تحقيق استقصائي l أكثر من 6 مليارات دولار من الأسلحة الأميركية فُقدت في “إسرائيل”: خلل محاسبي أم فشل ممنهج؟ سعيد عريقات

واشنطن، 30/12/2025

بعد أكثر من عام على هجوم السابع من تشرين الأول 2023، وما أعقبه من أكبر عملية إمداد عسكري أميركي لإسرائيل في تاريخ العلاقة بين البلدين، تكشف تقارير رقابية رسمية عن فجوة خطيرة في منظومة المساءلة الأميركية: مليارات الدولارات من الأسلحة الأميركية التي أُرسلت إلى إسرائيل لا يمكن للبنتاغون تتبع مصيرها أو التحقق من استخدامها النهائي.

فقد أكد مكتب المفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية أن الولايات المتحدة نقلت ما قيمته 13.4 مليار دولار من الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية إلى إسرائيل منذ ذلك التاريخ، غير أن نحو 44 في المئة فقط من هذه الشحنات خضعت لإجراءات التتبع والتوثيق المعتمدة. وبحسب الحسابات الرسمية، فإن ما بين 6 و7.5 مليارات دولار من الأسلحة الأميركية باتت خارج نطاق التتبع الدقيق داخل السجلات العسكرية الأميركية.

شحنات بلا سجلات مكتملة

التقرير الرقابي يوضح أن 42 شحنة أسلحة منفصلة، تضمنت أكثر من أربعة ملايين قطعة ذخيرة متنوعة، نُقلت إلى إسرائيل عبر مسارات طارئة، دون استكمال متطلبات التوثيق الأساسية. في كثير من الحالات، كانت سجلات الشحن ناقصة، أو لم تُسجل عمليات التسليم النهائية، أو غابت كليًا وثائق تؤكد الجهة العسكرية التي تسلمت الأسلحة داخل إسرائيل.

الأخطر أن البنتاغون أقر صراحة بأنه لا يمتلك وسيلة مؤكدة لمعرفة أين انتهى الأمر بهذه الأسلحة، أو كيف استُخدمت، أو من كانت الجهة النهائية التي حصلت عليها. وهو اعتراف نادر في ملف يُعد من أكثر الملفات حساسية في السياسة الدفاعية الأميركية.

تبريرات رسمية… وتحفظ رقابي

وزارة الدفاع الأميركية عزت هذا الفشل إلى نقص حاد في الكوادر، وضغط العمليات، وتسارع وتيرة الشحن في ظل ظروف حرب نشطة. وأكد مسؤولون أن أنظمة التتبع لم تُصمم للتعامل مع هذا الحجم من النقل العسكري الطارئ في وقت قصير.

غير أن مكتب المفتش العام لم يُخفِ قلقه من هذه التبريرات، مشيرًا إلى أن تجاوز آليات الرقابة لا يمكن اعتباره إجراءً مؤقتًا، بل يمثل تعطيلاً فعليًا لنظام المراقبة الذي يفرضه القانون الأميركي لضمان الاستخدام المشروع للأسلحة المصدّرة.

مخاطر إستراتيجية مفتوحة

التقرير يحذر من أن هذا الخلل يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، لا يمكن نفي أي منها في ظل غياب البيانات، منها تحويل الأسلحة إلى وحدات غير نظامية، أو تسربها إلى مجموعات مسلحة خارج إطار الجيش الإسرائيلي، أو وصولها إلى أسواق سوداء إقليمية، أو حتى وقوعها في أيدي أطراف معادية.

كما يشدد المفتش العام على أن ضياع السيطرة على أسلحة أميركية متقدمة قد يسمح بتسريب تقنيات عسكرية حساسة، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأميركي، ويقوض التفوق العسكري الذي تسعى واشنطن لحمايته.

المساءلة المؤجلة

ما تكشفه هذه القضية ليس مجرد خلل إداري عابر، بل نمط متكرر في تعامل واشنطن مع حلفائها الاستراتيجيين. فحين تتداخل السياسة مع الأمن، غالبًا ما تُعلق أدوات الرقابة بدعوى الطوارئ. غير أن الطوارئ، حين تمتد لأشهر وسنوات، تتحول إلى سياسة دائمة بلا محاسبة. السؤال الحقيقي ليس أين ذهبت الأسلحة فقط، بل لماذا لم يُفعّل أي إجراء عقابي أو تصحيحي حتى الآن.

الكونغرس خارج الصورة

ورغم ضخامة الأرقام، فإن الرقابة البرلمانية بدت محدودة. فقد استُخدمت صلاحيات الطوارئ لتجاوز متطلبات الإخطار التقليدية للكونغرس، ما قلّص قدرة المشرعين على مراجعة تفاصيل الشحنات أو مساءلة وزارة الدفاع بشأن إجراءات التتبع.

وبحسب التقرير، لم يُنجز أي تدقيق استعادي شامل لتحديد مصير الأسلحة غير الموثقة، في وقت تواصل فيه إسرائيل طلب مساعدات عسكرية إضافية، وتحصل عليها، دون ربطها بشروط رقابية جديدة.

من المساعدة إلى خط أنابيب سلاح

حين تموّل الخزينة الأميركية أسلحة لا يُعرف أين انتهت، فإن الحديث لم يعد عن “مساعدة أمنية”، بل عن خط أنابيب سلاح غير خاضع للرقابة. هذا النموذج لا يضر فقط بسمعة الولايات المتحدة القانونية، بل يعمّق عدم الاستقرار الإقليمي. فالسلاح الذي يُفقد اليوم من دون أثر، قد يعود غدًا كتهديد مباشر لمصالح واشنطن نفسها.

سؤال بلا إجابة

الأسلحة أُرسلت. السجلات ناقصة. والمسؤولية لم تُحدد. وبينما يقر البنتاغون بفشله في التتبع، لا تزال السياسة تمضي في الاتجاه ذاته. ويبقى السؤال المركزي معلقًا: إذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن مراقبة مليارات الدولارات من الأسلحة المرسلة إلى أقرب حلفائها، فما الذي يضمن عدم تكرار هذا الفشل في ساحات نزاع أخرى؟ حتى الآن، لا يملك أحد الإجابة.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….