الانحطاط تدريجيا من إمبراطورية الخراج إلى تفرُّق دول الإقطاع ووحدة الإقطاع الأوروبي – عروبيات (3)، عادل سماره

الانحطاط تدريجيا

من إمبراطورية الخراج إلى تفرُّق دول الإقطاع

ووحدة الإقطاع الأوروبي

عروبيات (3)

عادل سماره

بينما كانت تغوص الدول الانفصالية في الانتقال من نمط الإنتاج الإمبراطوري العربي  الخراجي إلى اشكال متنوعة من الإقطاع (أنظر كتاب عادل سماره الرأسمالية الفلسطينية: من النشوء التابع إلى مأزق الاستقلال  1991 ص ص 58-84) ، كانت أوروبا تغادر الإقطاع نحو الرأسمالية التجارية  وبدايتها الأولية كانت المدن التجارية الإيطالية جنوة والبندقية 1097 وترافق هذا مع خدمة حروب الفرنجة بالنقل البحري وهذه المقدمات الأولى لعمل حربي أوروبي مشترك بدعم الكنيسة الكاثوليكية  التي فرضت على الدول الأوروبية تكاتفا قادته الكنيسة الكاثوليكية نفسها وكانت ثمرته سقوط  الأندلس 1493، كما ترافقت معه بداية النظام الرأسمالي العالمي والاستعمار الأوروبي والذي عبَّر عنه المفكر العربي الماركسي أنور عبد الملك بما اسماه النهب الاستعماري الأوروبي لفائض القيمة التاريخي وكانت إسبانيا أول من تمتع به عبر  ما أُسمي بالكشوفات الجغرافية  وما رافقها من الإبادة في أمريكا اللاتينية وغيرها لاحقاً.

حاولنا التوضيح في الحلقة السابقة بأن الطائفية، سواء بين العرب أو بين المسلمين غير العرب قد أصبحت بل حلت عملياً محل الدين مما خلق فُصاماً لدى الناس بين الإيمان في الحالة الفردية وبين الدينسياسي في الحياة العامة من المعاملات وحتى السلطة، وهذا أمر يؤكد أن هذه المجتمعات مصابة بدرجة كبيرة من الإعاقة أو التناقض الداخلي في الفرد نفسه.

يرى البعض أن هذه هي المرحلة الثالثة للدولة العباسية أو الإمبراطورية العربية الإسلامية رغم أن ما تبقى منها ليس سوى الخليفة الشكلي من حيث صلاحياته وهي التي قال فيها أحد الشعراء:

خليفة في قفص…بين وصيف وبَغا

يقول ما قالوا له…كما تقول الببغا.

المهم في هذه المرحلة أو هذا الطور لم تعد هناك خلافة مركزية حتى ولو شكليا، فقد توزعت السلطة والجغرافيا بين عدة دول، تزامن بعضها مع البعض الآخر، وحكمتها صراعات ومنافسة بينها مما يؤكد ان هذه البنى كانت قومية أو لنقل عرقية ولم يكن ما يجمعها كونها مسلمة رغم أنها جميعها إسلامية. أي لم تقبل بأن تتوحد سياسيا ومصلحيا على أساس أو بسبب الدين بعكس أوروبا التي كانت توجهها الكنيسة في حروب استعمارية بغطاء ديني الأمر الذي أخذ في التبدل في أوروبا مع التطور الرأسمالي من التجاري إلى الصناعي وما بعد مما حول التديُّن إلى مجرد طقوس، وهذا ما لم يصله العالم الإسلامي حتى اللحظة!

قامت هذه الدول الجديدة الوريثة للإمبراطورية العربية الإسلامية /الخلافة العباسية بالتتابع (تقريبا) بداية بالبويهيين 945-1055م وهم من الفرس، ثم الخوارزمية 1077 و1231 م وهي سنية ذات أصل تركي وصولا إلى السلجوقية 1037م 1157م وهي من أصل تركي ايضاً، إلى أن أُقيمت الدولة الفاطمية أو الخلافة الفاطمية 909-1171 وهي شيعية الإيديولوجيا الدينية مقابل الإيديولوجية السنية لدى الدول المنفصلة الأخرى إلى أن هزمها الأيوبيون1174 م 1260م   بقيادة صلاح الدين الأيوبي والذي حوَّل مصر إلى الطائفية السنية.

أما في العراق والشام فكان الغزو المغولي   1219-1258 حيث سقطت بيدهم بغداد إلى أن انتهوا باعتناق الإسلام وهزمهم المماليك 1260 في عين جالوت حيث سطر المماليك: 1250-1517 على مصر والشام وأجزاء من الحجاز والعراق واليمن إلى أن هزمهم العثمانيون 1516 ليقع معظم الوطن العربي تحت استعمار باسم الإسلام، بينما هو استعمار دولة قومية وطائفية، امتد لأربعة قرون. ولعل العثمانيين هم أخبث من استغل الإسلام دون التمسك به، فقد ساموا الأمة العربية الخسف بمختلف المعاني السياسي والقومي والديني وطبعا الاقتصادي وكان ولا يزال يزعم مؤيدوهم من العرب أنهم حموا الوطن العربي من الاستعمار الغربي، إلى أن هُزموا وبالتالي سلموا هذا الوطن للاستعمار الغربي متهالكا أي جاهزاً للخضوع للاستعمار، وبتعبير العمران بناء جاهزا تم تسليمه بالمفتاح.

وحيث اغتصب العثمانيون الخلافة، هذا دون أن ندخل في وجوب أن تبقى عربية أو قرشية، واصلوا توجيه الهجوم على العرب لأنهم تحالفوا مع الاستعمار الغربي لإسقاط “خلافتهم” التي ليست شرعية أصلا علاوة على انهم دولة قومية هذا دون أن نذهب للحديث عن أن تركيا جزء من حلف العدوان الناتو وحليفة للكيان، دعك من ثرثرات رجب طيب اردوغان بأنه يتجهز لتحرير غزة! يخلط العثمانيون/الترك بين تحالف الحسين بن علي مع المستعمِرين الغربيين دون أن يٌرُّوا بأنهم هم أيضا مستعمِرين وأن إمبراطوريتهم كانت آيلة للسقوط سواء تحالف العرب مع الغرب أم لم يتحالفوا.

ترافق مع انشقاقات الدول المذكورة أعلاه عن الخلافة العربية صعود غزوات الفرنجة: 1095-1291 حيث كانوا، مقابل المسلمين، موحدين ضد دول ودويلات متفرقة بعد سيطرة كل منها بالتبادل أو التوازي على الخلافة.

أما في المغرب الكبير فكان الوضع المتزامن على النحو التالي:

قامت دولة المرابطين 1048-1147 والتي تلتها دولة الموحدين 1147-1269

الدولتان كانتا من أهل السنة لكنهما اختلفتا في علاقتهما بالخلافة العباسية.

اتبعت دولة المرابطين المذهب المالكي واعترفت رسمياً بالخلافة العباسية في بغداد. لم يلقب زعيمهم يوسف بن تاشفين نفسه بالخليفة، بل اكتفى بلقب “أمير المسلمين” احتراماً للخليفة العباسي.

أما دولة الموحدين فكانت ذات توجه عقدي وفكري خاص (تأسست على يد ابن تومارت الذي آمن أتباعه بأنه المهدي المعصوم). هي ليست شيعية، لكنها خالفت المذاهب السائدة وعارضت المذهب المالكي، كما أنها رفضت الخلافة العباسية تماماً. أعلن زعيمهم عبد المؤمن بن علي نفسه “خليفة” وأميراً للمؤمنين، وأسس خلافة مستقلة.

أما المرينيون   1209-1465 فكانت دولتهم في المغرب الأقصى وأجزاء من شمال افريقيا والاندلس إلى أن أطاح بهم بنو وطاس 1172-1554.

لا نهدف من هذا التحقيب تقديم سرد تاريخي، بل نحاول الحفاظ على خيط محدد هو التشقق والانفصال عن الدولة المركزية العباسية والطابع الإيديولوجي الطائفي لكل دولة منها وقيام معظمها بإسقاط سابقتها.

ما يمكن استنتاجه أن هذه الدول إثر ضعف موقع الخلافة العباسية، بغض النظر عن اختلاف تسمية العصر العباسي بثلاثة أو إثنين فالمهم أن تراجع الطابع الخراجي العربي لصالح الإقطاع متعدد الإشكال والمحصور قوميا إذا جاز التعبير يؤكد، ويبرر، عجز مختلف هذه الدول سواء في المشرق أو المغرب عن إنقاذ الأندلس الأمر الذي فتح الطريق للغزو الغربي ضد الوطن العربي خاصة والذي استمر حتى حينه.

فمنذ البويهيين وحتى اليوم لا يلبث دُعاة الخلافة اللهج بالقول بالأمة الإسلامية والدعوة لدولة إسلامية رغم أن المسلمين، منذ أن تمردت مختلف هذه الدول المنفصلة، وقد نقول المستقلة، على الخلافة العباسية وأسقطت هذه الإمبراطورية عمليا، ودخلت في صراع قومي جوهريا، ديني بل طائفي إيديولوجيا وهذا ما يدفع العرب خاصة ثمنه حالياً بينما أوروبا متصالحة قوميا تحت راية الدين! إلى أن تجاوزت ذلك في عصر راس المال وبالتدريج أصبح التدين طقوسياً.

منذ بداية هذا الانفصال عن الخلافة العباسية وحتى حينه أُصيب العالم الإسلامي بوباء الطائفية التي قدمت شحنة لا تنتهي للصراع وهي الشحنة التي نسميها إيديولوجيا الدينسياسي.  ولعل مأساة العرب أنهم ورثوا الدينسياسي بموقف مضاد للعروبة بعكس مختلف الأمم الإسلامية الأخرى!

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….