم تكن آخرها محاولة تهريب بعض الأسلحة للضفة الغربية بفعل عربي خالص، و عبور فدائي وإطلاقه النار على جيب عسكري في منطقة بيسان، فكان من قبله البطل أحمد الدقامسة ومن قبلهم أجدادهم في معركة الكرامة وفي معارك نكبة عام 1948.

ب- التركيب الديموغرافي  في هذا التركيب لا يمكن لأي طرف مهما علت نشوة الخراب في مخططاته أن يستغل الشعب الأردني لصالح طرف على حساب طرف أخر، وهذا على عكس لبنان التي يوجد بها طوائف عدة من مختلف الأديان ”  – أي بمعنى في عمان لا يوجد صراع سنة -شيعة، وصراع كاثوليك -مارون – ” وهذا ما يدفع البعض من داخل المجتمع الأردني على إيجاد  طرق أخرى لتشويه الحراك وخلق نزاعات فكرية صراع يسار – يمين، لكن وعي الشارع الأردني يُفوت على المتربصين به الفرصة، ولعل خروج الأحزاب اليسارية والقومية من المسجد الحُسيني في وسط البلد دليل واضح على إدراك تلك النقطة.

ج- الحدود تشكل الأردن أكبر طول حدود مع فلسطين، وتعتبر المنفذ البري الوحيد للضفة الغربية وهذا كله يضع الاحتلال في أهبة الاستعداد وخصوصاً في هذه المرحلة تخوفاً من عمليات التهريب والتسلل ومن نزول الشارع الأردني لتلك الحدود والتي تمت فعلاً وقد منع الأمن الأردني الجماهير من الوصول إليها.

هذه جُملة من الأسباب العديدة والمهمة والتي تضعنا أمام حقيقة واحدة وهي لا يمكن لأي أحد مهما امتلك من تصريحات بلهاء، أو محاولة تبخيس من قيمة الشارع الأردني أن ينسينا بأن الشارع الأردني في صراعنا مع العدو هو من أهم الخطوط الدفاعية عن القضية، ولذلك أي صحوة في الأردن يجب أن تستمر ويتم البناء عليها لإحداث التغير المطلوب، وعلينا محاربة الشيطنة المصاحبة لها، أو الأفعال والأقاويل التي تُنقص منها.

السابع من تشرين الأول تصاريح متسارعة وواهمة

ما أن بزغ فجر التحرير في السابع من تشرين رأينا تصريحات بعضها في موقعها المرسوم لها بحكم موقعها الرجعية العربية، وهُنا الحديث عن الأنظمة العربية والتي لا ننتظر منها إلا مزيداً من التواطؤ والخيانة، إما الحالة الأخرى هي حالة تلك التصاريح الهلامية عن الحرب الإقليمية وهذا ما أدلى به اللهيان وزير خارجية إيران في لقاءه مع رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبناني نجيب ميقاتي. 

 ” دخول غزة برياً يعني حرب إقليمية” ويتابع حديثه تحذير” من امتداد الأحداث الجارية في غزة إلى مناطق أخرى في المنطقة، إذا لم يوقف نتنياهو حربه المدمّرة ضد القطاع.  ويتابع بتصريحاته في الخامس عشر من تشرين الأول قوله” الوضع خطير جداً، ومقلق جداً، وإن الأمور قد تخرج عن السيطرة “.

هذا مثال من التصاريح المتكررة في كل مرة للمسؤولين الإيرانيين وهُنا يحق لنا كعرب فلسطينيين السؤال عن هذه التصاريح هل تأتي في خانة الاستهلاك الإعلامي؟ أم إنها لترميم الوجه الخفي للنفوذ الإيراني في منطقتنا العربية، وعلى حساب اسم فلسطين ومقاومتها تزداد النفوذ في بلادنا أم الإثنين معاً؟

المشروع العربي بين العمامة والطربوش

منذ الاحتلال العثماني والمنطقة العربية كوحدة مجتمعية وجغرافية لم تملك مشروع عروبي وحدوي حقيقي إلا مشروع الوحدة العربية والتجربة الناصرية. وفي أواخر الحكم العثماني الذي عاث الخراب والدمار ببلادنا، وبمشاركته في الحرب العالمية الأولى الذي دفع ثمنها شباب أُمتنا العربية من خلال التجنيد الإجباري، وأرضنا العربية ويظهر هذا واضح في فلسطين بالامتيازات التي أعطتها الدولة العثمانية للمُستعمر الفرنسي وغيره من الدول باعتبار المقدسات المسيحية لرعايا الدول التي شكلت فيما بعد هذه الدول استعمار جديد لفلسطين وبلاد الشام عموماً

ويذكرُ التاريخ عن طريق نظام” الستاتوكو” أعطي الحق والحرية للدول الأوروبية الدخول لفلسطين والمدينة المقدسة، ويذكر أيضًا في العام 1569م تم تأكيد بند الحماية الفرنسية للكاثوليك العثمانيين، كما جرى السماح للفرنسيين بإرسال بعثات دينية كاثوليكية إلى البلاد العثمانية خاصة بلاد الشام، ومن هنا بدأت الدول الأخرى تحاول الاستفادة منه – بند الحماية-   بانضمامها لمعاهدة الامتيازات كإنجلترا التي انضمت سنة 1579، وهولندا التي لحقت بها سنة 1612م، وغيرها.

وبلغ الأمر بعد ذلك مَنح السلطان مراد الرابع الفرنسيين حق حماية بيت المقدس

وقد استغلت الدول هذا البند عن طريق فرض قوة ناعمة من خلال البعثات الدينية واستغلال ما ألت إليه الدولة العثمانية في أواخر عهدها لتفرض قوتها بحجة حماية رعاياها وفي هذه الحقائق يكمن مشهد 

 مُستعمر يسلم مفاتيح البلاد لمُستعمر أخر رهناً لبقائه في خريطة العالم الجديد.

وفي الحديث عن تلك الحقبة برز فيها حركات قومية تدعو للانفصال عن المحتل التركي، وإنشاء دولة عربية موحدة، وفي بعضها كان الحديث عن إنشاء أقطار عربية لكن تبقى تحت مسمى الدولة العثمانية، ولعل محمد علي وثورته في مصر مثال عن إدراك العرب لأهمية مشروع التحرر والوحدة.

وفي التاريخ المعاصر ما زال حلم تركيا باستعادة مجدها على حساب منطقتنا  واضحاً  تحت شعار الدين والقضية، و ما يمثله أردوغان والحالة المصاحبة له من تصاريح عن القضية، وفي الوقت ذاته تعتبر تركيا الدولة الأولى من حيث الصادرات والمعاملات التجارية  إلى الكيان، وأيضًا في دعم الكيان بالأسلحة، وما يفعله في سورية والعراق يؤكد عودته من الباب البعيد – القريب ليستثمر جهوده بالحركات الانفصالية، وبدعم سخي بالمال والسلاح إلى أن وصل الحال باعتبار بعض المناطق تركية فيتم بها التداول بالعملة التركية ورفع العلم التركي على الأرض العربية، ويصل بنا الحال ليجف النهرين!

 إيران ودورها في المنطقة

إيران دولة لها مشروعها الديني – القومي الخاص بها، والذي يجعلها تُدافع عنه مهما كلف الأمر وعلى أي حساب في المنطقة، وهي تقاوم لأجله مُستغلةً في ذلك  شعار فلسطين ومقاومتها وهذا الشيء  يمنحها نوع  من الشرعية للصعود في المنطقة، ولعل نفوذها الإستراتيجي كراعي رسمي للحركات الإسلامية يمنحها ما تريد، فإيران تحلم بشرق أوسط إسلامي تكون هي الزعيمة فيه ولعل دعمها وتأسيسها لبعض الجماعات في العراق دليل، وهذه الجماعات لن تقود العراق إلى مرحلة التحرر فهي رهينة من يمولها وستتبع لأمره لو تنافى مع القيم العربية والواجبات القومية اتجاه أرضها العربية وامتثال بعض الأحزاب هناك بخفض التصعيد على القواعد الأمريكية بعد استهداف قاعدة التنف و قتل وإصابة جنود فيها مثالاً واضح

وخفض التصعيد هُنا له دلالته وهي تجنب الصدام المباشر مع الهيمنة الأمريكية حتى يبقى هناك مجالاً للتفاهمات فيما بينهم على أرض العراق العربية لتظل هنالك المصالح المشتركة، ويبقى العراق قوة ضعيفة يمنع عليها العودة حتى تبقى إيران السيدة هناك والولاء يمر عبر بلاد فارس.

وفي الحديث أكثر عن دور إيران بالعراق، ‏يكمن دورها في الأحزاب والفصائل التابعة لها والتي مهمتها الأساسية توفير الحماية لعملاء النظام البريمري في العراق.

وهم مشاركون بصورة مباشرة بالعملية السياسية المكوناتية التي شرعها المحتل الأمريكي ولديهم ما يكفي من النفوذ والسيطرة على مجلس الوزراء والبرلمان (على سبيل المثال الدورة الحكومية الحالية التي يترأسها محمد شياع السوداني، شكلها تحالف قوى الإطار، والإطار يرتبط بالفصائل بالشكل المباشر وغير المباشر، لذلك تُسمى بحكومة الفصائل). وهم بمثابة ذراع عسكري للأحزاب السياسية فسلاحهم هو الحارس الأول لأركان النظام الهجين القائم

ومن هُنا يصبح هذا الدور مفهوماً عندما تكون إيران وأمريكا العدوتان اللدودتان تلتقيان بمصالح مشتركة عديدة في الملعب العراقي وهناك تفاهمات خاصة بين الجانبين في العديد من الملفات والقضايا.

خلاصة القول إننا كعرب علينا أن نعيد مشروعنا العربي حتى لا نظل أداة أو جزء في مشاريع الأخرين وعلينا إحياء معنى القومية العربية من جديد واستلهام تجربة الماضي وما شكلته حركة القوميين العرب، والتجربة الناصرية ومشروع الوحدة العربية من توحيد للعرب تحت شعارات تُرجمت واقعاً، فما انكفأت

حركة القوميين عن الدفاعِ عن الأقطار العربية ولنا في اليمن وعُمّان المثال، وكذلك التجربة الناصرية التي جعلت من الحلم واقعاً، وفي هذا الاستلهام نقرأ الحاضر ونستقرأ المستقبل، ونسعى لمواجهة كافة الأخطار على حساب مواردنا وأرضنا.

وعلى كل من يدعي المقاومة في الدول المحتلة أن يسعى لتحرير بلده من المحتل.

 وأن تعلم أن الدين الإسلامي عربي والبعد الديني حاضر في موروثنا الإنساني والحضاري فما زال هذا القرآن عربي ولن يكون إلا عربياً، فعلى الجماعات الإسلامية أن تدرك بإنها عربية، وولاءها يجب أن يكون عرب، وعليها تحرير بلادها من كافة أشكال الاحتلال.

 _________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/