أسطورة سوداء عن “الجزار الدموي” بيريا – الرجل الثاني بعد ستالين
ألكسندر سامسونوف*
اعداد وتعريب د. زياد الزبيدي بتصرف
*ألكسندر سامسونوف، كاتب صحفي ومحلل سياسي ومؤرخ وخبير عسكري روسي
29 مارس 2014
الجزء الأول
في مثل هذا اليوم قبل 115 عامًا، وتحديدًا في 29 مارس 1899، وُلد “لافرينتي بيريا”. وُلد وزير ستالين المستقبلي في جورجيا في قرية ميرخيولي بمحافظة كوتايسي في عائلة فلاحين فقراء. أظهر لافرينتي قدرات عالية وتخرج من المدرسة الابتدائية في سوخومي. وفي عام 1919، أكمل دراسته بإمتياز في مدرسة باكو التقنية للبناء والميكانيكا، وحصل على دبلوم مهندس معماري. خلال دراسته، كان يعمل لإعالة والدته وأخته، حيث عمل كمدرس خصوصي ومتدرب في شركة النفط التابعة لعائلة نوبل. بدأ الدراسة في معهد البوليتكنيك في باكو لكنه لم يكملها، وانضم إلى الحزب البلشفي وبدأ مسيرته الثورية.
في عام 1917، خدم في وحدة تقنية عسكرية على الجبهة الرومانية، وعمل في أوديسا ثم في باشكاني (رومانيا)، قبل أن يُسرح بسبب المرض. واصل نشاطه في المنظمة البلشفية، وبعد سقوط كومونة باكو واحتلال القوات التركية للمدينة، انخرط في العمل السري. بين عامي 1919 و1920، عمل في جهاز مكافحة التجسس التابع لحكومة الموسافيين (أي حزب المساواة) في جمهورية أذربيجان الديمقراطية، حيث كان يرسل المعلومات إلى مقر الجيش الأحمر في تساريتسين. في نفس الوقت، قاد منظمة سرية بلشفية للعمال التقنيين.
بعد استعادة السلطة السوفياتية في باكو، أُرسل إلى جورجيا للعمل السري ضد حكومة المناشفة، لكنه أُلقي القبض عليه وتم ترحيله. بين عامي 1921 و1931، شغل بيريا مناصب قيادية في أجهزة الأمن في القوقاز. خلال خدمته في جهاز لجنة الطوارىء والشرطة السياسية التي كانت أدوات أساسية استخدمها البلاشفة للسيطرة على الحكم. إذا كانت الأولى تعمل بعنف وعلانية، فإن الثانية اتبعت أساليب أكثر “دهاءً” لكنها لم تكن أقل وحشية. وقد مهّد كلا الجهازين الطريق لإنشاء وزارة الداخلية ولاحقًا لجنة الأمن الدولة KGB، لعب دورًا كبيرًا في القضاء على القوى المعادية مثل الداشناك والموسافيين والتروتسكيين والاشتراكيين الثوريين والمناشفة وعملاء المخابرات الأجنبية. كما ساهم في القضاء على الفوضى الإجرامية التي انتشرت في القوقاز بعد انهيار الإمبراطورية الروسية والحرب الأهلية. حصل على وسام الراية الحمراء في جورجيا عام 1923 ووسام الراية الحمراء لل٥اتحاد السوفياتي عام 1924 تقديرًا لجهوده.
برز بيريا كقائد بارز في القوقاز بين نهاية العشرينيات وعام 1938، حيث شغل مناصب حزبية رفيعة. تحت قيادته، شهدت المنطقة نموًا اقتصاديًا كبيرًا، خاصة في صناعة النفط، حيث أصبحت نصف إنتاج النفط بحلول عام 1938 يأتي من منشآت جديدة. كما تطورت الصناعات المعدنية والفحم والمنغنيز. في جورجيا، تم تنفيذ مشاريع صحية كبيرة مثل تجفيف المستنقعات، مما جعلها منطقة سياحية. تطور الزراعة أيضًا، حيث تمت زراعة الحمضيات والشاي والعنب، مما رفع مستوى معيشة الفلاحين.
في عام 1931، انتقدت اللجنة المركزية للحزب “الأخطاء السياسية” في القوقاز، حيث انتشرت النزاعات القبلية والمحسوبية. عُين بيريا سكرتيرًا أول للحزب الشيوعي الجورجي، ثم سكرتيرًا لمنطقة القوقاز، حيث قام بإصلاح الحزب وقمع نزعات “الزعامات المحلية”، مما أكسبه شعبية بين الناس وكراهية النخب المحلية.
كان أسلوب بيريا في القيادة بسيطًا ومتواضعًا، حيث عاش حياة متقشفة وكان محبوبًا من الناس. بعد اغتياله، لم يُعثر على ثروة تُصادر، وكان يُشاهد وهو يلعب كرة القدم مع الأطفال أو يتدرب في الفناء. كان مثقفًا ومحترمًا، مما أكسبه احترام الشعب الجورجي.
من فتى فقير إلى “أب القنبلة الذرية السوفياتية”، يُعتبر بيريا أحد أعظم الشخصيات بعد ستالين وأفضل إداري في القرن العشرين. لكن أعداء المشروع الستاليني صوروه كشيطان دموي. بعد اغتياله، نُسبت إليه تهم كثيرة مثل التآمر وحتى الانحراف الجنسي، لكن عند التدقيق، يتضح أنه كان رجل دولة ومنظمًا عبقريًا.
الأكاذيب عن بيريا وستالين نُسجت في عهد خروتشوف، الذي دمّر المشروع الستاليني الذي كان يهدف لجعل الإتحاد السوفياتي قائدًا عالميًا. حوّل خروتشوف المسار إلى “التعايش السلمي” مع الغرب، وأوقف برامج ثورية كانت ستغير البشرية. لذلك، تم تشويه صورة ستالين وبيريا.
*أسطورة “جلاد ستالين”*
يُتهم بيريا بأنه كان المسؤول عن “التطهير الكبير” عام 1937، لكن هذا غير صحيح، لأنه كان يعمل في القوقاز حتى 1938 ولم يكن له دور في القرارات السياسية حتى 1946. المسؤولون الحقيقيون عن القمع كانوا “هينريخ ياغودا” (رئيس NKVD 1934-1936) و”نيكولاي يجوف” (1936-1938). عُين بيريا في نوفمبر 1938 لوقف القمع وفوضى الأمن. قام بإصلاح الجهاز وأطلق سراح آلاف المعتقلين، وأعدم قادة التروتسكيين مثل ياغودا ويجوف، وقتل تروتسكي نفسه.
مساهمات أخرى في النصر
لا يمكن نسيان مساهمات لافرينتي بيريا الأخرى في النصر. من نوفمبر 1938 إلى فبراير 1941، قاد بيريا الاستخبارات الخارجية السوفياتية. في فترة قصيرة، أنهى بيريا الفوضى والارهاب الذي كان يسيطر على الاستخبارات الخارجية. تم إنشاء شبكة استخباراتية ممتازة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان في 1939-1940. ساهمت هذه الشبكة في الفوز في الحرب العالمية الثانية وتطوير مشروع القنبلة الذرية السوفياتية.
سنوات الحرب
خلال الحرب العالمية الثانية، استمر بيريا في قيادة وزارة الداخلية، حيث كان نائبًا لرئيس مجلس الوزراء، وكان مسؤولاً عن إدارة وزارة الداخلية ووزارة الأمن الوطني ووزارات الصناعات الأخرى. كما كان عضوًا في اللجنة الحكومية للدفاع، حيث كان يتحكم في قرارات اللجنة حول إنتاج الطائرات والمحركات والأسلحة، بالإضافة إلى عمل القوات الجوية. كان يتحكم أيضًا في عمل وزارة صناعة الفحم ووزارة المواصلات. في عام 1944، تم تعيين بيريا نائبًا لرئيس اللجنة الحكومية للدفاع ورئيسًا لمكتب العمليات. كان المكتب مسؤولاً عن إدارة الصناعات الرئيسية مثل الصناعات العسكرية والنقل والطاقة والصناعات الكيميائية. في عام 1943، تم تكريم بيريا بمنحه رتبة بطل العمل الاشتراكي.
كان بيريا من بين قادة إجلاء الصناعة السوفياتية، حيث كان عضوًا في مجلس الإجلاء التابع لمجلس الوزراء. قامت القيادة السوفياتية بعمليات فريدة لإجلاء المصانع والمنشآت الثقافية والعلمية والمخزونات الاستراتيجية من المناطق المهددة إلى المناطق الشرقية للبلاد خلف الأورال. هذا سمح بحفظ القاعدة الاقتصادية والصناعية للبلاد، مما كان أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في الفوز في الحرب العالمية الثانية. أصبح بيريا من بين القادة الرئيسيين الذين نظموا عمل الجبهة الداخلية، مما ساهم في تحقيق النصر السوفياتي.
إسهامات أخرى
لا يمكن نسيان إسهامات بيريا الأخرى في النصر. كان حرس الحدود، جزءًا من وزارة الداخلية، من بين أبطال قلعة برست ومواقع الدفاع الأخرى، الذين أظهروا في بداية الحرب أن الغزو الألماني لن يكون سهلًا. عندما هاجمت القوات الألمانية الإتحاد السوفياتي في 22 يونيو 1941، واجهوا مقاومة شرسة من حرس الحدود. كانوا يتصدون للهجمات الألمانية لساعات وأيام وأسابيع، وفي بعض الأماكن قاموا بهجمات مضادة وسيطروا على مواقع على الأراضي الألمانية. ساهم حرس الحدود والاستطلاع والاستخبارات في النصر الكبير، وبرز دور بيريا في ذلك. في عام 1945 أصبح مارشالًا للإتحاد السوفياتي .
الحرب جعلت بيريا الشخصية الثانية في الإتحاد السوفياتي
في الواقع، كانت الحرب هي التي جعلت بيريا الشخصية الثانية في الإتحاد السوفياتي. في وقت حرج، كانت مواهبه مطلوبة بشكل خاص. كان لافرينتي بيريا حقًا “أفضل مدير في القرن”. كان يدير جميع المجالات الرئيسية – من الأمن إلى الصناعة والمشاريع العلمية الابتكارية. كان بيريا “أب القنبلة الذرية السوفيتية”. نظم بيريا صناعة الذرية تقريبًا من الصفر. بفضل طاقته وذكائه التحليلي، تم اختيار علماء عباقرة ومديرين موهوبين، الذين في فترة قصيرة قاموا بما كان يعتبر مستحيلًا في الغرب: قدموا للشعب السوفياتي درعًا نوويًا قويًا. هذا الدرع مازال يسمح لنا بالعيش في أمان، بينما يأسف قادة حلف الناتو على عدم قدرتهم على إعادة الإتحاد السوفياتي إلى العصر الحجري. عملت الإستخبارات الخارجية بشكل رائع تحت إشراف بيريا.
مشاريع أخرى
بالإضافة إلى مشروع القنبلة الذرية، الذي قدم الإتحاد السوفياتي العديد من التكنولوجيات الهامة للسلام، أصبح بيريا منظمًا لمشاريع بحثية عديدة، مثل تصميم الصواريخ الباليستية والصواريخ المضادة للطائرات. هذا جعل الإتحاد السوفياتي قائدًا في مجال التكنولوجيا الفضائية والصواريخ. تم إنشاء نظام الدفاع الجوي في وقت كان فيه استراتيجيو الغرب يخططون لتدمير الإتحاد السوفياتي.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
