بين غياب الدمقراطية وأداة الوحدة … لا يتغير الحال ولا يقوم تحالف الأنداد، ريم نجار

ريم نجار

رام الله

لماذا لا تتجه الأنظمة العربية توجها وحدوياً رغم ما تحمله التحديات من موجبات الوحدة بأي مستوى وأي نطاق؟

سؤال تفرضه الوقائع ولكن لا يتعرض له الكثير من المثقفين والإعلاميين.

لعل الإجابة المباشرة على هكذا سؤال أو تحدِ هو غياب الحد الأدنى من الديمقراطية بمضمونيها السياسي والإقتصادي، الأمر الذي يعني أن لا رأي سوى رأي السلطة الحاكمة ولا راي فيها إلا لراسها ملكا، أميرا، شيخا، رئيسا…الخ.

لعل ما نقصده، بل ما هو ضروري هو بناء وحدةٍ حقيقية  تقوم على اقتصادٍ منتج، بدل الارتهان الدائم للخارج مما جعل الوطن العربي مجرد سوق إستهلاكي وخاصة بلدان الفائض المالي  التي تحوز على ريع نفطي  يبقى كبيرا رغم الحصىة الضخمة التي تحوز عليها الشركات الأجنبية، أو البلدان التي تتحكم بنفط بلد عربي كالعراق حيث تستلم الولايات المتحدة منذ 2003عائدات نفط العراق وتقتطع ما تراه مناسبا ثم ترسل حصة العراق بالطائرة كل شهر، وهناك يتم توزيعها على أساس طبقي طائفي أي حصة الأسد للطائفة الحاكمة بجزئيها البرجوازي ثم الشعبي، وبعد ذلك تكون حصص الطوائف/الطبقات الأخرى كقوى ثانوية ولكن على نفس الأساس. ومع ذلك يُغطى كل هذا بالصندقرطية  أي عبر صندوق الانتخابات.

وبغض النظر عن حصة هذا البلد أو ذاك  فإن العلة هي تخصص الوطن العربي كسوق إستهلاكي  يشتري حتى أبسط ما يحتاجه، ولذا فهو محط أنظار الدول المنتجه وخاصة في فترات الإنكماش الإقتصادي في كثير من دول العالم مما يجعل هذه البلدان محط تنافس المنتجين، وهذه  بالطبع ليست ميزة إيجابية البتَّة.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، وعلى ضوء العدوان ضد إيران ووجوب إستثمار العرب لهذه اللحظة التاريخية الساخنة والحاسمة، يفرض السؤال التالي نفسه:  لماذا لا تُصاغ علاقة عربية–إيرانية على قاعدة الندّية، شراكةٌ متوازنة بلا تبعية ولا ذوبان؟

المسألة، في جوهرها، ليست غياب الفكرة، بل كلفة القرار. في حسابات السلطة، يبدو التغيير أثقل من الاستمرار، فيُؤجَّل ما ينبغي أن يُحسم. وكلفة القرار هي في التحليل الأخير، كلفة طبقية بمعنى مصالح الطبقات الحاكمة في الوطن العربي وهي الطبقات الشريكة أو الحليفة للسلطات الحاكمة بمعنى إندغام مصالح الطبقة الرأسمالية التجارية والكمبرادورية بمصلحة السلطة الحاكمة. وهذا يردنا مجددا إلى غياب الديمقراطية كما اشرنا أعلاه.

وهذا يعني أن الخطر الحقيقي ليس خارج الحدود، بل في الداخل؛ في هذا التصدّع العربي الذي يبدّد القوة قبل أن تُختبر. لذلك يبقى أي تحالف سواء مع إيران أو غيرها مثابة تحالف أنظمة عربية فرادى لا ككتلة واحدة ضخمة ذات وزن، مما يُبقي على دورها هامشيا وهشاً طالما لا يستند أو يقوم على حدّ أدنى من التماسك الوحدوي. فالوحدة ليست شعاراً، بل شرط توازن—ومن دونها يتحول التحالف إلى باب نفوذ وتبعية لا إلى مصدر قوة.

وفي موازاة ذلك،  يُعاد إنتاج الانقسام، بل حتى الصراع العربي البيْني عبر خطابٍ طائفي بين الشيعة والسنة، ناهيك عن الموارنة  والدروز…الخ الأمر الذي يُفرغ التاريخ من جهة والواقع من جهة ثانية من معناه المشترك، حيث يتمظهر هذا في  إنكار متبادل ، وطعن في التراث، وتسفيه كل منها لرواية أو سردية الأخرى، واستبدال الحوار بالمحو. هكذا تُغلق أبواب التعاون، وتُصنع قطيعة تبدو وكأنها قدر.

وهذا ليس عفوياً. فعلى امتداد قرن، جرى دفع الاختلاف نحو صراعٍ إقصائي؛ لا إدارة للتعدد بل إلغاء له. المشكلة لم تكن في الاختلاف، بل في ثقافة ترى في الآخر تهديداً لا شريكاً—فتُهدر الإمكانات قبل أن تتحول إلى قوة.

داخل بنية الحكم تتجلى المعضلة بوضوح:

سلطاتٌ تُقدّم السيطرة على المشاركة، واقتصادٌ ريعي يُسكّن الحاجة إلى التكامل، وأمنٌ مُستعار يُغني عن بناء الثقة، وخوفٌ متبادل يحاصر فكرة الوحدة، وطائفية تُستثمر لتفتيت الداخل، وإرثٌ ثقيل لم يُفكَّك بعد.

ولكن هذا بأجمعه نتاج مصالح طبقية متراكبة على مصالح طائفية، أي إنتقال من الإطار الطبقي الواسع إلى الإنحصار الطائفي الضيق وبالتالي تتحول حتى الأنظمة إلى تحوصلات طائفية فتبدو الدولة القطرية على شكل مجموعة دول طائفية تجمعها تسمية دولة بينما هي حالة من صراع وضيع  يقوم على دماء فقراء كل  طائفة لصالح برجوازيتها!

هل البديل مستحيل؟

ليس كذلك. لكنه يبدأ حين تتبدل الأولويات: من أمنٍ مستورد إلى تعاونٍ ذاتي، من ريعٍ عابر إلى إنتاجٍ متكامل، من إقصاءٍ عقيم إلى إدارةٍ واعية للاختلاف، ومن تنافسٍ صفري إلى شراكة ندّية مع إيران تُبنى على المصالح لا على الهواجس.

لكن هذا يشترط توفر الأداة التي تنطلق او تنمو قاعديا على أرضية وعي طبقي للأكثرية الشعبية على أن تتمتع بديمقراطية داخلية تفرز قيادة طليعية واعية إلى الحد الذي يؤكد إنتصار العمل على راس المال.

الخلاصة: الطريق معروف، لكن الحوافز معكوسة. ما دام البقاء على الحال أقل كلفة من تغييره، سيبقى الخارج أقرب. وحين تنقلب هذه المعادلة، يبدأ المسار—خطوةً تُمهّد لما بعدها.

ولكن، لماذا الخارج أقل كلفة؟ لأن أداة التغيير بين غائبة أو مدجنة، فلم يحصل تاريخيا أن تنازلت طبقة عن مصالحها دون صراع تخسره.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….