الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركية (الحلقة الأولى)، مسعد عربيد

مقدمة

هرتسل لم يكن أب الصهيونية

ولا أول من دعا إليها

هناك إجماع بين الباحثين على أن ثيودور هرتسل (1860-1904) هو “نبي” الصهيونية ومؤسسها. غير أن هذا قد ينطبق على الصهيونية الحديثة التي تبلورت في كتاب هرتسل “دولة اليهود” (1896)، ثمّ تأطرت في المؤتمر الصهيوني الأول (بازل – سويسرا عام 1897) وتأسيس الحركة الصهيونية. وهناك أيضًا إجماع على أن الفكرة الصهيونية ومشروعها الاستيطاني في فلسطين، رأت النور قبل هرتسل، وأنها تطورت على أيدي اوروبيين يهود متدينين وعلمانيين وملحدين على حد سواء، نذكر منهم على سبيل المثال، يهودا القالي (القلعي) (1798 – 1868) وموسس (موسى) هيس (1812-1875) وغيرهما كثيرون.

هذا صحيح. غير أن حقائق التاريخ تؤكد أن كل هذه التطورات لم تشكّل انطلاقة الفكرة الصهيونية ولا مشروعها الاستيطاني، بل شكّلت بداية “صهينة اليهود” أنفسهم وانخراطهم المباشر في الفكرة والمشروع الصهيونيين. فالصهيونية في أصلها وجذورها كانت فكرة غير يهودية، إذ كان الأوروبيون المسيحيون “غير اليهود” سبّاقين في اختلاقها والدعوة لها عبر مختلف الأطروحات والمساعي الغربية غير اليهودية “لاستعادة أرض إسرائيل” وإقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.

نتناول في هذه الدراسة الأسس العامة والجوانب المختلفة للصهيونية المسيحية “غير اليهودية” التي سبقت الصهيونية السياسية الهرتسلية بثلاثة قرون، وكذلك في تجلياتها المعاصرة، في محاولة للإجابة على سؤال: أين ومتى وُلدت الصهيونية ومَنْ ابتدعها؟

من هنا، كان من الممكن لهذه الدراسة أن تأخذ عنوانًا آخر مثل: “الصهيونية غير الصهيونية”، أو “الصهيونية قبل هرتسل” أو “الصهيونية غير اليهودية”.

قد يطرح بعضهم سؤال: ولماذا العودة إلى التاريخ البعيد؟

والجواب هو ببساطة أن الاطلال على الفكرة الصهيونية وجذورها التاريخية وسياق تطورها وتأثير الأبعاد الدينية في تشكّلها يعيننا على:

□ فهم نظرة الغرب الرأسمالي – الإمبريالي (الأوروبي والأميركي) وموقفه من اليهود والصهيونية، والكشف عن دوره في التأسيس للصهيونية وخلق التبريرات الدينية واللاهوتية لمشروعها الاستيطاني في فلسطين.

□ فهم دعم الغرب للكيان الصهيوني في حروبه وسياساته الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني والأمة العربية، من أجل حماية المصالح الاقتصادية والجيوسياسية الغربي.

□ هذا، فضلاً عن أن معرفة التحولات التي طرأت على المسيحية، وتحديدًا ظهور البروتستانتية ودورها في دعم اليهود ودفعهم للمطالبة بالعودة إلى “أرض إسرائيل”، يكشف عن أن فكرة الصهيونية تعود في جذورها إلى المسيحية البروتستانتية وربما قبلها، وأن ظهور الصهيونية المسيحية (الغربية) خصوصًا في بريطانيا والولايات المتحدة وتغلغلها في الوعي والثقافة الشعبية الغربية وتأثيراتها في صنع القرار السياسي.

لن تتناول هذه الدراسة “الصهيونية العربية”، لا تجاهلاً لها أو تقليلاً من خطورتها، بل لأنها تحتاج إلى دراسة منفصلة.

الصهيونية المسيحية:

الركائز والمبادئ الأساسية

□ تمنح الصهيونية المسيحية وزنًا مركزيًا لنصوص “العهد القديم” للكتاب المقدس لدى المسيحيين بشأن “أرض الميعاد” و”مجيء المسيح الثاني” في نهاية العالم، حيث شكّلت الخلفيات والادعاءات التوراتية المادة الأساسية في تشكيل هذه العقيدة. وهكذا، نجد أن قطاعات كبيرة من مسيحيي الكنيسة الإنجيلية، قد حوّلت العهد القديم من كتاب ديني إلى “كتاب سياسي” يقوم على الوعد الإلهي لـ “الشعب اليهودي المختار” لإقامة دولتهم على أرض فلسطين.

□ في جوهرها الإيماني الديني واللاهوتي، تقوم الصهيونية المسيحية على التفسيرات البروتستانتية التي تعود إلى القرن السادس عشر بشأن النبوءات التوراتية والعلامات الواردة في الكتاب المقدس حول “عودة المسيح” في “نهاية العالم”. ويعتقد هؤلاء المسيحيون أن الاستيطان اليهودي في فلسطين وإقامة دولتهم اليهودية واحدة من أهم العلامات التي تسبق المجيء الثاني للمسيح، ما يتوافق تمامًا مع الادعاءات الصهيونية.

□ نهلت هذه التفسيرات من عدة مقولات وأساطير توراتية أهمها:

أ) إن اليهود هم “شعب الله المختار” والمفضّل على كافة الشعوب.

ب) إن الربط بين اليهود وأرض فلسطين، ليس مجرد حنين تاريخي لنبوءة توراتية من الماضي، بل هو ميثاق إلهي منحه الله لإبراهيم، وعليه فهو تعبير عن الإرادة الإلهية.

ج) ربط الإيمان بين عودة المسيح، من جهة، وقيام الدولة اليهودية، من جهة أخرى، ما يعني ويتطلب تجميع اليهود في فلسطين إلى حين المجيء الثاني للمسيح.

□ على هذه الأسس، تمّ نسج السردية التوراتية وتقديمها كنبوءة وتعبير عن الإرادة الإلهية، وفق ما جاء في سفر الرؤيا من الكتاب المقدس المسيحي. وتقوم هذه السردية، بإيجاز ، على أن “هرمجدون” (Armageddon)، دون تحديد دقيق للتوقيت الزمني، هي المعركة الفاصلة الآتية في نهاية العالم حيث تتجمع “جيوش الشر لمحاربة قوى الخير في سهل مجدو في فلسطين”.

□ تمّ تثبيت هذه الأطروحة في المسيحية البروتستانتية كعقيدة دينية – لاهوتية وأيديولوجية بحيث أصبحت جزءً من الإيمان المسيحي (خاصة الإنجيلي). ومن هنا جاء دعم الصهيونية المسيحية المطلق للمشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين منذ بدايته في نهايات القرن التاسع عشر مرورًا بقيام الكيان الصهيوني عام 1948 وحتى يومنا هذا.

□ تأسيسًا على هذا، فإن دعم الصهاينة المسيحيين للاستيطانِ اليهودي في فلسطين، يرتكز إلى مقولة/فرضية أن اليهود المعاصرين هم أنفسهم المدعوون “بنو إسرائيل” الذين جاء ذكرهم في في الإنجيل.

□ في الترجمة العملية والسياسية لهذه العقيدة، يدعم الصهاينة المسيحيون – أفرادًا وكنائس ومنظمات دينية ومؤسسات لاهوتية، وامتداداتها في السياسة والمجتمع – السياسات الصهيونية الإجرامية والعدوانية ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية عامةً.

□ هنا لا بدّ من التوقف لتوضيح أن الغاية من هذا الدعم المسيحي للصهيونية ليس خلاص “الشعب اليهودي”، بل هو أيضّا من أجل خلاص المسيحيين أنفسهم. إذ أن الصهاينة المسيحيين يرون في دعم “إسرائيل” وسيلةً لتحقيق النبوءة الإنجيلية في المجيء الثاني للمسيح، ولذلك يسعون إلى قدوم “آخر الزمان” حين يقتتل اليهود بينما يصعد المسيحيون إلى السماء. بالطبع، يدرك الصهاينة نوايا المسيحيين الإنجيليين من هذا المسعى، ولكنهم يرحبون بدعمهم الذي يخدم أهدافهم ومصالحهم.

□ نخلص إلى أن الإجماع الصهيوني المسيحي الذي ساد العقيدة الإنجيلية، خصوصًا في بريطانيا والولايات المتحدة، وصعوده اللافت بعد حرب 1967، يرى في المشروع الصهيوني المعاصر تحقيقًا للنبوءات التوراتية، التي تسبق خلاص المسيحيين الذي سيتحقق عند مجيء المسيح وارتقائهم إلى السماء.

□ من الناحية السياسية، فإنه من الواضح أن خطورة الصهيونية المسيحية تكمن في أنها تمزج بين الإيمان الديني والدعم السياسي للكيان الصهيوني، حيث إنها تضع “إسرائيل” في قلب السردية اللاهوتية للتاريخ، فيصبح قيام الكيان الصهيوني، وفق هذا التصوّر، حدث سياسي وتاريخي، ولكنه في الوقت نفسه تحقّيقًا للنبوءات التوراتية.

□ ينبني على هذا، أن الفهم الموضوعي للصهيونية المسيحية ينبغي أن يقوم على:

– على أنها موقف سياسي داعم للكيان الصهيوني في فلسطين وللصهيونية وادعاءاتها التوراتية؛

– ولكنها في الآن ذاته موقف ديني والتزام لاهوتي يحتكم الى التعاليم والإرادة الإلهية ويتغلغل في الوعي والعقيدة الإيمانية الشعبية للمسيحية البروتستانتية.

هكذا يتم تلاقي الأصولية الدينية والسياسية بين ما تطرحه الجماعات الإنجيلية المسيحية فيما يتعلق بالدعم المطلق للصهيونية وكيانها، من جهة، وبين ما يطرحه اليمين الديني اليهودي المتشدد في ذلك الكيان.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….