المواجهة الأكيدة، سعيد كنيش

زعزعة الاستقرار داخل إيران اليوم بهدف مباشر، هو تغيير النظام السياسي ووضع شباكه على البلد كأكبر غنيمة للعدوان الصهيو أمريكي في المنطقة خلال القرن 21.

هذا ما سعى إليه حلف الأعداء الدائم للشعب الإيراني، ويؤكده العدوان الصهيو أمريكي المتواصل والخطير على إيران بعد احتلال سوريا وإخضاع لبنان الرسمي لنظام الانتداب الامريكي، وحرب الإبادة على غزة والضفة الغربية.

لقد بدأت تدق طبول الحرب، واتفق الأعداء على تحديد ساعة العدوان، بعد الانتهاء من حشد الأسلحة وقواعد العدوان والدعم والتدخل والحرب الإعلامية والنفسية وصناعة الرأي.

منذ الثورة في 1979 ظلت تقف إيران بدون حلفاء كبار من خارج الاقليم بالمعنى الاستراتيجي؛ وذلك في مواجهة الحلف الصهيو أمريكي المتراص، كما أن محيطها في الإقليم وعلى حدودها يتشكل في غالبيته من الدول المعادية التي تتحرك بمشيئة الصهيو أمريكي وتخدم مشاريعه في المنطقة. وقد استفحل هذا الواقع بعد احتلال سوريا وضرب المقاومة في غزة ولبنان.

وحده الشعب الإيراني بجيشه وقيادته من يقف موحدا ضد الأعداء الرئيسيين المباشرين، وهم الدول الامبريالية الغربية بقيادة الأمريكي، تم قاعدتهم العدوانية في المنطقة الكيان الصهيوني، وأدواتهم العملاء داخل إيران وخارجها. هذا أمر جلي وتاريخي لكل ذي بصيرة إلا خائنا بالمصلحة أو متعود على العبودية.

الشعب الإيراني من شعوب المنطقة التي تعرف جيدا أعداءها التاريخيين وتكن لهم العداء والكره والاحتقار. خروج المظاهرات الشعبية المليونية جسدت بالملموس، وقد عمت المدن والحواضر الإيرانية، للرد على الثورة الملونة للعملاء المرتزقة أدوات الصهيو أمريكي. وقد نجحت في عزلهم وافشال مخططات مؤجريهم، دفاعا عن الوطن وسيادته ووحدته. فالذاكرة التاريخية ظلت حية ومتوقدة، وقد صقلتها أحداث مأساوية كبيرة التضحية، جدرت من وعيه التحرري ووعي أغلبية نخبه الدينية والعلمانية.

الشعب الإيراني لن ينسى المجاعة الكبرى في إيران التي تسببت في إبادة إنسانية بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى وبالضبط بين عامي 1917 – 1919، وتسببت في القضاء على ربع سكان البلاد، بين ثمانية وعشرة ملايين، وتعد كارثة بشرية.

يعتقد محمد غولي مجد، الأستاذ في جامعة برينستون، بأن السبب الرئيسي في وقوع تلك المجاعة الكبرى هو وجود الاستعمار البريطاني في ايران، الذي كان قاصدا متعمدا لخلق ظروف الإبادة البشرية بواسطة تعميم المجاعة والاوبئة في كل البلاد، مستغلا نائبة الجفاف. لقد جعل من الجوع والمرض أداوته للتحكم في البلاد والقضاء على أي نزوع للاستقلال، خدمة لمآربه الاستعمارية الخاصة فقط.

مأرب الاستعمار البريطاني الخاصة هي سهلة التعرف. الموقع الجغرافي لإيران، تم اكتشاف البترول والغاز بإيران سنة 1907؛ وذلك لأول مرة في منطقة الشرق وبكميات هائلة ومغرية لتمويل جرائم بريطانيا في حروبها الاستعمارية.

يقول محمد غولي في كتابه «المجاعة الكبرى والإبادة البشرية في فارس»:«إن الوثائق الأميركية تبين أن البريطانيين منعوا استيراد القمح وغيره من حبوب الأغذية إلى إيران ن العراق وبلدان آسيا الأخرى وأميركا، وإن السفن التي تحمل القمح إلى إيران منعت من تفريغ حمولتها في ميناء بوشهر في الخليج العربي، فضلا عما اسمته إحدى وثائق الداخلية الإيرانية بـ ” تجاوزات القوات البريطانية” على التجار الإيرانيين وعرقلة سير بضائعهم عبر الحدود الإيرانية»«وهذا ما يجعل تلك الإبادة أكبر إبادة بشرية شهدها القرن العشرون. ويجعل إيران أكبر ضحايا الحرب العالمية الأولى «.  

في عام 1901م، منح الشاه الإيراني (والد رضا بهلوي) المستثمر البريطاني وليام نوكس داسي الامتياز الحصري للتنقيب عن البترول والغاز، واستغلال، وتكرير البترول في إيران بشرط حصول الشاه على 16% من الأرباح. استمرت عملية البحث سنوات وأخيرًا استخرج دارسي البترول في عام 1908م، وعلى الفور قام البريطانيون بتدشين شركة النفط الأنجلو-إيرانية AIOC لاستخراج البترول وتكريره، بصفتها الشركة المحتكرة الوحيدة لإنتاج وبيع النفط الإيراني.

وبسبب بداية استغلال الثروة الهائلة الموجودة في باطن الأرض الإيرانية، ضمنت هذه الشركة تعزيز القوة البريطانية في الحروب العالمية في أوائل القرن العشرين، بالإضافة إلى أنه بحلول عام واحد، كان 40% من بترول الغرب يتم إنتاجه في إيران، بما فيه 75% من بترول أوروبا. وجدير بالذكر أن هذه الشركة ظلت تتطور حتى صارت تُعرف حاليًا بـ British Petroleum، إحدى أضخم شركات العالم الحديث على الإطلاق.

ما جرى هو تضخم الثروات لدي الانجليز وعميلهم الشاه وحاشيته، والحكم بالفقر المدقع والتجهيل والمرض والتخلف لدي الأغلبية من الشعب الإيراني مع تشديد القمع السياسي وسحق المعارضين الوطنيين من مختلف التوجهات.

الشعب الإيراني لن ينسى الانقلاب المنظم في 1953من طرف المخابرات الأمريكية بأمر من الرئيس إزنهاور، وبتعاون مع ووالدتها العجوز البريطانية ضد حكومة محمد مصدق الوطنية، ومشاركة نظام الشاه رضا بهلوي المخلوع. وقد جري تعيين حكومة محمد مصدق من طرف أغلبية البرلمان في ابريل سنة 1951 ضدا على الشاه رضا بهلوي عميل الانجليز والامريكان والصهاينة، الذي فر خارج البلاد.

بعد شهر واحد قام محمد مصدق بتأميم البترول من أجل حق الانتفاع للشعب الإيراني والتخلص من التبعية للأجنبي الإنجليزي.

نجح الانقلاب الأمريكي – الانجليزي نهاية شهر يوليو، وارجاع عميلهما الشاه رضا بهلوي للحكم، وأغرقت البلد في حمام الدم، وفرضت أمريكا نظاما سياسيا واقتصاديا، يقوم على تقاسم ثروات النفط والغاز بين أمريكا والانجليز وشاه إيران وحاشيته، وبناء نظام بوليسي قمعي مسلط على المعارضة (جهاز السافاك السيء الذكر)، وادخال البلد في سياسة المحاور العسكرية والأمنية التي تقودها أمريكا في المنطقة. وهي محاور معادية للدول العربية الوطنية ولحركات التحرر العربية، ومتحالفة مع الكيان الصهيوني والرجعيات العربية؛ وأصبح الشاه شرطي المنطقة بعد تقوية العسكر حتى اسقاط النظام في 1979.

عداء الشعب الإيراني للنظام الملكي وافراد أسرته وحاشيته ظل راسخا، بكل ما يرمز إليه من عمالة للمستعمر وبيعه مقدرات البلد التنموية، وتحالفه مع الكيان الصهيوني على جميع الأصعدة، فقد ظل نظام الشاه المدعم العلني الوحيد للكيان في المنطقة في جميع حروبه مع العرب من حرب 1948 و1967 إلى حرب 1973.

نظام الشاه مثل سحقا لكرامة المواطن واستهتار بثروات البلد وبدخ وفساد وفضائح قل نظيرهم، ونشر للرذيلة والخلاعة والفجور الاخلاقي في أوساط الشعب باسم التحديث المفتري عليه. لقد قام الشاه بمحاربة كل ما يمت بمكونات ثقافة الشعب الإيراني الضاربة الجدور في الشرق، في مسعى يائس لسلخ الشعب عن جدوره الوطنية والقومية والباسه لبوس ثقافة الغرب الرأسمالي التي تقوم على تسليع الانسان واغترابه واذلاله أمام الرجل الأبيض الغربي.

لذلك كان رد فعل طبقات الشعب الايراني عندما توفرت شروط الثورة، عاصفا وجذريا ضد كل رموز وقيم آل بهلوي وداعميه الغربيين، وفي فترة وجيزة تم رميهم كقمامة في المزبلة؛ وسيكون اليوم أمام مرحلة تاريخية جديدة أكثر تعقيدا وسوداوية وتضحيات في الدفاع عن استقلاله وسيادته.

فهل تستلهم شعوب المنطقة والاقليم من هذه المواجهة الاكيدة، دروس الماضي وهزائمه للتوحد في مواجهة حلف عدوها المشترك؟

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….