وهم العزلة الأميركية: قراءة في الجذور التاريخية لسياسة ترمب الخارجية، سعيد عريقات

واشنطن، 14/1/2025

نشرت مجلة فورين أفيرز الأميركية المتخصصة في الشؤون الدولية مقالاً تحليلياً مطولاً للباحث السياسي والأكاديمي في معهد بروكينغز، مايكل أوهانلون، تحت عنوان: “وهم العزلة الأميركية: قراءة في جذور سياسة ترمب الخارجية”. ويستند المقال إلى أطروحات كتابه الجديد: الجرأة على القيام بأمور جبارة: إستراتيجية الدفاع الأميركية منذ الثورة الأميركية (1776)، حيث يسعى الكاتب إلى تفكيك الصورة الشائعة التي تُقدَّم بها سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولا سيما توصيفه بوصفه زعيماً “انعزالياً” يعيد الولايات المتحدة إلى تقاليد القرن التاسع عشر.​

هذا الوصف، الذي راج في تحليلات عدد كبير من المعلقين ووسائل الإعلام، يقوم أساساً على خطاب ترمب الحاد تجاه الحلفاء، ونزعته القومية الصريحة، ومواقفه المتشددة من الهجرة والتجارة الدولية. غير أن أوهانلون يرى أن هذا التصنيف، على الرغم من جاذبيته الإعلامية، يفتقر إلى الدقة التاريخية، ولا يصمد أمام قراءة متأنية لمسار السياسة الخارجية الأميركية، ولا حتى أمام تفحّص سلوك ترمب نفسه خلال فترات حكمه.

فترمب، بحسب الكاتب، لا يسعى إلى تقليص الدور الأميركي في العالم أو الانكفاء داخل الحدود القومية، بقدر ما يعمل على إعادة تعريف هذا الدور انطلاقاً من منطق تعظيم القوة الوطنية، وإعادة ترتيب كلف الالتزامات الخارجية بما يخدم تصوراً ضيقاً للمصلحة الأميركية. ومن هذا المنظور، فإن الخلاف ليس حول الانخراط أو الانسحاب، بل حول الكيفية والغاية.

يُرجع أوهانلون هذا التوجه إلى تقاليد راسخة في التاريخ السياسي الأميركي، تمتد إلى رؤساء مثل جيمس مونرو (الرئيس الخامس)، وأندرو جاكسون (الرئيس السابع)، وجيمس بولك (الرئيس الحادي عشر)، ووليام ماكينلي (الرئيس 25)، وثيودور روزفلت (الرئيس 26). هؤلاء، وإن اختلفت عصورهم وسياقاتهم، لم يكونوا انعزاليين بالمعنى الكلاسيكي، بل مارسوا سياسات توسعية، وعدوانية، انطلقت من قناعة جوهرية مفادها أن أمن الولايات المتحدة لا يتحقق بالانكفاء، بل بالمبادرة وفرض الوقائع. ومن هنا، فإن الشبه بين ترمب وهؤلاء لا يكمن في الرغبة بالعزلة، بل في الإصرار على تعظيم النفوذ الأميركي حتى ولو جاء ذلك على حساب التوافق الدولي أو الأعراف السائدة.

ويذكّر الكاتب بأن الولايات المتحدة، منذ نشأتها، لم تكن دولة منغلقة على ذاتها. فقد خاضت مواجهات عسكرية وسياسية مبكرة، من “الحرب شبه المعلنة” مع فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، إلى حملاتها ضد قراصنة البحر المتوسط، وصولاً إلى التوسع غرباً على حساب السكان الأصليين والمكسيك. ويكشف هذا السجل التاريخي أن ما يُسمى بـ”الانعزالية الأميركية” لم يكن سوى استثناء قصير الأمد في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، سرعان ما انهار مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.

في القرن التاسع عشر، اعتمدت الولايات المتحدة إستراتيجية توسعية تعتمد على قوات محدودة العدد لكنها عالية الكفاءة، ما أتاح لها التحول من دولة ساحلية ناشئة إلى قوة قارية مترامية الأطراف. ولم يكن هذا التوسع ثمرة نزعة سلمية، بل نتاج حسابات دقيقة للقوة والمصلحة. وقد بلغ هذا المسار ذروته في الحرب الأميركية–المكسيكية (1846–1848)، التي تُعد واحدة من أكثر عمليات التوسع الإقليمي جرأة وإثارة للجدل في التاريخ الحديث.

ومع نهاية القرن التاسع عشر، انتقل الطموح الأميركي من البر إلى البحر، ومن الإقليم إلى العالم. فجاءت الحرب مع إسبانيا، وبناء الأسطول البحري، وصعود الفكر الاستراتيجي البحري الذي نظّر له ألفرد ماهان، لتؤسس لدور أميركي متنامٍ في السياسة الدولية. وعلى الرغم من محاولات واشنطن تجنب التورط في الصراعات الأوروبية، فإنها وجدت نفسها منخرطة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ما وضع حداً نهائياً لأي وهم بإمكانية العزلة الدائمة.

في هذا السياق التاريخي، تبدو سياسات ترمب في ولايته الثانية امتداداً لهذا التقليد، لا خروجاً عليه. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض عام 2025، أعاد التأكيد على الالتزام بحلف شمال الأطلسي، وانخرط بصورة مباشرة في ملفات نزاع دولية، واستخدم القوة العسكرية ضد إيران، واتخذ خطوات تصعيدية في أميركا اللاتينية. كما دفع باتجاه زيادة الإنفاق الدفاعي، دون أن يُقدم فعلياً على تفكيك أي تحالف استراتيجي قائم، على الرغم من خطابه القومي الصدامي.

صحيح أن ترمب ينتقد النظام الدولي الليبرالي، ويقوض أحياناً روح الشراكة مع الحلفاء من خلال الرسوم الجمركية والسياسات الأحادية، إلا أن هذه الممارسات لا ترقى إلى تبني استراتيجية انعزالية. بل إنها تعكس تصوراً اختزالياً للأمن القومي، يربط النفوذ بالقوة الصلبة أكثر من اعتماده على التوافقات متعددة الأطراف.

ويحذر أوهانلون من أن توظيف التاريخ الأميركي لتبرير هذه السياسات يتم غالباً بقراءة انتقائية، تتجاهل أن أعظم النجاحات الأميركية في القرن العشرين كانت ثمرة الجمع بين القوة وبناء التحالفات وصياغة نظام دولي مستقر بعد الحرب العالمية الثانية. فالتاريخ، كما يؤكد، لا يقدم وصفات جاهزة، بل دروساً وتحذيرات. وما نجح في عصر التوسع القاري أو المنافسة الإمبراطورية قد يقود اليوم إلى عزلة سياسية خطرة إذا لم يُرفق برؤية تشاركية تستوعب تعقيدات النظام الدولي المعاصر.

وفي المحصلة، لا يمكن فهم ترمب بوصفه استثناءً تاريخياً أو ظاهرة شاذة عن المسار الأميركي. فهو، في جوهر رؤيته للأمن القومي، وريث تقليد طويل يقدّم القوة على الشراكة. غير أن التاريخ نفسه يبيّن أن هذا النهج، إذا لم يُضبط بحسابات أوسع، قد يحقق مكاسب سريعة، لكنه يحمل في طياته مخاطر جسيمة على استقرار النظام الدولي، وعلى موقع الولايات المتحدة ذاتها في المدى البعيد.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….