28 مايو 2025
بدأت معالم شروط روسيا للتوصل إلى تسوية تنهي الحرب مع أوكرانيا بالإتضاح بعدما تحدثت مصادر مطلعة عن اشتراط موسكو الحصول على تعهد غربيّ صريح بوقف توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقاً وتحييد أوكرانيا.
ونقلت وكالة رويترز عن مصادر روسية متقاطعة أن شروط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإنهاء الحرب في أوكرانيا تشمل مطالبة القادة الغربيين بالتعهد ضمن اتفاق مكتوب بعدم ضم جمهوريات سوفياتية سابقة أخرى للحلف – بما في ذلك أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا -، وأن تبقى أوكرانيا محايدة، مع رفع الجزء الأكبر من العقوبات الاقتصادية التي يفرضها الغرب على روسيا، وإعادة أصول موسكو المجمدة في بنوك غربيّة، وضمان الحماية للناطقين باللغة الروسية في أوكرانيا.
وبحسب أحد مصادر رويترز فإن “بوتين مستعد للتوصل إلى اتفاق سلام، ولكن ليس بأي ثمن”، وأن استراتيجيته البديلة – في حال فشل محاولات التوصل إلى اتفاق وفق هذه الشروط – ستكون إفهام الأوكرانيين وحلفائهم الغربيين من خلال انتصارات عسكرية نوعيّة بأن “السلام غداً سيكون أكثر إيلاماً”.
وكرر المسؤولون الروس مراراً على ضرورة أن يعالج اتفاق سلام ممكن “الأسباب الجذرية” للصراع – والتي تتعلق أساساً بتوسع الناتو على حدود روسيا. وفي يونيو/حزيران من العام الماضي، قال بوتين إن على أوكرانيا سحب جميع قواتها من كامل أراضي أربع مناطق أوكرانية تطالب بها روسيا وضمتها بالقوة – بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم، يسيطر الجيش الروسي على كل لوهانسك تقريباً، وأكثر من 70٪ من مناطق دونيتسك وزابوريجيا وخيرسون، بالإضافة إلى مناطق في خاركيف وسومي ويهدد مناطق أخرى -. كما نُقل عن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قوله إن مطلب الكرملين بوضع غير نووي ومحايد لأوكرانيا يجب أن يكون بنداً من أي اتفاق سلام يتم التوصل إليه، مذكراً بأن “إعلان وضع محايد وغير منحاز وغير نووي إلى الأبد هو الذي مكن روسيا وأعضاء المجتمع الدولي الآخرين من الاعتراف بأوكرانيا كدولة مستقلة”.
ورغم تفهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمنطلقات روسيا بهذا الشأن، فإن النظام الأوكراني – مدعوماً بحلفائه الأوروبيين – يرفض مبدأ منح روسيا حق النقض ضد تطلعات كييف بالانضمام للحلف الذي تقوده الولايات المتحدة، ويقول إن البلاد بحاجة إلى أن يمنحها الغرب ضمانات أمنية رادعة ضد أي اعتداء روسي عليها في المستقبل.
وكان قادة الناتو قد اتفقوا في قمة لهم عقدوها في العاصمة الرومانية بوخارست عام 2008 على أن تصبح أوكرانيا وجورجيا عضوين في يوم من الأيام، وعدلت أوكرانيا في عام 2019 دستورها، ملتزمة بمسار العضوية الكاملة في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، لكن روسيا تعتبر أن خطوة مثل تلك ستشكل منعطفاً في علاقاتها مع الغرب.
وتقول موسكو إن الولايات المتحدة خدعتها بعد سقوط جدار برلين عام 1989 عندما أكد وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر للزعيم السوفيتي الأخير ميخائيل جورباتشوف في عام 1990 أن الناتو لن يتوسع شرقاً، الأمر الذي لم ينفه المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية، ويليام جيه بيرنز، وإن كتب في مذكراته عن وعد شفوي بشأن ذلك لم يتم تحويله قط إلى اتفاق رسمي.
من ناحية أخرى، وبينما شنّ الجيش الأوكراني هجوماً واسعاً بالدّرونات على روسيا رداً على ثلاثة أيام من هجمات روسية مماثلة، انتقل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى برلين لإجراء محادثات مع المستشار الألماني فريدريك ميرز الذي كان قد أثار بلبلة بعد تصريحات له (الإثنين) حول رفع القيود عن استخدام صواريخ غربيّة بعيدة المدى لاستهداف العمق الروسيّ.
وبينما قال متحدث باسم الحكومة الألمانية بأن “الزيارة ستتركز حول على الدعم الألماني لأوكرانيا وكذلك الجهود المبذولة لتحقيق وقف لإطلاق النار”، توقع كثيرون أن زيلينسكي في العاصمة الألمانية للحصول على تعهد بتسلم نظامه صواريخ توروس الألمانية الطويلة المدى بعد إلحاح طويل، لكن المستشار الألماني خفف أمس من حدة تصريحاته قائلاً “لقد وصفت شيئاً بالأمس كان هو الحال بالفعل منذ شهور: أن لأوكرانيا الحق في استخدام الأسلحة التي تتلقاها خارج حدودها ضد أهداف عسكرية على الأراضي الروسية”.
وأثارت التصريحات غضب الكرملين، كما قلق العديد من السياسيين الألمان الذين لا يريدون التورط أكثر في الحرب مع دولة تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم.
وكتب رودريش كيسويتر، وهو عضو بارز في الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم، على موقع إكس: “لا توجد إشارات على أن ألمانيا سلمت كييف أخيراً صواريخ كروز من طراز توروس، ولا أرى أي توافق في الائتلاف الحاكم ولا إرادة سياسية عامة حول ذلك”.
ومن المعلوم أن ألمانيا ثاني أكبر مورد للمساعدات العسكرية لأوكرانيا بعد الولايات المتحدة، لكن حكومة المستشار السابق أولاف شولتس رفضت دائماً إرسال توروس.
من ناحيته، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن روسيا عرضت أن تستضيف بيلاروسيا محادثات السلام بين الجانبين، “لكن ذلك أمر يستحيل قبوله” بالنسبة لنظامه، مؤكداً أن “الأماكن الأكثر واقعية لإجراء محادثات هي تركيا أو سويسرا أو الفاتيكان” وفق اقتراحات قدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورفضتها موسكو.
وبيلاروسيا جمهورية سوفيتية سابقة يحكمها منذ عام 1994 ألكسندر لوكاشينكو، وهو حليف قوي لفلاديمير بوتين، ويعتقد أنه سمح للجيش الروسي باستخدام أراضي بلاده لشن هجمات على شمال أوكرانيا كجزء من العملية العسكريّة الروسية ضد أوكرانيا.
وكانت تقارير صحفيّة من موسكو قد نقلت عن جهات لم تسمها أن الكرملين لا يرى في الفاتيكان مكاناً جاداً لإجراء محادثات سلام مع أوكرانيا إذ تحيط به إيطاليا العضو في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
وعقدت أول محادثات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا في مدينة إسطنبول التركية في السادس عشر من شهر مايو/أيار الجاري، بعد أن أجرى المفاوضون الأمريكيون محادثات منفصلة مع مسؤولين روس وأوكرانيين في العاصمة السعودية الرياض في مارس/آذار الماضي.
وبعد التحدث هاتفياً إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأكثر من ساعتين الأسبوع الماضي، وافق بوتين على العمل مع الجانب الأوكراني على مذكرة إطار من شأنها أن تحدد معالم اتفاق السلام، بما في ذلك توقيت وقف إطلاق النار، لكن تصاعد الهجمات الروسيّة ضد أوكرانيا في الأيام الأخيرة أصاب ترامب بإحباط متزايد، انعكس عدّة تصريحات انفعاليّة كان آخرها تحذيره (الثلاثاء) من أن الزعيم الروسي “يلعب بالنار” برفضه الانخراط في محادثات لوقف إطلاق النار مع كييف بينما تحقق قواته مزيداً من المكاسب على الأرض.
لكن الكرملين قلل من أهمية تصريحات ترامب، واعتبرها المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف بمثابة “حمل عاطفي زائد”، بينما كان لافروف، وزير الخارجيّة، يؤكد على هامش قمّة أمنية دولية تعقد في العاصمة الروسيّة، بأن الجولة المقبلة من المحادثات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا ستعقد “قريباً جداً”.
:::::
المصدر: الثّقافة المضادّة
نشر هذا المقال في صفحة الدّوليات بجريدة الأخبار اللبنانية عدد الخميس 29 مايو 2025
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
