لفهم بنية الوعي الصهيوني المعقدة، لا يكفي الاكتفاء برصد التصريحات السياسية العابرة، بل يجب الغوص في السير الذاتية لجنرالات الظل وقادة المنظومة الأمنية؛ وعلى رأسهم “مئير داغان”، الرئيس الأسبق لجهاز “الموساد”، الذي لم يكن مجرد رجل استخبارات، بل كان مهندساً لعقيدة أمنية تقوم على ترحيل عقدة الخوف التاريخية نحو الآخر.
كان داغان يحتفظ في مكتبه بصورة تكتنز دلالات صادمة: جده راكعاً على ركبته، مستسلماً لمصيره أمام جنود النازية في لحظاته الأخيرة. هذه الصورة لم تكن مجرد مقتنىً عائلي، بل كانت البوصلة النفسية التي تحرك عقل الكيان الصهيوني. فهي تختزل في الوجدان الصهيوني صورة “اليهودي المهين” الأعزل، وتعمل كوقود عاطفي لتبرير أقصى درجات البطش في الحاضر.
من هذا المنطلق، تتكشف لنا ملامح العقلية الأمنية لكيان الاحتلال: هي عقلية ترفض رفضاً قاطعاً العودة إلى “موقع الضعف”، وتسعى جاهدة لتحويل ذاكرة الاضطهاد إلى “قوة استباقية” عدوانية. الأمن هنا لا يُعرف كحالة استقرار، بل كفعل هجومي مستمر؛ حيث تُشرعن “الضربة الاستباقية” واغتيال التهديدات قبل نضوجها بوصفها واجباً وجودياً يمنع تكرار التاريخ.
تجلت هذه الرؤية بوضوح في سياسات داغان تجاه الملف الإيراني، حيث أرسى قواعد “الحرب بين الحروب” عبر العمليات السرية والاغتيالات، مفضلاً خنق التهديد ببطء بدلاً من المواجهة الشاملة التي قد تعيد تمثيل مشهد “الخطر الوجودي”.
إن العبرة هنا تكمن في تحول “الذاكرة الشخصية” إلى “عقيدة دولة”؛ فصورة الجد المذبوح لم تُستخدم لاستخلاص قيم العدالة الكونية، بل أُعيد تدويرها لإنتاج القوة كضرورة وجودية مطلقة. هكذا، يُبرر الفعل الأمني القمعي ضد الفلسطينيين والمحيط بوصفه صرخة “لن يتكرر ذلك أبداً”، ليتحول الخوف من الجلاد القديم إلى وقود لصناعة جلاد جديد، يرى في سحق الآخر الضمانة الوحيدة لعدم ركوعه مجدداً.
:::::
المصدر: فيس بوك
rsetpdSnoogl97m484 6343:i814mg1ctp4f02Aalu04ha7627h10 13 62r
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
