25 حزيران 2026
يتناول المقال التالي، الذي كتبه كارلوس مارتينيز، المحرر المشارك في Friends of Socialist China (أي: أصدقاء الصين الاشتراكية) ومؤلف كتاب The East Is Still Red،(أي: لا زال الشرق أحمراُ) أوسع التغييرات التي شهدها النموذج الاقتصادي الكوبي منذ أكثر من ستين عامًا، والمتمثلة في برنامج يضم 23 محورًا استراتيجيًا و176 إجراءً، أقرّها هذا الشهر المجلس الوطني الكوبي بالإجماع.
سارع جزء كبير من وسائل الإعلام الغربية، وكذلك قسم معتبر من اليسار الغربي، إلى اعتبار هذه الإصلاحات لحظةً نجح فيها الحصار أخيرًا في كسر الثورة الكوبية. إلا أن كارلوس يجادل بالعكس؛ إذ يرى أن هذه الإصلاحات تُفهم على نحو أفضل باعتبارها دفاعًا عن الاشتراكية تحت الحصار، وفقًا للمنطق الاستراتيجي الذي انتهجته الصين منذ عام 1978، والقائم على الاستخدام المنظم للسوق والاستثمار الأجنبي من أجل تطوير القوى المنتجة، مع احتفاظ الحزب الشيوعي بالسلطة السياسية والملكية العامة للقطاعات الاقتصادية الرئيسية. وكما يقول الباحث المختص بالشأن الكوبي إسحاق ساني، فإن هذه الإجراءات، “بعيدًا عن أن تمثل تراجعًا”، تشكل “جهدًا استراتيجيًا للحفاظ على المكاسب الاجتماعية للثورة وتعميقها”.
ويضع المقال هذه الإصلاحات في سياق حصار أمريكي غير مسبوق استمر 64 عامًا، تصاعد بشكل كبير في عهد ترامب وروبيو، حيث جرى خنق إمدادات الوقود، وأصبحت انقطاعات الكهرباء تمتد إلى عشرين ساعة يوميًا. كما يستعرض المقال عقدين من الإصلاحات التدريجية في كوبا، بدءًا من “المبادئ التوجيهية” لراؤول كاسترو وصولًا إلى منطقة مارييل الاقتصادية الخاصة التي صُممت عن قصد على غرار التجربتين الصينية والفيتنامية.
ويرى كارلوس أن السؤال الحاسم هو نفسه الذي ميّز إصلاحات بكين عن سياسة “البيريسترويكا” لغورباتشوف: من يملك السلطة السياسية؟ ويؤكد أن كوبا تسير على طريق الإصلاح والانفتاح الصيني، لا على الطريق السوفييتي الذي قادته البيريسترويكا، وأن تضامن الصين مع كوبا، في مجالات الطاقة والغذاء والعلاقات الحزبية، قد يكون عاملًا حاسمًا في نجاح هذه التجربة.
وبحسب كلمات الرئيس ميغيل دياز-كانيل:
“لا توجد سيادة مع طبق فارغ.”
وأضاف أيضًا:
“لن نجتمع فقط من أجل المقاومة، بل سنجتمع من أجل الإبداع، والإنتاج، واتخاذ القرار، والرقابة، والازدهار، وإحداث التحول.”
يمكن العثور على نسخة مترجمة إلى البرتغالية من هذا المقال على موقع Brasil de Fato.
ما الذي تتضمنه الإصلاحات فعليًا؟
بالنسبة لمن تابعوا تطور التجربة الصينية، فإن الإطار العام الذي تتبناه هافانا يبدو مألوفًا على الفور. فوسط ضغوط هائلة، تتجه كوبا نحو المنطق الاستراتيجي الذي قاد الثورة الصينية منذ عام 1978، والقائم على الاستخدام المنظم لآليات السوق والاستثمار الأجنبي لتطوير القوى المنتجة، مع احتفاظ الحزب الشيوعي بالسلطة السياسية والملكية العامة للقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية.
كما تسعى كوبا إلى تعزيز تعاونها مع حلفائها التقليديين؛ إذ كانت الصين وفيتنام من أهم شركائها في مواجهة الحصار الحالي، ويشكل تعميق العلاقات بين الأحزاب الحاكمة في هذه الدول جزءًا أساسيًا من الخلفية السياسية لهذه الإصلاحات.
وبموجب الحزمة الجديدة من الإجراءات:
- ستُلغي كوبا الشرط القائم منذ سنوات الذي يُلزم المستثمرين الأجانب بالدخول في شراكة مع شركة مملوكة للدولة.
- ستسمح بإنشاء شركات خاصة كبيرة.
- ستسمح بعمل البنوك الخاصة.
- ستجيز التطوير العقاري الخاص.
- وستفتح المجال أمام المستثمرين المحليين والأجانب لامتلاك حصص في الشركات الحكومية، التي سيُحوَّل بعضها إلى شركات مساهمة.
كما ستشجع الكوبيين المقيمين في الخارج بصورة نشطة على الاستثمار في وطنهم، والتبرع له، واستيراد التكنولوجيا، وإنشاء المشاريع الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، ستتمتع الشركات المملوكة للدولة ــ التي ستظل الركيزة الأساسية للاقتصاد ــ بقدر أكبر بكثير من الاستقلالية في مجالات الاستثمار، والتوظيف، وتحديد الأسعار، والإدارة المالية، بينما ستحصل الحكومات المحلية على صلاحيات أوسع لدفع عجلة التنمية في مناطقها.
كذلك ستُرفع القيود المفروضة على الأجور، والتي كانت قد دفعت أعدادًا كبيرة من أصحاب الكفاءات إلى مغادرة البلاد.
الزراعة في قلب الإصلاحات
تحظى الزراعة، التي تُعد أكثر القطاعات تأثرًا بالأزمة الحالية، باهتمام خاص.
وسيُمنح من يرغب في استثمار الأراضي غير المستغلة حق الانتفاع بها، مع توسيع نظام حق الانتفاع، ومنح المنتجين فرصًا أفضل للحصول على البذور والمعدات والأسمدة المستوردة، إضافة إلى السماح لهم بالمشاركة المباشرة في عمليات التصدير.
ومن المهم الإشارة إلى أن ملكية الأراضي ستبقى للدولة؛ فما يجري توسيعه هو حق استخدامها والاستثمار فيها، وليس حق تملكها أو تراكمها كملكية خاصة.
الطاقة والتكنولوجيا والحماية الاجتماعية
ستُفتح المؤسسات المالية أمام مشاركة أكبر من القطاع الخاص ورأس المال الأجنبي، ولكن تحت إشراف الدولة.
كما سيُعاد توجيه قطاع الطاقة بقوة نحو مصادر الطاقة المتجددة، وستُستخدم التقنيات الرقمية، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي في مجالات الزراعة والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والسياحة والتجارة.
أما نظام الدعم الحكومي، فسيشهد تحولًا من الدعم العام الذي يستفيد منه الجميع، إلى دعم موجه للفئات الأكثر احتياجًا، مثل:
- المتقاعدين.
- الأسر التي لديها أطفال يعانون من أمراض مزمنة.
- الأحياء الأكثر فقرًا.
ومع ذلك، فإن مسؤولية الدولة عن الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية ستظل قائمة دون تغيير.
“إطلاق القوى المنتجة“
يختصر الرئيس ميغيل دياز-كانيل الفكرة الأساسية لهذه الإصلاحات بقوله إن المطلوب هو “إطلاق القوى المنتجة” من خلال استبدال سياسة المنع بسياسة التنظيم.
وقال:
“إن كوبا تحتاج إلى مزيد من الإنتاج، لا إلى مزيد من القيود.”
وعن قضية الأمن الغذائي أضاف بوضوح أكبر:
“لا توجد سيادة مع طبق فارغ.”
كما أكد على ضرورة الإسراع في تنفيذ الإصلاحات بقوله:
“إن كوبا لا تحتاج إلى مزيد من التأجيل، بل تحتاج إلى حلول.”
دولة تحت الحصار
لا يمكن فهم أي من هذه الإجراءات بمعزل عن الضغوط الاستثنائية التي تتعرض لها الجزيرة.
فكوبا لا تُجري إصلاحاتها من موقع مريح، بل وهي تواجه أشد حصار اقتصادي شامل عرفه التاريخ الحديث.
فالحصار الأمريكي، المستمر منذ 64 عامًا، تصاعد إلى مستويات غير مسبوقة خلال الإدارة الثانية لدونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو.
وقد جرى خنق واردات الوقود إلى حد كبير، حتى إنه خلال فترة طويلة من هذا العام لم يتمكن سوى ناقلة نفط روسية واحدة من الرسو في الموانئ الكوبية.
وأدت انقطاعات الكهرباء، التي وصلت إلى عشرين ساعة يوميًا، إلى شلل واسع في وسائل النقل، والمستشفيات، والمدارس، وإمدادات المياه.
كما أصبح الغذاء والدواء وقطع الغيار أكثر ندرة بسبب نظام العقوبات الذي صُمم ـ بحسب الحكومة الكوبية ـ لإحداث الجوع وإثارة السخط الشعبي.
ووصف الرئيس دياز-كانيل هذا الحصار بأنه:
“أقسى حصار اقتصادي ومالي وطاقوي وتجاري، وأطولها أمدًا، وذو طابع إبادي، تمارسه أقوى دولة في العالم.”
إضافة إلى الحصار، واجهت كوبا تداعيات طويلة الأمد لجائحة كوفيد-19، التي دمرت قطاع السياحة، وهو أحد أهم مصادر العملة الصعبة في البلاد.
كما أدى تراجع دعم الحلفاء الإقليميين، ولا سيما انخفاض إمدادات النفط الفنزويلي، إلى تعميق الأزمة.
وفوق ذلك، برزت تهديدات أمريكية علنية باستخدام القوة العسكرية، إذ لم تستبعد واشنطن الخيار العسكري، بينما تحدث ترامب علنًا عن إمكانية تنفيذ ما سماه “استيلاءً وديًا” على الجزيرة.
الطريق الطويل للإصلاح في كوبا
إذا كان حجم الإصلاحات المعلنة جديدًا، فإن اتجاهها ليس كذلك.
فكوبا تسير على طريق الإصلاح منذ ما يقرب من عقدين، وينبغي النظر إلى الإجراءات الحالية باعتبارها تسريعًا لمسار بدأ منذ سنوات طويلة.
وفي الواقع، فإن القيادة الكوبية كانت تناقش مشكلة ضعف الإنتاجية في ظل اقتصاد محاصر منذ فترة أطول بكثير.
ففي عام 1979، حذر راؤول كاسترو، بلهجته الصريحة المعتادة، أمام الجمعية الوطنية من الآثار السلبية لتدني معايير العمل وضعف الانضباط، فقال:
إن غياب الانضباط في العمل، والتغيب غير المبرر، والتباطؤ المتعمد في الإنتاج حتى لا تتجاوز النتائج المعدلات المقررة – وهي معدلات منخفضة أصلًا وسيئة التطبيق – كل ذلك أصبح مشكلة حقيقية.
وأضاف أن الوضع بات مفارقًا لما كان عليه في ظل الرأسمالية؛ فبينما كان العمال الزراعيون يعملون سابقًا اثنتي عشرة ساعة أو أكثر يوميًا، أصبحت هناك حالات كثيرة، وخاصة في القطاع الزراعي، لا يعمل فيها الأشخاص أكثر من أربع أو ست ساعات.
وأشار كذلك إلى أن بعض رؤساء فرق العمل يتفقون مع العمال على إنجاز الحد الأدنى المطلوب خلال نصف يوم فقط، ثم يغادر الجميع للعمل لدى مزارعين خواص صغار في النصف الآخر من اليوم مقابل دخل إضافي.
وأضاف أن مثل هذه “الحيل” لا تقتصر على الزراعة، بل توجد أيضًا في الصناعة، والنقل، وورش الإصلاح، وغيرها من القطاعات، حيث تنتشر المحاباة، والمجاملات المتبادلة، وسرقة الممتلكات العامة.
(ورد هذا الاقتباس في كتاب مايكل بارينتي Blackshirts and Reds،(أي القمصان السود والحمر) 1997).
يتضح من ذلك أن القيادة الكوبية أدركت منذ زمن بعيد أن المركزية المفرطة والإدارة البيروقراطية الجامدة يمكن أن تقتل روح المبادرة وتؤدي إلى انخفاض الكفاءة.
وكان هذا التشخيص نفسه تقريبًا هو الذي دفع الصين إلى إطلاق إصلاحاتها في أواخر سبعينيات القرن الماضي.
إصلاحات راؤول كاسترو
عندما تولى راؤول كاسترو رئاسة الدولة عام 2008 خلفًا لفيدل كاسترو، بدأ في تحويل هذا التشخيص إلى برنامج إصلاح متكامل.
فابتداءً من عام 2010، شرعت الحكومة في تقليص الدور المباشر للدولة في الاقتصاد، بهدف نقل نحو مليون عامل من الوظائف الحكومية إلى القطاعين الخاص والتعاوني، في وقت كان حوالي 95% من الكوبيين يعملون لدى الدولة.
وفي عام 2011، اعتمد المؤتمر السادس للحزب الشيوعي ما عُرف بـ “المبادئ التوجيهية” (Lineamientos)، والتي تضمنت:
- تقنين بيع المنازل والسيارات.
- تخفيف قيود السفر.
- توسيع الأنشطة المسموح بها للعمل الحر.
- منح تراخيص لمئات الآلاف من العاملين لحسابهم الخاص (Cuentapropistas).
وبذلك انتشرت المطاعم العائلية المعروفة باسم Paladares، إلى جانب المتاجر الصغيرة والمشروعات الفردية.
بل إن الحكومة نقلت إدارة العديد من صالونات الحلاقة والتجميل الحكومية إلى العاملين فيها، في أول خطوة من نوعها منذ تأميم المشروعات الصغيرة عام 1968.
منطقة مارييل الاقتصادية الخاصة
كان المشروع الأبرز في برنامج التحديث هو إنشاء منطقة مارييل الاقتصادية الخاصة، التي افتُتحت عام 2013 حول ميناء حديث للمياه العميقة.
وقد صُممت المنطقة على غرار المناطق الاقتصادية الخاصة في الصين وفيتنام، وذلك من خلال:
- تخفيض الضرائب.
- منح مرونة أكبر في التوظيف.
- إعفاء المستثمرين من شرط الشراكة الإلزامية مع الدولة.
وكان الهدف هو اختبار سياسات الانفتاح الاقتصادي داخل منطقة محدودة أولًا، قبل تعميمها تدريجيًا على مستوى البلاد، وهو الأسلوب نفسه الذي اتبعته الصين وفيتنام.
لماذا لم تحقق الإصلاحات نتائج أكبر؟
يتساءل الكاتب: إذا كانت عملية الإصلاح بدأت قبل خمسة عشر عامًا، فلماذا وصلت كوبا اليوم إلى هذه الأزمة الحادة؟
يرى أن جزءًا من الإجابة يكمن فيما اعترف به الرئيس دياز-كانيل نفسه، عندما تحدث عن:
“العقبات التي لا تأتي من الخارج، ولا من الحصار.”
وأوضح أن المشكلة تكمن أيضًا في:
“البطء، والبيروقراطية، واللوائح التي تعرقل أولئك الذين يريدون الإنتاج.”
فقد جرى إقرار إصلاحات عديدة على الورق، لكنها تعثرت أثناء التنفيذ بسبب الجمود الإداري والحذر المؤسسي، الذي كثيرًا ما تعامل مع المبادرة الخاصة باعتبارها تهديدًا ينبغي احتواؤه، لا قوة يمكن توظيفها لخدمة الاقتصاد.
ولهذا السبب، تتضمن الحزمة الجديدة آليات واضحة للتنفيذ، حيث أكد دياز-كانيل أن كل إجراء سيكون مرتبطًا بمسؤولين محددين، وجداول زمنية، ومؤشرات لقياس الالتزام بالتنفيذ.
لكن الحصار يظل العامل الحاسم
يشدد الكاتب على أن المشكلات الداخلية لا يمكن فصلها عن الحصار الخارجي.
فالإصلاح التدريجي، على الطريقة الصينية، يحتاج إلى:
- قدر من الاستقرار.
- الوصول إلى رأس المال.
- الحصول على التكنولوجيا.
- وجود هامش زمني يسمح بالتجربة والخطأ.
لكن الحصار الأمريكي صُمم تحديدًا لمنع كوبا من امتلاك هذه المقومات.
فالصين بدأت سياسة الانفتاح في أواخر السبعينيات ضمن بيئة دولية أكثر هدوءًا واستقرارًا (وهو وضع ساهم في تهيئته، كما يذكر الكاتب، كل من ماو تسي تونغ وتشو إن لاي قبل بدء الإصلاحات.)
أما كوبا، فقد حاولت تنفيذ إصلاحاتها بينما كانت واشنطن تعمل باستمرار على:
- تخويف المستثمرين.
- منع التمويل.
- خنق إمدادات الوقود.
ولهذا أشار أحد الاقتصاديين الكوبيين المقيمين في لندن إلى أن الصين وفيتنام بدأتا إصلاحاتهما تدريجيًا، وفي ظروف مستقرة نسبيًا، بينما تضطر كوبا إلى تنفيذ إصلاحاتها في أسوأ لحظة اقتصادية تمر بها.
الطريق الصيني، لا الطريق السوفييتي
يرى الكاتب أن هناك أكثر من طريقة لإدخال آليات السوق والاستثمار الأجنبي إلى اقتصاد اشتراكي، وأن الفرق بين هذه الطرق قد يكون الفرق بين نجاح المشروع الاشتراكي أو انهياره.
وهذا، في رأيه، هو الدرس الذي قدمته الصين طوال ما يقرب من نصف قرن، وهو أيضًا الدرس الأكثر أهمية بالنسبة لكوبا اليوم.
لقد كان نهج الصين في الإصلاح مختلفًا جذريًا عن النهج الذي اتبعه الاتحاد السوفييتي في عهد ميخائيل غورباتشوف.
فبينما سارعت القيادة السوفييتية في أواخر الثمانينيات إلى خصخصة قطاعات رئيسية، وتفكيك أجهزة التخطيط الاقتصادي بصورة سريعة، وربطت ذلك بما سُمّي “التحرير السياسي” الذي أدى عمليًا إلى انتقال السلطة من الطبقة العاملة إلى طبقة رأسمالية ناشئة، وانتهى بفوضى وعمليات نهب واسعة خلال عهد بوريس يلتسين، فإن الصين اتبعت مسارًا مختلفًا تمامًا.
فقد خففت بكين القيود على رأس المال الخاص، لكنها أبقت القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية في ملكية الدولة.
كما حافظت على نظام التخطيط الاقتصادي، وعملت على تطويره تدريجيًا بدلًا من إلغائه.
ولم يتم تفكيك قطاع الدولة، بل جرى تعزيزه وإعادة تنظيمه.
والأهم من ذلك كله، أن السلطة السياسية لم توضع موضع المساومة أو المنافسة.
وقد أكد دنغ شياو بينغ في مبادئه الأربعة الأساسية أن قيادة الحزب الشيوعي والطريق الاشتراكي أمران غير قابلين للتفاوض، وأن السوق لا يُسمح له بالعمل إلا داخل هذا الإطار السياسي.
كما اعتمدت الصين أسلوب التجريب التدريجي، الذي لخصه دنغ بعبارته الشهيرة:
“عبور النهر بتحسس الحجارة.”
أي اختبار السياسات الجديدة على نطاق محدود، ثم تعميم الناجح منها والتخلي عن الفاشل.
العودة إلى لينين
ويؤكد الكاتب أن هذا المنطق ليس اختراعًا صينيًا، بل يمتد بجذوره إلى التراث الاشتراكي نفسه.
فقد تبنى فلاديمير لينين عام 1921 السياسة الاقتصادية الجديدة (NEP)، التي سمحت باستخدام السوق والمبادرة الخاصة لإنعاش الاقتصاد الذي دمرته الحرب، مع احتفاظ الدولة السوفييتية بالسلطة السياسية وبالقطاعات الصناعية الأساسية.
وكان لينين يقول:
“لا ينبغي أن نخشى نمو البرجوازية الصغيرة ورأس المال الصغير، وإنما ينبغي أن نخشى استمرار الجوع والفاقة ونقص الغذاء.”
ويرى الكاتب أن سياسة الإصلاح والانفتاح التي أطلقها دنغ شياو بينغ كانت تطبيقًا أكثر اتساعًا وطموحًا لهذه الفكرة.
وبعد ما يقرب من خمسين عامًا، يعتبر الكاتب أن نتائج هذه التجربة واضحة:
- ما زالت الصين دولة اشتراكية يقودها الحزب الشيوعي.
- نجحت في انتشال مئات الملايين من الفقر.
- وأصبحت اليوم أكبر قوة داعمة لعالم متعدد الأقطاب ولمناهضة الهيمنة الإمبريالية.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لكوبا؟
بحسب الكاتب، فإن الإصلاحات الكوبية لا تعني التخلي عن الاشتراكية، بل محاولة إنقاذها وتطويرها.
فالهدف ليس استبدال الاقتصاد الاشتراكي بالرأسمالية، وإنما استخدام أدوات السوق بصورة خاضعة لتوجيه الدولة، من أجل:
- زيادة الإنتاج.
- رفع مستوى المعيشة.
- تعزيز القدرة على مواجهة الحصار.
- الحفاظ على المكاسب الاجتماعية التي حققتها الثورة.
ويرى أن نجاح هذا المشروع سيعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية:
1. قدرة الحزب الشيوعي الكوبي على الحفاظ على قيادته السياسية.
2. نجاح الإصلاحات في تحرير الطاقات الإنتاجية دون فقدان السيطرة على القطاعات الاستراتيجية.
3. استمرار الدعم والتعاون مع الصين وفيتنام والدول الصديقة الأخرى.
خلاصة الكاتب
يخلص كارلوس مارتينيز إلى أن ما يحدث في كوبا لا يشبه تجربة الاتحاد السوفييتي في سنواته الأخيرة، بل يشبه بدرجة أكبر التجربة الصينية في بداياتها.
فالإصلاحات، في رأيه، ليست استسلامًا للرأسمالية، وإنما استراتيجية تهدف إلى ضمان بقاء الاشتراكية في ظروف حصار اقتصادي شديد.
ويستشهد في الختام بكلمات الرئيس ميغيل دياز-كانيل:
“لن نجتمع فقط من أجل الصمود، بل من أجل الإبداع، والإنتاج، واتخاذ القرار، والرقابة، والازدهار، والتحول.”
لقد أقنعت ثمارُ عملية الإصلاح في الصين بعضَ أولئك الذين كانوا يرونها مغامرةً شديدة الخطورة. ففي رسالة وجّهتها عام 2002 إلى محرري مجلة Monthly Review، انتقدت فيها المجلة بسبب تغطيتها الأحادية لتحول الصين، رأت المربية الثورية إيزابيل كروك – التي أمضت معظم حياتها الطويلة في الصين وكانت في الأساس متشككة في الإصلاحات – أن الظروف الموضوعية جعلت تلك الإصلاحات ضرورية. فقد كانت الصين، بحلول أواخر سبعينيات القرن العشرين، قد أُضعفت خارجيًا بسبب الانقسام داخل المعسكر الاشتراكي، وداخليًا بسبب الاضطرابات التي صاحبت الثورة الثقافية؛ إذ «بُني البيت بالحجارة المتوفرة». ولذلك، وعلى الرغم من أنها كتبت: «لقد أسفتُ للتحول من استراتيجية ماو إلى استراتيجية دنغ»، فإنها أضافت: «إذا كانت الصين، في وضعها الهش، تحتاج إلى تنمية اقتصادية سريعة من أجل أمنها، فإن اختيار دنغ كان مبررًا». وكثير من خيبة الأمل التي يُعبَّر عنها اليوم داخل أوساط اليسار تجاه إصلاحات كوبا تنطلق من محاكمة جزيرةٍ محاصرة وفقًا لمثالٍ مثالي لم تُتح لها حرية اتباعه يومًا.
بالنسبة لكوبا، يبقى السؤال الحاسم هو نفسه الذي فصل بين بكين وموسكو: من يمتلك السلطة السياسية؟ لا توجد أي مؤشرات على الإطلاق إلى أن قيادة الحزب الشيوعي الكوبي – الضامن النهائي للنظام الاشتراكي – ستُضعف أو تُجرَّد من شرعيتها. فما زالت الدولة تحتفظ بالنظام المصرفي، وبالقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، وبسلطة فرض الضرائب والتنظيم وإعادة توزيع الثروة. والرهان الذي تعقده القيادة الكوبية هو نفسه الذي نجحت الصين في كسبه بينما فشل فيه الاتحاد السوفييتي: وهو أن الطبقة الخاصة الناشئة يمكن إبقاؤها شريكًا ثانويًا يعتمد على الدولة، بدلًا من السماح لها بأن تتحول إلى منافس صاعد. وما دام هذا الشرط قائمًا، فإن كوبا تسير على طريق الإصلاح والانفتاح الصيني، لا على الطريق السوفييتي المتمثل في البيريسترويكا والغلاسنوست. وليس ثمة شك في أن هذا هو المقصد الواعي للقيادة؛ فقد صرّح دياز-كانيل بوضوح بأن هذه الإجراءات تستلهم تجربة البناء الاشتراكي في الصين وفيتنام، كما أن كوبا والصين تدرسان هذه التجربة معًا منذ سنوات.
تضامن الصين: جزء أساسي من المشهد
إن النموذج الصيني ليس مجرد مرجع نظري بالنسبة لكوبا، بل يأتي في إطار علاقة حية من التضامن. فكلما شددت واشنطن الخناق، سارعت الصين مرارًا إلى سدّ الفراغ.
ويتجلى ذلك بأوضح صورة في قطاع الطاقة، وهو الجبهة التي يُلحق فيها الحصار أشد الأضرار. فبفضل الدعم الصيني، ضاعفت كوبا إنتاجها من الطاقة الشمسية ثلاث مرات خلال عام واحد، لترتفع مساهمة الطاقة الشمسية من أقل من 6% إلى أكثر من 20% من إجمالي إنتاج الكهرباء، مع ربط عشرات المحطات الشمسية الجديدة بالشبكة. كما تمول الصين برنامجًا لإنشاء نحو 92 محطة للطاقة الشمسية يُتوقع أن تغطي ما يقارب نصف احتياجات كوبا من الكهرباء خلال ساعات النهار بحلول عام 2028، وتمتد شراكتها في قطاع الطاقة لتشمل تجهيزات الشبكة الكهربائية، وأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات، والدعم الفني. فكل كيلوواط تولده كوبا من الشمس هو كيلوواط لا يستطيع حصار الطاقة أن يمسه؛ ومن هذا المنظور، فإن التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، الذي يشكل محور الإصلاحات الجديدة، يمثل أداة من أدوات المقاومة المناهضة للإمبريالية، وتحتل الصين موقعًا محوريًا في هذا المشروع.
ولا يقتصر هذا التضامن على قطاع الطاقة. ففي الأشهر الأخيرة، أرسلت الصين شحنات متتالية من المساعدات الغذائية الطارئة، شملت عشرات الآلاف من الأطنان من الأرز، إلى جانب دفعات إضافية من المساعدات أُقرت على أعلى المستويات، كما وسّعت نطاق التعاون العلمي والزراعي مع كوبا. وهذا هو المضمون العملي لما تصفه الحكومتان بـ«مجتمع الصين وكوبا ذي المستقبل المشترك».
ويستند هذا الدعم المادي إلى علاقة حزبية متنامية بين الحزبين الشيوعيين في الصين وكوبا. فقد عقد الحزب الشيوعي الصيني والحزب الشيوعي الكوبي حتى الآن سبع ندوات نظرية مشتركة، كان أحدثها مخصصًا لموضوع دفع عملية التحديث الاشتراكي من خلال التخطيط العلمي للتنمية، وهي بالضبط القضايا التي تنشغل بها كوبا في المرحلة الراهنة.
عندما التقى شي جين بينغ وميغيل دياز-كانيل في بكين في سبتمبر/أيلول 2025، جددا التأكيد على صداقة تمتد جذورها إلى عهد ماو تسي تونغ وفيديل كاسترو، وتعهدًا بتعميقها في المرحلة الجديدة. وفي اتصال مرئي حديث مع نظيره الكوبي، عبّر رئيس الدائرة الدولية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، ليو هاي شينغ، عن موقف الصين بعبارات لا لبس فيها: فمهما شهد المشهد الدولي من تحولات، فإن التزام الصين بصداقتها مع كوبا «لن يتغير»، وعزمها على «دعم كوبا في انتهاج طريق اشتراكي يتناسب مع ظروفها الوطنية لن يتغير»، كما أن التزامها بمساعدة الشعب الكوبي على تحسين مستوى معيشته «لن يتغير».
ولا يقتصر هذا الدعم على الجانب الاقتصادي، بل يشمل أيضًا البعد الدبلوماسي. فقد دعت الصين باستمرار إلى إنهاء الحصار، ووقفت إلى جانب كوبا في الأمم المتحدة، وأدانت الاتهام غير القانوني الذي وجهته واشنطن إلى راؤول كاسترو. وحتى الشهر الماضي، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي لنظيره الكوبي أن بكين «ستواصل الدفاع عن العدالة ورفع صوتها دعمًا لكوبا… والإسهام في تنميتها الاقتصادية وتحسين معيشة شعبها»، فيما كرر متحدث باسم وزارة الخارجية هذا الأسبوع أن الصين «تدعم بحزم كوبا في استكشاف طريق التنمية الاشتراكية الملائم لظروفها الوطنية». وبالنسبة لدولة تعيش تحت الحصار وتحاول تنفيذ انتقال اقتصادي دقيق ومحفوف بالمخاطر، فإن وجود شركاء اشتراكيين أقوياء مستعدين لتوفير الوقود والغذاء والتكنولوجيا والاستثمارات والدعم الدبلوماسي ليس عاملًا هامشيًا، بل قد يكون عاملًا حاسمًا.
انتصار رمزي لترامب؟
ثمّة بُعد جيوسياسي للإصلاحات ينبغي الاعتراف به بصراحة. فمن الممكن أن تقدمها إدارة ترامب على أنها انتصار، باعتبارها دليلًا على أن سياسة «الضغط الأقصى» أجبرت هافانا على فتح اقتصادها. وبالنسبة لإدارة تعطي قيمة كبيرة لمظهر الانتصار أكثر من جوهره، فإن لهذه الرمزية أهمية حقيقية؛ إذ تمنح ترامب «فوزًا» يحفظ ماء الوجه، ويتيح له تجنب مغامرة عسكرية ستكون شديدة عدم الشعبية في الداخل والخارج، خاصة وأن المجتمع الدولي بأسره تقريبًا يصوت عامًا بعد عام في الأمم المتحدة ضد الحصار المفروض على كوبا. ولا تساور القيادة الكوبية أي أوهام بشأن هذا الأمر. لكنها تدرك أن تقديم تنازل يتيح كسب الوقت، وجذب الاستثمارات، وإغلاق الباب أمام العدوان العسكري، يختلف تمامًا عن الاستسلام.
الخاتمة: الحفاظ لا التخلي
بالنسبة لكوبا، لا يمكن المبالغة في حجم الرهانات. فما تزال الثورة تحقق متوسط عمر متوقع ومعدل وفيات أطفال أفضل من الولايات المتحدة، ونسبة إلمام بالقراءة والكتابة تتجاوز 99%، كما ترسل إلى الخارج عددًا من الأطباء يفوق ما ترسله منظمة الصحة العالمية واليونيسف ومنظمة أطباء بلا حدود مجتمعة. أما البديل الذي تعرضه واشنطن، فليس ديمقراطية استهلاكية، بل عودة إلى النظام الذي سبق الثورة: كوبا باتيستا، ساحة مفتوحة لرأس المال الأجنبي ومستعمرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وإن لم يكن ذلك رسميًا.
ولا شك أن هذه الإصلاحات تنطوي على مخاطر. فمن شأن قيام سوق للعقارات، ومصارف خاصة، وشركات كبيرة، واستثمارات ممولة من تحويلات المغتربين، أن يؤدي إلى نشوء طبقة مالكة، ولا سيما في الحالة الكوبية حيث تتقاطع هذه التطورات مع الفوارق القائمة أصلًا في الوصول إلى العملات الصعبة ووجود أقارب في الخارج. ولا ينبغي التقليل من شأن هذه المخاطر، فهي تمثل الثمن الحقيقي لهذه السياسة. غير أن هذا الرهان مدروس، ويستند إلى فرضية اختبرتها الصين على مدى ما يقرب من خمسين عامًا، وهي أن الدولة الاشتراكية التي تحتفظ بالسلطة السياسية، والملكية العامة للقطاعات الاستراتيجية، وأدوات التخطيط وإعادة توزيع الثروة، تستطيع استخدام السوق ورأس المال الأجنبي لتحقيق التنمية من دون أن تقع تحت هيمنتهما.
وعليه، ينبغي فهم الإصلاحات الكوبية ليس بوصفها تخليًا عن المشروع الاشتراكي، بل باعتبارها محاولة للحفاظ عليه وتجديده، باعتبارها أحدث فصول قصة «الاشتراكية تحت الحصار» التي تمتد منذ عام 1959. وسيتوقف نجاح هذا الرهان على حسن التنفيذ، وعلى قدرة الحزب على تجاوز الجمود البيروقراطي، وعلى التضامن؛ تضامن الشعب الكوبي، وتضامن أصدقاء كوبا في الخارج، وفي مقدمتهم الصين. وكما قال دياز-كانيل لمواطنيه: «لن نجتمع فقط من أجل الصمود. بل سنجتمع من أجل الإبداع، والإنتاج، واتخاذ القرار، والإشراف، والازدهار، والتحول».
::::
مصدر النص الإنكليزي:
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
