“السّوق الأحمر”: عن الاشتراكية في الصين، عامر محسن

15 نيسان 2025

«إنّ تحرير الفكر هو مسألة لا يمكن التنازل فيها. حتّى السؤال عن ماهية الاشتراكية يتطلّب أيضاً تحرير الفكر. إن بقي الاقتصاد في ركودٍ وجمود لمدة طويلةٍ من الزمن، فهذا لا يمكن تسميته بالاشتراكية. لو ظلّ مستوى حياة الناس منخفضاً جداً لمدة طويلةٍ من الزمن، فهذا لا يمكن تسميته بالاشتراكية»


«إنّ الجدال على معايير تحديد الحقيقة هو في الواقع جدالٌ على الخطّ النظري، على السياسة، وعلى مستقبل ومصير الحزب والأمّة»

دِنغ شياو بينغ

من الطبيعي أن يستغرب زائرٌ لمدن الصين الحديثة أن يقال له إنّه في بلدٍ اشتراكيّ، بل والماركسية أيديولوجيته الرسمية، ويعتبر أن بناء الاشتراكية هو الهدف الأساسي لنظام الحكم. حين زرت مدينة تشنغدو في مقاطعة ستشوان، وضعونا في فندقٍ في منطقة تطويرٍ جديدة جنوب المدينة اسمها «تيانفو» (أي «المقاطعة السماوية»، وهو من ألقاب ستشوان). يبدو أنّ «منطقة تيانفو الجديدة» هي من المشاريع المحبّذة لدى الرئيس الصيني والتي تحظى برعايته، وفكرتها أن تنشئ مدينةً حديثة تمثّل توسعةً لتشنغدو، وتكون بحسب مفاهيم حضريّة جديدة وتصميمٍ مستوحى من نموذج «المدينة/ الحديقة»، فتجد ناطحات سحابٍ برّاقة، «بعد حداثية»، وسط مساحاتٍ خضراء وبحيراتٍ، وأحياء سكنية شاهقة لا تزال في طور البناء والتسليم؛ و«تيانفو» مقسّمة إلى مناطق متخصّصة، تجارية وتقنية وبحثية، كلٌّ منها عبارة عن مدينةٍ صغيرةٍ لها اقتصادها الخاص.

إن كان مفهومك عن الرأسمالية يرتبط بالتعالي في البنيان والاستثمار العقاري والإبهار بالمساحات والتصميم، فأنت تكتشف في كلّ مكانٍ في الصّين ما يماثل «تيانفو»: مدينة أبراجٍ بحجم دبيّ، ولكنك لم تسمع بها من قبل.

وإن كان معيار الرأسمالية عندك هو الاستهلاك، والاستهلاك الظاهر الباذخ (conspicuous consumption)، فماذا تقول حين ترى مراكز التسوق في وسط بيجينغ؟ أنا لا أتكلم عن المولات الصينية الكبيرة التي يشتري منها السيّاح البضائع (فهذه لها دورٌ مختلف، إذ هي صلة وصلٍ بين المنتجين الصينيين وتجار الجملة والمصدّرين)، بل أتكلّم عن الماركات الغالية المستوردة والتسوّق «المعولم». ستجد بلوكات كاملة في الوسط التجاري، على طول شوارع كاملة تحفّها ناطحات السحاب، مخصّصة بالكامل للماركات العالمية وصالات عرضها، لم أرَ بحجمها في نيويورك أو سان فرانسيسكو.

كلّ علامةٍ دوليّة مشهورة، من «آبل» و«أرماني» إلى «هيرمس» و«فيراري»، تتبارى في رفع أسمائها هناك على مقرّاتٍ بمساحات هائلة، لا يمكن أن أتخيّل كلفتها في قلب بيجينغ – ويُقال إن بيجينغ في هذا المجال، التجارة والارتباط بالعالم والتفنن في أنماط الحياة، هي لا شيء أمام شانغهاي.

في الوقت ذاته، فإنّ نقاش الاشتراكية الصينية هو أهمّ نقاشٍ يمكن أن يجري في الموضوع، فأنت هنا تتكلّم عن تجربة اشتراكية موجودة في «الواقع الحقيقي»، وليس عن نماذج نظريّة يبنيها مثقفون يعيشون في كنف الرأسمالية. نظرة الكثير من الماركسيين الغربيين للاشتراكية والشيوعية، يقول الفيلسوف رولاند بوير، تأتي من مكانٍ مختلف تماماً عن التراث الماركسي الصيني، أو حتى عن مفهوم «الاشتراكية العلمية»، بل هي أقرب إلى رؤى مسيحيّة/ زهديّة عن المجتمع، من نمط الأفكار المشاعية التي راجت في إسبانيا وغيرها في أوائل القرن العشرين. وأهدافها يوتوبية خالصة على طريقة إلغاء الملكية والحياة الجماعية البسيطة مع الطبيعة، وليس بناء مشاريع سياسية حديثة. نشر بوير كتاباً عنوانه «الاشتراكية بخصائص صينيّة: دليلٌ للأجانب» (دار سبرنغر، 2021). المثير فيه أنّه، من جهةٍ، يناقش التجربة الصينية عبر نصوص المنظّرين الصينيين أنفسهم، وعلى رأسهم قادة الحزب التاريخيين من ماو إلى شي جينبينغ، ولأنه أيضاً يعطيك منهجية مختلفة لمقاربة التجربة الاشتراكية الأكبر في التاريخ.

ما يقوله بوير، بمعنى ما، هو إنّ ثمن فهم الاشتراكية الصينية يبدأ بأن تتخلى عن الكثير من المفاهيم والقوالب الغربية في التفكير والتنظير. هذا لا يعني أن تستبدل سرديّة بأخرى كتبها صينيون، بل المسألة تذهب أبعد بكثيرٍ من ذلك إلى المنهجية، ومفهوم الأكاديميا وإنتاج المعرفة، بل والهدف من عملية التفكير أساساً. على سبيل المثال، يقول بوير، حين يتكلّم الصينيون عن «تحرير الفكر»، فهذا ليس بالمعنى «الليبرالي» للعبارة، أي أن تجلس على أريكة وتفكّر بـ«حرية» في أي شيءٍ يخطر في بالك. «تحرير الفكر» هنا يعني أن تدرّب عقلك بمنهجية علمية، وأن تستخدم هذه المعرفة لخدمة المجتمع، هنا فقط يصبح الفكر فاعلاً و«حرّاً». فوق ذلك، المسألة ليست «نظريّة» وهيولية، فلا يوجد فصلٌ بين أن تحرّر «فكرك» وأن تحرّر «واقعك» المادّي، فالاثنان يجب أن يكونا على اتّصالٍ وبينهما سببية مباشرة، وإلّا فما الهدف من هذه العملية من الأساس… التنمية البشرية أم لعبة خيال؟

قبل أن نبدأ النقاش، وعلى ذكر مدينة تشنغدو، هناك نقطةٌ أعرف أنها خارج الموضوع، ولكنني لست أقوى على كتمها. كنت أريد دوماً أن أزور ستشوان، المقاطعة الداخلية ذات الطابع الخاص تاريخياً، ومدنها المدهشة وسط الجبال. ذلك، بالطبع، لأسبابٍ تتعلق أساساً بالطعام؛ ولكن ستشوان مشهورة أيضاً بأمورٍ عدّة، من بينها حيوان الباندا، إذ تعدّ المقاطعة موطنها الأساسي. وفي تشنغدو قمنا بالفعل بزيارة «قاعدة الأبحاث»، المحمية التي تضمّ وتستولد أكبر عددٍ من الباندا العملاق في العالم.

وقد وجدت نفسي أفكّر وأنا واقف أمام قفص الباندا (هو ليس «قفصاً» في الحقيقة، بل مزيجٌ بين قصر ومدينة ملاهٍ: مساحات خارجية خلّابة بغاباتٍ وأشجارٍ، تسرح فيها الدببة حين يكون الطقس مناسباً، والداخل مفروشٌ بألعابٍ وأطعمة ومن تصميم معماري شهير – بيوتنا هي الأقفاص).

المهم، سؤالي باختصار كان: لماذا الباندا تحديداً؟ من بين آلاف الأجناس والأصناف المهددة بالانقراض، لماذا نولي الباندا كلّ هذا الاهتمام والعطف والموارد؟ لم تكن عندي الشجاعة وقتها لكي أسأل مضيفيّ، ولكن ما الذي سيحصل إذا، لا سمح الله، انقرض الباندا؟ هل سيختلّ ميزان الطبيعة؟ مهما فكّرتم في الأمر وقلّبتموه، فإنكم لن تجدوا سبباً غير أن الباندا شكله ظريف، وحركاته مضحكة، وأطفاله كاللعب (اكتشفت أن هناك أنواعاً أخرى من الباندا، هي أيضاً مهدّدة، ولكننا لا نسمع بها لأنها ليست بظرافة الباندا ذي اللونين). ما هذا إلا شاهدٌ جديد على سطحية المجتمع وضحالة النفس البشرية: حين تكون جميل المظهر وسيماً فإن الجميع يدلّلك.

الماركسية في الواقع

بداية الشرح لا بدّ أن يكون في النظريّة، والسبب هو أنّ الصين – يشرح بوير – ليست كأي بلدٍ ونظامٍ آخر في العالم؛ الصين نظامٌ يقول عن نفسه وفي نصوصه التأسيسية إنّه يقوم على أساس فلسفي، وعلى فلسفة محددة هي الماركسية. للفلسفة إذاً (والعلوم الاجتماعية عامّةً) مكانٌ مركزي في الصّين ودورٌ عملي سياسي (قارن، يقول بوير، بالمنظومات الغربية، حيث تنفى الفلسفة إلى أقسامٍ أكاديمية نظرية وهامشية، فتتحول إلى ما يشبه نقاشات النقد الأدبي).

ولهذا السبب تجد قادة الصين كلهم يمتلكون تدريباً فلسفياً، ويناقشون خطواتهم عبر النظرية والتراث الفكري الذي ينتمون إليه. المسألة، على عكس ما يعتقد الكثيرون، هي أنّ الماركسية لا تعطيك «دليل استخدام» لإدارة المجتمع الاشتراكي، بل هي – في ذاتها – لا تعني شيئاً كثيراً في الجانب العملي. إن شئنا التبسيط، فإنّ هناك نقطتين أساسيتين في النظرية والابستمولوجيا نكتسبهما من الماركسية: المادية الجدلية والمادية التاريخية. عدا عن ذلك، أنت من يجب أن يفكّر ويستخدم هذا المنهج لكي تنتج تحليلاً صحيحاً عن واقعك، أي استخراج النظرية من الواقع وليس العكس، وهو القاعدة الأولى عند الشيوعيين في الصين.

هنا فقط يصبح للماركسية قيمة و«تتجسّد» بشكلٍ حقيقي في العالم (ما عدا ذلك ينتمي إلى أقسام الجامعات ودراسات تاريخ الأفكار). يقول بوير إن قيمة «ماركسية» ماركس هي: إنه قدّم تحليلاً لأوروبا في أواسط القرن التاسع عشر، ولينين وستالين شخّصا المجتمع الروسي في أوائل القرن العشرين. أمّا ماو تسي تونغ فقد شرح عن الصين في أواسط القرن ذاته، ودنغ حلّل وضعها في أواخره. إن اعتقدت أنّ في وسعك أن تأخذ أحد هذه التشخيصات وتطبّقها استنساخاً على مجتمعك وزمانك فأنت ترتكب خطأً جسيماً ومنهجياً.

في المنظومة الماركسيّة توتّرٌ بين مفهومين، يشرح بوير، مفهوم «الملكية» (أي الاشتراكية بوصفها إعادة توزيع للملكية ووسائل الإنتاج لمصلحة الجماعة) وبين مفهوم الإنتاج وتحرير قدرات المجتمع وطاقاته (وهو الهدف النهائي للاشتراكية). ففي «البيان الشيوعي»، حين يتكلّم ماركس وانجلز عن ضرورة تجميع وسائل الانتاج في يد دولةٍ تحكمها البروليتاريا، فهما يضيفان تكملةً جوهرية للفكرة، وفي الجملة ذاتها: «بغية توسعة اجمالي قوى الانتاج في أسرع وقتٍ ممكن».

«يقوم رونالد بوير في فصلٍ طريف بتعداد الأفكار الاستشراقية الغربية التي توصّف الصّين وتجربتها، وكيف أن الدعاية ضدّ الصين تنضوي دائماً تحت «نماذج جاهزة»، وأنماط مستوحاة من مفاهيم مسيحية أو من الثقافة الشعبية في الغرب»

في الماركسية الغربية، وعند اليساريين الذين يعيشون في أنظمةٍ متقدّمةٍ اقتصادياً، فإنّ التركيز يكون غالباً على جانب الملكيّة وحدها على حساب الشقّ الثاني. ولكن الوضع مختلفٌ تماماً في دول الجنوب والعالم الثالث: لديك حالة تخلّف وفقر، بل لا زال اقتصادك في مرحلةٍ قبل صناعيّة، ولديك مشكلة سيادة وتحرّر وطني. منهج التوزيع والتأميم وحده لا يكفي لكي تحلّ مشكلاتك وترفع الناس من الفقر والاقتصاد البدائي وتبني بلداً اشتراكياً حديثاً. يكتب الباحث الصيني فنغ وانغ عن المدة التي تلت تسلّم الحزب للسلطة في الصين، حين شرح أحد الخبراء الغربيين وقتها أنّه، حتى لو وُزّعت موارد البلد بشكلٍ متساوٍ ومثاليّ على الجميع، فإن الجميع سيظلّ فقيراً ومحروماً، لأنّ الصين نفسها كانت فقيرة جداً.

في المرحلة الاشتراكية، إن أنت أهملت موضوع الملكية بالكامل فقد تجد نفسك وقد أصبحت في رأسمالية كاملة الأوصاف. ولكن، إن أهملت موضوع التنمية ورفع مستوى حياة النّاس وتطوير القدرات الإنتاجية، فقد تصل بالمقابل إلى «اشتراكيّة فقر»، حيث النظام يسبّب الجمود والركود، ويصبح عبئاً على المجتمع بدلاً من أن يحرّره. لا يوجد، بالمعنى العلمي والأخلاقي، سببٌ لأن تختار اشتراكية فقيرة على رأسمالية ثرية فقط لأنها «اشتراكية»، وهذا كان قلب الخلاف بين دِنغ و«عصابة الأربعة» في السبعينيات.

الاشتراكية، بطبيعة الحال، لا تعني إلغاء الملكية الفرديّة، ولا هي «وصفةٌ» بقدر ما هي «طريق». فلنفكر قليلاً في حالة الصين أواسط القرن الماضي وعن معنى الاشتراكية في ذاك السياق. في المبدأ، أنت لن تصل إلى ما يسمّى بـ«الشيوعية» وإلغاء الملكية بشكلٍ كامل إلّا بعد زمنٍ طويل، حين تكون القدرات الإنتاجية للمجتمع قد وصلت إلى حدٍّ هائل من التقدّم، ولديك فائضٌ يفوق حاجة الناس بكثير

.

أمّا الاشتراكية، يقول بوير، فهي طريقٌ تاريخي طويل ووعرٌ ومتعرّج، ويضمّ في ذاته أكثر من مرحلة. والصين، يضيف، لا تزال في الخطوة الأولى من المرحلة البدائية من الاشتراكية (نحن هنا في الستينيات)، أنت لم تنتشل الناس من الفقر المدقع بعد، هل تريد شيوعيّة هنا؟ من هنا يقول دِنغ إنّ المثال الاشتراكي المثالي «من كلٍّ بحسب قدرته ولكلٍّ بحسب حاجته» لا يمكن أن يطبّق في السياق الحالي، وحتّى يتم إنجاز المراحل الأولى من تحديث المجتمع وتطويره، فلا مناص من اعتماد شعارٍ بديل: «من كلٍّ بحسب قدرته ولكلٍ بحسب عمله».

علم التناقضات

مثلما انتقد دِنغ «عبادة الكتب»، الماركسية النظرية التي لا تتصل بالواقع، يهاجم بوير ما يسمّيه «العدمية التاريخية» الراسخة في اليسار الغربي. العدمية التاريخية هنا تمثّل النظرة الكلبيّة تجاه أي مشروعٍ تقدّمي: إن هذه الاشتراكية ليست اشتراكية حقيقية، وهذه المقاومة ليست مقاومة حقيقية، وإننا قد فقدنا براءتنا وحِدنا عن الطريق، والمشروع لم يعد قابلاً للإنقاذ ونحن ننعيه، إلخ. ويتمّ إنكار أن ثورةً حصلت، وأنها حققت أي مكتسبات، ويحصل تحقيرٌ وتشويهٌ للقادة التاريخيين. يحاجج بوير بأن هذه العدمية، وانتشارها في صفوف المثقفين والنخب، كانت من أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي.

يقوم بوير هنا، في فصلٍ طريف، بتعداد الأفكار الاستشراقية الغربية التي توصّف الصين وتجربتها، وكيف أن الدعاية ضدّ الصين تنضوي دائماً تحت «نماذج جاهزة»، وأنماط مستوحاة من مفاهيم مسيحية أو من الثقافة الشعبية في الغرب: سردية «رواية الخيال العلمي الدستوبية» مثلاً (حيث الصين ليست تجربة تنمية باهرة، رفعت حياة أكبر عدد من البشر في تاريخنا المعاصر، بل هي في الحقيقة «دستوبيا» مظلمة، دولة ظالمة وأقليات مقهورة ومئات ملايين العمال يكدحون كالعبيد تحت رقابة الكاميرات)، سردية «نهاية العالم» (حيث ما نراه في الصين ما هو إلا توطئة للفيضان ولسقوط عظيمٍ وشيك، من أشهرها كتاب غوردون تشانغ «الانهيار القادم في الصين» – نُشر عام 2001 – والطريف أنه لا يزال يُقتبس في الغرب، دونالد ترامب نفسه قد ذكر تشانغ في كلام له عن الصين منذ أيام)، سردية «الفردوس المفقود» (الصين كانت بالفعل اشتراكية، أيام ماو والبراءة والحقيقة الثورية، ولكنها لم تعد كذلك وأصبحت تسير على الطريق الرأسمالي، ومن يلعب دور «الخائن» – يهوذا – في هذه السردية هو بالطبع دِنغ)، سردية «نظرية المؤامرة» (الصين ليست اشتراكية وقادة الحزب الشيوعي ليسوا ماركسيين، هم يلعبون تمثيلية كبيرة). الفكرة هي أنك لا تحتاج إلى أن تعرف شيئاً عن الصين حتى تعتمد إحدى هذه السرديات، أو مزيجاً منها، وتتبنّاها.

من العوائق المنهجية في فهم الغربيين للصين (اليساريين منهم قبل اليمينين) هي أنهم لا يفقهون المنطق الجدلي الذي يعتمده الصينيون أنفسهم في تحليل واقعهم. السرديات الغربية غالباً ما تعتمد ثنائياتٍ مثالية، على طريقة إما/ أو، يقول بوير، بمعنى إنّ السوق يتم ربطه مباشرة بالرأسمالية، والتخطيط والتأميم بالاشتراكية، إما هذا أو ذاك (فيما السوق، كالتخطيط، ما هي إلّا «أشكال مؤسسية»، يمكن أن تجدها في أيّ نظام وأن تتجاور مع بعضها البعض: في المجتمع الإقطاعي كان هناك نظام سوق، وفي الرأسمالية الألمانية والسويدية تخطيط).

لهذه الأسباب، حين وصل الإصلاح السوقي إلى قمته في سنوات «التسعينيات الهائجة»، افترض هؤلاء مباشرة أن الصين قد أصبحت رأسمالية وانتهى الأمر. وحين أعلن شي جينبينغ منذ عقدٍ أن شركات الدولة سيكون لها دورٌ مركزي في الاقتصاد، قالوا إن القطاع الخاص في الصين قد انتهى وسوف نعود إلى ماو. المنطق الجدلي في الماركسية الصينية، من ناحيةٍ أخرى، يقوم على فهم التناقضات وتفاعلها، وليس على الاختيار بينها أو محاولة «إنهائها».

التناقضات لن تختفي وأنت على الطريق الاشتراكي، إلا إن حاولت أن تقمع المجتمع وتسجنه. سيظلّ هناك رؤساء ومرؤوسون، وحكام ومحكومون، وتراتبية في الدخل والسلطة. فهم هذه التناقضات هو ما يسمح بأن تديرها لمصلحتك: مرحلة التجميع والتخطيط «من فوق» كانت ضرورية للصين ونهضتها، ولكن إن ذهبت بعيداً فيها يتكلّس المجتمع ويصبح أثرها سلبياً. الإصلاح السوقي، بالمقابل، كان ضرورياً في مرحلةٍ لاحقة، ولكنك تعرف أن طغيان السوق على حساب المجتمع سيصنع ظواهر «التسعينيات الجامحة»: الفروقات الطبقية والاستغلال والفساد.

يروي بوير، الذي يعيش ويدرّس في الصين، أن حالة الحزب الشيوعي ذاته أصبحت تشبه البلد أيامها، فكان الكوادر يقولون بوضوح انهم غير فخورين بوضع الحزب، وإن كان يهوّن عليهم واقع ان اقتصاد البلد ووضع الناس يتحسّن. أمّا اليوم، فالحزب مؤسسة مختلفةٌ بالكامل، يضيف الكاتب، بتنظيمٍ حديثٍ فعّال، وكوادر شابّة محترفة، ودورٌ مركزي في المجتمع والاقتصاد (وهذا قد لمسته بنفسي هناك من خلال تعاملي مع جيل «التكنوقراط السياسي» الجديد).

السّوق والتخطيط، كما أسلفنا، لا يوازيان الرأسمالية والاشتراكية، بل هما «أشكال مؤسسية» للتوزيع والإدارة. السوق يوزع بحسب قانون القيمة والمنافسة والربحية فيما القطاع العام يعمل على اعتبارات المدى البعيد والاستثمار والمصلحة الجماعية. يحصل أن يطغى واحدٌ على الآخر، كما جرى في التسعينيات، وفي تلك المرحلة – يضيف بوير – خرجت نقاشات صينية تعكس ذاك السياق المضطرب.

البعض حاجج بأن الصين تتجه بوضوحٍ صوب الاندماج مع العالم الرأسمالي، وقد يكون من المنطقي التخلي رسمياً عن الاشتراكية واعتماد النيوليبرالية منهجاً لإدارة البلد؛ وخرج تيّار نيو-كونفوشيوسي يدعو إلى تهذيب الجنوح الرأسمالي عبر العودة إلى التراث الديني وتقاليده ونظامه التراتبي. وحين حُسم النقاش لاحقاً بأنّ الاشتراكية (بخصائص صينية) هي الطريق الوحيد للنهوض الصيني، كان ذلك أيضاً جانباً من هذه العملية الجدليّة الطويلة.

مثال آخر: حين انفتحت الصين على السوق العالمي، وهي كانت تحتاج إلى تكنولوجيا غربية وتعرف أنّ الانعزال وإغلاق الباب على نفسها سيبقيها متخلّفة وفقيرة. في الوقت نفسه، أن يتعامل النظام الاشتراكي في الصين مع أميركا والسوق الرأسمالي يرتبط بهما هو تناقض، ولكن ما يجعله تناقضاً «غير تعارضي» هو أنّ الصين، بسبب تراثها ومؤسساتها وذكريات «قرن الإذلال الوطني»، لن تذهب في هذه العملية إلى درجة التخلي عن سيادتها وأمنها (في مكانٍ مثل لبنان، بالمقابل، ما إن رُفعت الوصاية السورية المباشرة عام 2005 حتّى أصبح البلد في خمس دقائق مستعمرة أميركية).

كما قلنا في البداية، نحن نتحدّث هنا عن مشروع اجتماعي هائل يجري أمامنا في «الواقع الحقيقي»، وليس عن ماركسية نظريّة على طريقة «عبدة الكتب» الذين دائماً ما انتقدهم ماو وخلفاؤه. هم، بالمناسبة، موجودون عندنا كما في الغرب، خاصة في جيل آبائنا. «حرّاس ماركس»، ألا تعرفونهم؟ سأشرح: هو يكون غالباً من الكوادر الدنيا في الأحزاب اليسارية العربية، ومن القلّة الذي قرأوا بالفعل ماركس وانجلز، وهو يريد لنا أن ندفع ثمن ذلك ما حيينا.

هذا لا يمكنك أن تناقشه في شيء، فهو سيشرح لك دوماً أن فهمك ناقصٌ، لأن ماركس قال شيئاً مخالفاً، وسيستنطق الأسلاف في إشكالياتٍ لم تكن موجودةً في عصرهم، أو حتى بعدهم بقرن، وسينبش لك دوماً عبارةً كتبها ماركس في مقال ما في شبابه، أو رسالة كتبها انجلز إلى كلبته – وكلّ هذا لا علاقة له، أو أي ارتباط، بالواقع المادي من حولنا وإشكالياتنا اليومية.

مسيرة الصّين كانت صعبة ووعرة ومعقّدة، ولكن كان يمكن تلخيص أهدافها – في كلّ مرحلة – بشكلٍ بسيطٍ و«عمليّ»، اذ كانت خططهم بعيدة المدى و«متواضعة». كان ماو ودِنغ يعرفان أنهما لن يريا «الشيوعية» في حياتهما، أو حتى شيئاً يقاربها: جلّ ما أراده دِنغ كان أن ينقل الصين بحلول نهاية القرن العشرين، عبر «التحديثات الأربعة» للمجتمع (وهو مفهومٌ أخذه من ماو وجو انلاي)، الى حالة بلدٍ «مستورٍ» من العالم الثالث دخل الفرد فيه ألف دولارٍ لا أكثر، ولكن شعبه صحّيّ ومتعلّم وقد سدّت حاجاته الأساسية (اعتبر دنغ وقتها أن هدف الألف دولار بحلول عام 2000 قد يكون طموحاً أكثر من اللازم، ولكن الصين تجاوزته قبل حلول الموعد).

وبعد ذلك بعقود، حين تتمّ الصين «تحديثاتها»، تخيّل دِنغ أن يصل البلد الى حالة ال»شياوكانغ»، أي بلدٍ»ذو حدٍّ مقبولٍ من الرخاء». إن نجحت «الاشتراكية بخصائص صينية» في أخذ مليارٍ ونصف مليار صينيّ من المكان الذي ابتدأوا منه الى تلك المرتبة، قال دِنغ، ستكون تلك هي «الثورة الحقيقية بالمعنى التاريخي».

منطلق التغيير

قرأت صدى لهذا الكلام في مقابلة أخيرة مع باحثٍ صيني كان في زيارةٍ لأميركا. سُئل عدداً من الأسئلة عن علاقة البلدين والتجارة، وسباق التسلح والتكنولوجيا، وقد أعطى إجابات مثيرة عنها، ولكنه ختم بالقول إن العلاقات الدولية والحرب التجارية قد تكونان محط تركيز الأجانب حين ينظرون إلى الصّين، ولكن الحقيقة – في رأيه – هي أنّ الرهان الأساس هو صينيّ داخلي. بمعنى أنّ تطورات البلد ومسار تجربته السياسية والاقتصادية هي أكثر ما يهمّ، ولو نجح النظام الصيني حقّاً في مسعاه، وأصبح لدينا بعد عقدٍ أو اثنين مجتمع متقدم متفوّق ثري، تقوده رسمياً أيديولوجيا تقوم على المساواة والاشتراكية وتعمل لأجل الصالح العام، فهذا هو الحدث الأهم بالمعنى التاريخي والكوني – وليس ما يحصل في تايوان.

الكثير ممّا نراه في الصين اليوم تجد بداياته في أفكارٍ نسجها ماو ورفاقه خلال «مرحلة يانآن» حيث استقرّوا في أواسط الثلاثينيات وحتى انتصار الثورة. هناك، في شمال الصين، انعزل ماو والقادة وقضوا أشهراً في القراءة والنقاش وعقد الحلقات والدروس؛ وكان ذلك خلال مرحلةٍ صعبة، جاءت بعد «المسيرة الطويلة» وانهزام الشيوعيين إلى الشمال، وفي ظلّ احتلالٍ ياباني وتغيير لكامل صفّ القيادة التاريخية. في تلك المدة تحديداً جلس الشيوعيون الصينيون للتفكير والدراسة (أنشأوا هناك كلية عسكرية وكلية للعلوم السياسية)، وصمّموا معالم الطريق التاريخي للاشتراكية الصينية.

التّفكير والتخطيط هما الأساس في أي زمنٍ، وبخاصّة في مراحل الأزمات. على عكس بعض النظريات التي راجت في العقود الأخيرة، فإنّ التنظيم يجب ألّا يكون «تلقائياً» أو «عضويّاً» أو «رد فعل»، بل يبدأ بأن يكون لديك تحليلٌ ونظرية. كلّنا قد يحتاج إلى «يانآن». في نقده للصنمية الحزبيّة، عدّد دِنغ شياو بينغ – بحسب بوير – أربعة أسباب «جعلت الناس يتوقفون عن استخدام عقلهم»؛ منها «المحرّمات الأيديولوجية التي تقود إلى الإيمان الأعمى»، المركزية المفرطة التي تجعلك تنتظر الأوامر من فوق، «الماركسية الزائفة» التي تجعل الناس يخلطون بين الحقّ والباطل، أي حين تجعلك الأيديولوجيا تقول ما تعرف في قرارة نفسك إنّه خطأ. دور الأيديولوجيا، كما أسلفنا، هو أن تساعدك على تحرير الفكر لكي تغيّر به الواقع، لا أن تجمّد الفكر وتقيّده، أو تحوّله إلى أداءٍ واستظهار، أو هي تستحيل بسرعةٍ إلى عبءٍ ومشكلة – وأنا لست أتكلّم عن الصّين.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/