اذا كان هدف الأستاذ جهاد الرنتيسي هو “نبش” تاريخنا المعاصر لتقديم وجهة نظر مختلفة ، وربما مضادة، للسائد ، أو للكثير من السائد ، حول التجربة الفلسطينية المعاصرة – وذلك بتركيزه على إبراز ما يعتبره مخبأً و مهمشاً من هذه التجربة – ، فإنّ روايته الأخيرة ، “غربان ديكسون” ، تبدو لي بأنها الأنجح في تحقيق هذا الهدف مقارنة بسلسلة رواياته القصيرة التي صدرت ضمن مشروعه الذي نذره لذات الغاية .

إن روايات الرنتيسي السابقة – خبايا الرماد ، بقايا رغوة ، شامة سوداء أسفل العنق – (تبدو) أكثر تعقيداً من عدة نواحٍ مقارنة بغربان ديكسون ، لكن الأخيرة ، رغم أن بنيتها تبدو بسيطه مقارنة بالروايات الأولى ، فقد قالت الكثير .
الروايات الثلاث الأولى استطاعت أن تُشْعِرَنا بتأثير الظروف على بعض الفلسطينين في المهجر. لكن هذه الشخصيات وتجاربها كانت أكثر بروزا ، ربما ، من السياق الذي صنع مآسيها ، و غنائمها ؛ هذا السياق الذي يُفـتَـرَض أنه هدف الروايات الأساسي .
***
إنَّ غربان ديكسون، رغم تقديمها للكثير من المعلومات والتحليلات والأسماء والأحداث ، بشكل مكثف جدا ، وبالرغم من جمل الرنتيسي القصيرة والمتتابعة التي تحتاج إلى التركيز . رغم هذا ، تجذب الرواية القارئ من خلال بناء واضح ومترابط ومتسلسل، و لغة سلسة وشاعرية؛
إنها تأريخ وتوثيق روائي أدبي جميل ؛ استطاع كاتبها من خلالها تقديم مادة جافة، غزيرة ، متنوعة ومتشابكة ، بطريقة ممتعة .
(بالرغم من هذا كله ؛ فإن روايات الأستاذ الرنتيسي الأول أقرب إلى ذائقتي الأدبية الشخصية ، وإلى المواضيع التي تهمني ؛ كتأثير الظروف على الفرد . كما أن البساطة، التي يلمسها قاريء غربان ديكسون، لا تعني أن التوليفة التي صنعها المؤلف، ليقدم التاريخ روائيا، توليفة سهلة بالضرورة ) ..
****
يبقى لدي تساؤل منهجي أظنه في غاية الأهمية :
هل نقرأ هذا النوع من الروايات كتاريخ؛ فنسائل الكاتب كما نسائل المؤرخ ؛ عن اختياره لمادته ، عن دقة هذه المادة أو تلك ، عن وجود أو غياب وثائق تدعم وجهات نظر أخرى ؟ .ام نعاملها كرواية يحق لكاتبها الاختيار لتقديم الرواية التي يؤمن أنها همشت وغيبت ؟ .
في حالتنا هذه، وبما أن الهدف هو النبش واثارة التساؤلات لنصل الى الرواية ، أو الروايات ، الأدق / الأصح / الأكثر موضوعية .. فان المزيد من البحث والتدقيق مطلوبان . وأظن أن الأستاذ الرنتيسي لن يزعجه ذلك ؛ فشخصيته، كما أتلمس ملامحها من خلال كتاباته الفيسبوكية، ترحب بالنقاش والاختلاف . كما أن أسلوب الرواية ذاته غير طارد للرأي الآخر ؛
هناك الكثير من مواضع الرواية التي تشعرك أن “سعد الخبايا ” – بطل الرواية الذي يكتب على دفاتره قراءته للتجربة الفلسطينية، والذي هناك ما يغري بربطه بشخصية الرنتيسي -، محتار ، غير قادر على الحسم ، موضوعي وغير متحيز . وهذه تحسب للكاتب منهجيا وأسلوبيا؛
فمن حيث الأسلوب تسهل تمرير المعلومات والأفكار والتحليلات الكثيرة؛ فكل ما تقوله الرواية نراه ونسمعه من خلال سعد الخبايا : يقوم، يجلس ، يتعب ، يعرق ينظر من النافذة ، يدخن ، يقلب أوراقه ، يكتب ملاحظاته :
هناك بث حي ومباشر لكتابة مادة الرواية .
إنَّ هذا الأسلوب ، بغناه التصويري لمشاعر البطل، و لوضعه الجسدي، و لتفكيره ، بما في ذلك حيرته أحيانا ، و رفضه للحسم أحيانا أخرى ، يمتع القارئ ، ويمنحه هامشا ليشارك في التفكير .
صحيح – برأيي ، ومن خلال قراءة واحدة، وهذا لا يكفي – أن المحصلة العامة لكل الفصول تغري بتبني استنتاجات عامة مضادة للكثير من عناصر السردية السائدة ، وأسسها أحياناً ، وبالتالي ، لم ولن يؤثر ما وصفناه بالحيرة والتردد أحيانا ، في هدم هذه الاستنتاجات الرئيسية . لكن ،
تظل الرواية ، بأسلوبها ولغتها ، وبما تقدمه من معلومات وتحليلات ونقد، يطال أطرافا عديدة ذات توجهات مختلفة ، تظل مريحة للقارئ (غير المتعصب) ؛ الذي يبحث عن الحقيقة .
الرواية، بمحتواها وبنيتها وأسلوبها ، وبالرغم من تشكيكها بالكثير من السائد والعمل على خلخلة أسسه ، الا أنها غير طاردة للنقاش ، بل هي تفتح الأبواب للتساؤل والحوار لمن يهمه أن يكون موضوعيا .
كل هذا لا يمنعني من السؤال – التمني :
هل كان على الكاتب أن يفسح مجالا لوجهات النظر الأخرى ؟ .. ولا أتحدث هنا عن الرواية المعلنة والمهيمنة بالضرورة؛ فالقضايا المطروحة كثيرة وشائكة وقابلة للأخذ والرد والتمحيص ، وقد يفرز هذا العديد من الآراء .
تخيلوا معي الغنى الفني، والبحثي ، لو كانت هناك شخصية ، أو شخصيات ، أخرى تناقش ما يكتبه الخبايا ، أو تُكتب ، بالتوازي معه ، حول نفس الموضوع لكن من موقع ، أو مواقع ، آخر ، مكانيا وشخصيا وفكريا … الخ .
للكاتب في النهاية الحق في قول ما يريده ، بالطريقة التي يراها مناسبة ، وللقاريء ، خاصة في هذا النوع من الروايات ، وخاصة أكثر عندما تتناول قضايا محورية وشائكة ، أن يبدي رأيه .
****
وبعد ، فان كل هذه الخواطر والملاحظات الانطباعية حول الرواية ، والتي تبقى مجرد انطباعات – خاصة أن الروايات الأولى قرأتها منذ فترة واستحضرت انطباعاتي عنها من الذاكرة- كل ما قلته أعلاه لا يقلل من قيمة الرواية أبداً؛ بل انها ، برأيي ، متينة فنيا ، مهمة تأريخيا ، وهي في كل الأحوال ترمي حجراً في المياه الراكدة .
***
لقد وضع مشروع الرنتيسي ، و بعض الكتب التي صدرت في السنوات السابقة، أسساً لتقديم روايات ، و آراء، مختلفة حول قضيتنا المعاصرة ؛ القضية الشائكة ، التي ينوء بحملها عدد محدود من الكتاب ؛ والتي لا يمكن مقاربتها من وجهة نظر واحدة وحيدة ، ولا بواسطة تخصص بعينه ؛
وعموما – وهذا لا يقصد به أحد بعينه – :
إن الدقة والأمانة ، و الشمول في التناول ، تتطلب جهودا كبيرة ، و زوايا نظر مختلفة ، وتخصصات متنوعة ، لنتجاوز – إن لزم الأمر – الثنائيات المعروفة :
الصح والخطأ ، الحق والباطل . وغيرها من التوصيفات – التي قد تصل حدتها الى درجة يخشى البعض بسببها من تقديم مساهماتهم – نحو قراءات أكثر تركيباً وعمقاً .
وهذا لا يعني أن كل شيء في الحياة سائل وسائب، ولا يمكن تحديد صفة له . إنما أعني أن التدقيق والتأني ، والكتابة باتزان واحترام ، وبمسؤولية ، أمور في غاية الأهمية . خاصة في القضايا التي تمس حياة الناس .
إن بين ما تم ترويجه وضخه من معلومات خلال العقود الماضية ، وبين ما كتب في نقدها ، قد تكون هناك ، بل اكاد أجزم أن هناك ما لم يقال ، وما لم يُعرَف ، وربما ، ما لن يعرف أبدا ..
:::::
المصدر: فيس بوك
psnrtedSoo307gr4u1c2fl57i0h00t772c46 usyde2et4m5t 06ahY21a:4 ·
psnrtedSoo307g04u1c2fl57i0h00t772c46 u lrp26t4m5A 06ih211a:6 ·
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.