لا سلام في سوريا، ولا بعدها
أمة لن تموت
قراءة تشترط مساهمتك
حلقة 9 من 10
د. عادل سماره
الكيان
بفعل طوفان الأقصى صار بوسعنا قراءة مدة ثلاثة قرون، وضمنها قرن وربع القرن من سنتها الأخيرة حيث أعاد الطوفان هذا الصراع المديد ، والذي سيمتد، إلى مسألتين مركزيتين مقدماتهما فكرية إستراتيجية وهدفهما رأسمالي بوضوح، وتنفيذهما عسكري ومردودهما اقتصادي مصلحي بلا ريب وهما:
· استهداف الأمة العربية منذ 300 سنة، وهو الحلقة الأخيرة والجارية في صراع العرب ضد الغرب قديمه وحديثه،
· والمؤتمر الصهيوني الأول في بازل 1897.
وهكذا، أكد طوفان الأقصى أن الصراع في وعلى الوطن العربي مع الغرب بأجمعه وفي ذيل هذا الغرب ما ابتلعه من شرق أوروبا، هذا من جهة، وأكد من جهة ثانية أن الكيان الصهيوني هو تماماً كما قال ثيودور هرتسل بأن “الدولة اليهودية” ستكون سوراً يفصل بين الحضارة الغربية والهمجية الشرقية. وهذا السور تعبير أجوف إذا لم يُناط بنائه وحمايته بالغرب. وكان هرتسل على يقين بأن الغرب بحاجة لهذا السور الذي هو مقدمة حربية واستثمار إستراتيجي للغرب في الوطن العربي. ولأنه مقدمة حربية واستثمار إستراتيجي لم يقل هرتسل مثلا: طالما هذا الشرق متوحشاً، فما معنى أن نُلقي باليهود هناك؟ أليس الغرب أوسع وأحمل لهم وبهم؟
بهذا المعنى، وقد يكون في الباطن، فإن هرتسل:
قصد خدمة الغرب أكثر من خدمة اليهود أنفسهم، هذا من جهة ومن جهة ثانية لا شك أدرك أطماع الغرب في الوطن العربي. أما خدمته لليهود فكانت خدمة للبرجوازية اليهودية المعولمة أي التي تتوزع بين الأمم التي بها يهودا، هي قلعة راس المال وليس درع روتشيلد فقط، ولكنها برجوازية نعم، لكن بلا وطن. ومع أن راس المال بلا وطن محدد، لكنه أراد لها وطناً محدداً أي لم يكتفي بأن راس المال بلا وطن، لعله الجشع اليهودي المعروف.
وكانت خدمته لليهود المتدينين الذين يزعمون أن لهم في فلسطين ماضٍ ما. وبين مقارنة الأرجنتين وأوغندا وتونس وفلسطين رجح الراس الرأسمالي لاستعمار منطقة فيها ما يُغري. ومن هنا، فإن هرتسل العلماني كان قد تجاوز الخرافة الدينية لكنه وظفها، وسارت على نهجه مختلف القيادات الصهيونية العلمانية وحتى الصهيونية الماركسية، مثلا بوروخوف الذي من أجل اليهود عاكس التاريخ البشري وبرَّر اغتصاب فلسطين، فقط، ليصبح لليهود دولة! وصولاً إلى الأصولية اليهودية الحاكمة حالياً.
بدورها فإن حلقات الصراع منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى حينه تؤكد أن فكرة وتنفيذ هذا الكيان كانت فكرة انتحارية أي قاتل ومقتول بلا مواربة، وبأن اليهود وضعتهم قياداتهم في موضع العبيد للغرب ولكن في درجة أعلى من عبودية أو عبيدية الحكام العرب.
وهكذا، فإن الشهيد يحيى السنوار هو الذي وضع الصراع منتصبا على راسه وأكد أن لا سبيل لسلام في تناقض تناحري، وهو ما فهمه نتنياهو في الجانب الصهيوني وبالطبع يفهمه الغرب بدوله العميقة فهماً عميقاً. وهنا يكون السؤال الصعب بل الصعبة إجابته: كم من حركة التحرر العربية من العمق لفهم هذه الحقيقة؟ ودون تفصيل طويل، لو كانت هكذا، لغيرت مجرى نضالها إثر حدثين على الأقل:
· سلام السادات في كامب ديفيد 1979 وإعادة نظامه للجامعة العربية ووقف مقاطعة الأنظمة العربية لنظام مصر
· وإقرار الحكام العرب أن “السلام خيار إستراتيجي” عام 2002.
ولعل المثير للهُزء المر، أنه في حين تهاوى الموقف الرسمي العربي وغالبا موقف قوى حركة التحرر باتجاه التطبيع وحتى مناصرة الكيان، كان قادة الصهاينة يحلمون حتى بالاستغناء عن الغرب، وهذا ما طرحه شمعون بيرس منذ عام 1985. لكن الواقع اقوى ليؤكد أن هذا الكيان بدأ قاعدة وانتهى محمية، ولا أدل على هذا من اختراق طوفان الأقصى للكيان من جهة وإعلان نتنياهو المتكرر بأن على الغرب حماية الكيان. وهذا يفتح على حقيقة جارية الآن، حيث نفى الطوفان تضخيم القاعدة وأكد أنها محمية وبأن الدعاية أن الكيان هو المكان الأكثر أمناً لليهود أي الدولة/الفندق ليس كما قيل، وبأن ما يغادره من الزبائن أكثر ممن يأتونه للاستيطان، غادر الكيان عام 2024 حوالي 83 ألف شخص واستوطن فيه 17 ألف شخص وهذه اول مرة يكون الخارج أكثر من المٌستجلب بعد سنوات الوحدة المصرية السورية 1958-1961. وقد يكون هنا معنى للتفسير الطبقي والثقافي، فالعلماني والغني يفضل الهجرة بينما يبقى الفاشي والأقل ثقافة وبالطبع من يؤمن بالأساطير والخرافات وأكيد الفقراء الآتون من بلدان ليس فيها ما يغريهم بالرحيل إليها وهذا ما يؤكد وجه وطابع الدولة الاستيطانية.
في استطلاع للرأي العام في الكيان أجراه مركز روبن ونشرته صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 8 كانون ثانٍ 2025 وترجمه الصحفي وائل عواد في فضائية الغد عن تأثير 7 تشرين أكتوبر و 15 شهرا من الحرب:
ورد فيه بأن:
69% من المستطلعين لديه قلق مستقبلي على الكيان لأسباب إقتصادية،
64% يعاني تراجع كبير في مستوى المعيشة
82% قلقون على مستقبل الدولة
84% قلقون من الوضع الامني في الفترة الأخيرة
90% قلق ناجم عن الانقسام الداخلي
67% قلق على تراجع الديمقراطية
64% قلق من تدني الصورة الأخلاقية للدولة
25% يدرسون خيارات الهجرة
40% قلقون بأن اقاربهم سيغادرون الدولة
55% لديهم معاناة صحية في البطن والظهر
50% يعانون الصداع
35% يعانون ضيق النفس وسرعة نبضات القلب
15% يعانون الدوخة والإغماء
50% يعانون صعوبة في التركيز،
50% لديهم ميل لعدم التسامح
60% تراجع في الهدوء النفسي وتراجع في أداء العمل
50% يعانون من الأرق
48% يعانون تراجع في التركيز
60% يعانون تراجع في الأمن الشخصي
27% يعانون من أفكار انتحارية
من هنا، فإن الثرثرة عن شرق أوسط جديد والذي نادى بها شمعون بيرس لا يتوفر في الكيان بنية تحمله ناهيك عن أن ما يخطط له الأعداء ليس بالضرورة ان يشهد الحياة عى ضوء التغيرات التي لا بد تحصل في الوطن العربي.
تؤكد مسيرة علاقات الكيان بالدول العظمى أنه لن يتمكن من الاعتماد الذاتي على النفس، فإثر الحرب الإمبريالية الثانية وهزيمة الإمبريالية النازية الألمانية وتراجع الإمبرياليتين البريطانية والفرنسية قفز الكيان إلى الحضن الأمريكي الذي استقبله بدفىء لافت. وحينما اتضح صعود الصين الشعبية وتراجع الإمبريالية الأمريكية وخاصة بعد فشل النيولبرالية والعولمة الرأسمالية بنى الكيان علاقات ما أمكنه ذلك مع الصين، وحتى مع الهند. كما لم تُهمل قيادة الكيان استخدام الخرافات والتكنولوجيا والعلمانية وحتى “الاشتراكية” في تثبيت نفسها.
لكن توظيف مختلف هذه التناقضات لم يذهب دون إثر سلبي، فقد أدى صعود الفاشية الأصولية الصهيونية إلى كشف زيف ديمقراطية الاضطرار التي هُدف منها بقاء الكيان وخلق مناخ مستقر داخله وكسب تأييد الدول الأخرى.
وإذا كان هناك من نقاش أو اختلاف حول الكثير من السمات التي يصبغها الكيان على نفسه ووجودها بدرجة أو أخرى، فإن ما يمكن الجزم به أن الكيان الاستيطاني الاقتلاعي من جهة والعنصري التابع للإمبريالية من جهة ثانية لا يمكن أن يولد قوى اشتراكية، ولعل الشاهد على هذا أن كثيراً من مؤسسي الكيان كانوا ذوي اتجاهات يسارية أو “اشتراكية” المزاعم، ولكن حتى هذه اضمحلت وانتهت أمام المد الفاشي الأصولي.
وهكذا، فإن الثابت في الكيان هو كونه حالة استيطان واغتصاب وفاشية وخرافية دينية على صعيده الداخلي ومرتبط بحبلٍ سُرِي بالغرب الرأسمالي الإمبريالي على الصعيد الخارجي.
ولكن بالمقابل، فإن القطريات العربية واصلت خدمتها كتوابع للغرب عامة ولأمريكا خاصة على حساب الوطن العربي نفسه!
عودة إلى حلم بيرس:
ولعل ما يلخص رؤية وحلم الكيان المقتطف التالي للكاتبة “الاسرائيلية” (سيمدار برّي) للقناة العاشرة “الاسرائيلية” في حديثها عن مشروعها التوسعي الكبير والذي يسمى (بممر داود):
” الذي يمر عبر الأراضي السورية للوصول الى حدود العراق والى نهر الفرات تحديداً تحقيقاً للنبوءة التوراتية بمملكة داود. بالتأكيد سيكون الممر تحت إشراف امريكا وقواعدها في المنطقة، وإذا ما تحقق سيؤمن لإسرائيل السيطرة الكاملة على مناطق واسعة تصل الى الحدود العراقية السورية؛ وسيُساعد على قيام دولة درزية في جنوب سوريا ودولة كردية في شمال سوريا (إذا وافقت تركيا) حيث سيلتحم التمدد الكردي المدعوم من امريكا بالتمدد الاسرائيلي ليصنع محور تتمكن فيه إسرائيل من الوصول الى نهر الفرات وسيلتقيان في منطقة التّنف، وفي حال حصول ذلك فسيتم عبر تسوية غير معلنة ستتنازل فيها الأردن ومصر عن جزء من اراضيها بالتراضي… ماذا بعد سوريا؟ والى أين تتجه البوصلة الصهيونية؟ هل ستكمل إسرائيل مسارها الذي يشمل أجزاء من الأراضي الأردنية والمصرية والسعودية؟”.
ليس المهم في هذا الهذيان ذكر مملكة داود بل المهم أن كل هذا سيحققه الاحتلال الأمريكي للمنطقة. أما المضحك فهو تنازل الأردن ومصر عن قسم من أراضيها بالتراضي! وبالطبع لا ذكر للفلسطينيين!
قد نختم هذا الجزء بتأكيد امرين:
الأول: أن الكيان عبد للغرب
وأن الأنظمة العربية التطبيعية وغير المقاتلة والقطرية عبيد للعبد
كُتبت بتاريخ 10 يناير 2025
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
