ملكية السراسقة في فلسطين، اعداد حافظ الايوبي

ينتمي السراسقة اللبنانية إلى أسرة مسيحية أرثوذكسية المذهب من اليونان حيـث أن أفرادهـا سكنوا في البداية في مرسين بالقرب من أضنة ومن ثم هاجروا واستقروا في قرية البربارة فـي لبنان  ، وعملوا في إلتزام جباية الضرائب في لبنان ، حيث تمكنوا من إنشاء شركة مصرفية فـي لبنان، نتيجة للأموال التي كانت العائلة تجنيها من خلال عملها في نظـام الإلتـزام والصـيرفة  والبنوك.

يعد انكسار الضرائب المترتبة للخزينة أحد العوامل المهمة في تكوين ملكية السراسقة في فلسطين . ففي عام ۱۸۹۹ م ، أقدمت الخزينة العثمانية على حل أراضي  ٢٢  موقعا بما فيها مدينة الناصرة ، وطرحها بالمزاد العلني ، نتيجة لعجزها عن الوفاء بمستحقاتها من الضرائب المتراكمة منذ عام ١٨٤١ م ، وقد رست مزايدتها في العاصمة اسطنبول على عدد من رجال الأعمال البيروتيين نال السراسقة نصيب الأسد منها وفي عام ۱۸۷۲ م ، عادت الخزينة ، وطرحت للمزايدة في العاصمة ( ٥ ) قري رست مزايدتها على السراسقة  ووكيلهم وشريكهم في حيفا  اللبناني سليم خوري الذي كان من كبار تجار حيفا  . وقد شكلت هذه المشتريات في مجملها القاعدة الأساسية الملكية السراسقة في فلسطين ، كما وجد مزارعو القرى المجاورة في سطوة السراسقة ونفوذهم مظلة إلجاء يحتمون بها من تعسف الجباة والملتزمين والزعامات المحلية المتنفذة ، فتنازلوا عن ما في أيديهم من الأرض والبيوت والعقارات مقابل حمايتهم ومن الجدير بالذكر  أن انكسار الضرائب لم يأت وليد الصدفة ، وإنما جاء نتيجة لمجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية السيئة التي ألقت بظلالها على أهالي المواقع المأهولة المشمولة بالملكية بين ۱۸۳۱ – ۱۸۷۲ م  وقد حاولت الحكومة العثمانية ، من خلال لجان المسح والتسجيل ، التي انطلقت لمسح سهول مرج ابن عامر وبيسان  جباية الضرائب المترتبة عليها مقسطة نحو ثلاثة عقود ، إلا أنهم عجزوا عن أدائها نظرا لضخامتها من ناحية، وسوء نظام الجباية من ناحية أخرى . 

أشار لورانس أوليفانت في كتابه  أرض جلعاد  متحدثا عن ثروة سرسق للأرض :

  وقد سمعت أن دخله السنوي منهـا أكثر من أربعين ألف ليرة إنجليزية … وقـد ذكـر أنه في آخـر أيـام سـرسـق يـعـود عـليـه بغـلال وفـيـرة يمكن تصـور حجمها إذا عرفنا أن تكاليف نقل كميات الحبوب التي دفعها قد بلغت ٥٠ ألف عدا الكميات التي ينقلهـا الفـلاحون لصاحب الأرض سخرة  كما قال لي السيد سرسق نفسه وأضاف أن امتلاكاته من الأرض كانت قد بلغت مساحتها ٢٤٠ ألف دونم .  (يقصد في ذالك الوقت)

تركزت ملكية السراسقة في ٦٠ موقع  في فلسطين من مرج بن عامر الى مشارف حيفا ، قدرت مساحة الملكية حسب اقل تقدير  ب ٨٠٠ الف دونم كحد ادنى مايعادل ٣% من مساحة فلسطين التي تبلغ  (٢٧مليون دونم) .

٧٠% من ملكية السراسقة سربت للجمعيات الاستيطانية الصهيونية فترة الانتداب (الإحتلال البريطاني )​

من اهم اعمال العائلة تأسيس شركة لجمع الضرائب لصالح الدولة العثمانية ، ادخلت زراعة القطن منطقة الاغوار ، حازت على امتياز تجفيف الحولة (٥٧٠٠٠ ) دونم ،وعند بيعها للصهاينة باعوا ١٦٧ الف دونم بفضل نفوذ العائلة وسطوتها ، شق طريق دمشق بيروت بعد منتصف القرن التاسع عشر ، ساهمت في شق قناة السويس ، الدائن الاول لإسماعيل باشا الخديوي في مصر  تاسيس اول كازينو في لبنان ، اعادة استصلاح غابة صنوبر من ٦٠٠ الف دونم في لبنان .

تركزت ملكية السراسقة في فلسطين بيد ٢٧ فرد ، ابناء سرسق الخمسة والباقي من الأحفاد

حجر الزاوية لملكية السراسقة كانت من خلال  صفقة شراء ٢٣٠ الف دونم من الاراضي المحلولة والتي عجز الفلاح عن دفع ضرائبها في مرج بن عامر حوالي سنة ١٨٦٩ عن طريق والي دمشق راشد باشا مقابل ١٧٠٠٠ ليرة عثمانية ، قبض الوالي ٣٠٠٠ ليرة رشوة ، دخل خزينة الدولة ٦٠٠٠ ليرة فقط دفعها سرسق.

اما الثمن الحقيقي للأراضي مليون ونصف ليرة عثمانية .

فترة الانتداب خلال عقد الصفقات مع الصهاينة نقلت الحركة الصهيونية أفراد العائلة من بيروت الى يافا والعودة بالطائرات في نفس اليوم لاتمام بيوعات الاراضي .

اول صفقة للسراسقة مع الصهاينة

من  ٦٠ -٧٠  الف دونم ومن ثم ٨٠ الف دونم.

يصف المستشرق الإنجليزي أولفانت   عام ۱۸۸۳م . تغلغل السراسقة في أراضي شمال فلسطين بعامة ، والمرج والتلال المحيطة به بخاصة ، قائلا :  إن سهل از دريلون كله … يقصد( مرج بن عامر )  كذلك جزءا من التلال المحيطة به تملكها الآن جميعا مؤسسة غنية من رجال البنوك السوريين الذين يجنون منه دخلا سنويا يقدر ب ۲۰۰۰۰ دولار ، وهم يملكون عمليا حوالي خمسة آلاف من البشر الذين يكونون سكان ثلاثين قرية ، ولم أجد طلمسا لإغراء الوطنيين بالاستجابة لطلبي أقوى من أن اذكر اسم سرسق …. وما من طاغية يمارس سلطة استبداده على حريات مزارعيه وحياتهم أقوى من تلك التي كان يمارسها هذا المليونير الملاك الذي يعمل كل عام على ضم الجديد إلى أراضيه ، حتى بدا كأن الجليل بأسره بات في خطر الوقوع في يديه ” . 

 وهو ما جعلهم عاجزين عن الإحاطة بكل ما يجري عليها من نشاط زراعي أو عمراني إلا من خلال وكلائهم .

مسؤولية الدولـة العثمانية

 لم تكن الحكومة العثمانية واضحة النوايا  فهي إن لم تكن مساهمة  فعلى الأقل قصرت بوضوح في حفظ حقوق الفلاحين . 

 التعجب ماهي الدوافع التي حدت بها إلى فصل سنجقي عكا ونابلس عن ولاية الشام ، حيث دائرة التسجيل الوحيدة ، وإلحاقهما بولاية بيروت التي استحدثت فـيـهـا دائرة تسجيل جديدة ، ما لا ينزع عن الدولة تحمل القسم الأعظم من المسؤولية إزاء ما حل بالمجتمع الفلاحي والملكية ،  سلوكها المثير من مشاركة فاعلة في مصادرة الأراضي وشرائها بشكل كبير في شمال فلسطين ومن ثم عرضها بالمزاد لبيعها . 

التبعية الإدارية للسنجقيين جعلت من صفقات بيع الأراضي أكثر سهولة  وخلالها تم الجزء الأكبر من مشتريات الأراضي في فلسطين  وحين شرعت الدولة بتسجيل الأراضي نفذت تهديداتها ضد الفلاحين ، فنقلت إلى ملكيتها ما اعتبرته أراضي زائدة عن حاجة القرى .

ماتبقى من اصول سرسق في فلسطين

انتقلت املاك العائلة الى الصهاينه خاصة فترة الانتداب ، وما تبقى حصلت كوكرن الابنة الوحيدة لتاجر الأراضي الفريد سرسق حصلت على قرار من المحكمة الصهيونية بالتعويض عن ما تبقى من املاك العائلة.

إيفون سرسق، المعروفة بالسيدة سرسق كوكرن تزوجت كوكرن عام ١٩٤٦ في بيروت من السير ديزموند كوكران ، وهو نبيل إيرلندي شغل منصب القنصل العام لإيرلندا في لبنان. في عام ١٩٤٨ ، عند قيام  كيان الاحتلال ، كانت كوكرن مواطنة لبنانية – بريطانية – إيرلندية ولديها أيضًا جواز سفر دبلوماسي  حيث كان زوجها دبلوماسيا. ورثت كوكرن عن والدتها أراضي العائلة في يافا وحيفا ، وصادر الوصي على أملاك الغائبين هذه الأصول العقارية بموجب قانون أملاك الغائبين ، ثم نقلت إلى ملكية سلطة التطوير الصهيونية .

 عملت العديد من العوامل في إقناع الحكومات الإسرائيلية بالاعتراف بمطالبة كوكرن بإعادة ممتلكاتها لأنهم اعتبروها مسألة مبدأ  معترفين بأن كوكرن فرد من عائلة لا يمكن إدراجها في تعريف أعداء إسرائيل على الرغم من أن العائلة تعيش في دولة في حالة حرب مع إسرائيل.

 الفاتيكان أيضا تدخل كما فعل القادة  اليهود البريطانيين، بما في ذلك النائب” ( Greville Janner )  

كان  رئيسًا لمجلس النواب اليهود البريطانيين ، و الهيئة التمثيلية الرئيسية للجالية اليهودية البريطانية ، من عام ١٩٧٨ إلى عام ١٩٨٤ . ” وكذلك بدعم من الرئيس اللبناني كميل شمعون .

اتصلت كوكرين بالسلطات الإسرائيلية لأول مرة فيما يتعلق بأصولها في عام ١٩٥٠. وفي ١ فبراير ١٩٥١ ، حصلت على قرار من اللجنة الخاصة  المنشأة بموجب المادة ٢٩ من قانون أملاك الغائبين بعدم التوصية بإعادة الأصول المصادرة.

جددت طلبها في عام ١٩٦٦ وتقرر مرة أخرى عدم إعادة أصولها.

عادت مرة أخرى في عام ١٩٧٨ عن طريق المحامي حاييم هرتسوغ.

 وقتها كان حاييم هرتصوغ أحد مؤسسي شركة هرتسوغ وفوكس ونئمان ، والتي أصبحت واحدة من أكبر شركات المحاماة في الكيان الصهيوني بين عامي ١٩٧٥ و ١٩٧٨ شغل منصب الممثل الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة ، حيث رفض قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ٣٣٧٩ –  وهو مواطن بالأصل إيرلندي أصبح فيما بعد رئيس الكيان الصهيوني السادس  بين ١٩٨٣-١٩٩٣.  

نعود الى القضية وفي ١٣ مايو ١٩٧٩ ، قررت اللجنة مرة أخرى عدم تقديم توصية إلى المسؤول بالإفراج عن أصولها. في سبتمبر ١٩٧٩ ، استأنف هرتسوغ أمام المحكمة العليا باسم كوكرن ، التي حكمت لصالحها في يناير ١٩٨٠. استجاب وزير الخارجية يتسحاق شامير بشكل إيجابي للالتماس الذي قدمته مؤسسة كوكرن ، وأوصت اللجنة الخاصة في النهاية بأن تدفع مديرة البرنامج تعويضها عن أصولها العقارية  .

نهاية كوكرن

أصيبت في انفجار بميناء بيروت وتوفيت متأثرة بجراحها في ٣١ آب ٢٠٢٠ عن يعمر يناهز ٩٨ سنة .

اعداد حافظ الايوبي

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….