كتبتُ عن كتاب “إكليل الشوك الروسي” عدة مرات من قبل؛ وهو الكتاب فائق الأهمية الذي يرصد بدقة السيطرة الأمريكية التامة على عالم الفنون والآداب في الاتحاد السوفيتي قبل السقوط المدوي للقطب الاحمر بعقد من الزمن.
أوضح لنا مؤلف الكتاب المؤرخ الروسي أوليغ بلاتونوف، كيف هيمنت شبكات مغلقة ومريبة—مدعومة من المخابرات الأمريكية وعالم السر —على مقاليد الفن والأدب في موسكو، ووجّهت تلك الشبكات الذائقة العامة أو الذوق الفني بالقوة أو عبر المجاملات المتبادلة، لتكرّس أسماءً بعينها في جذور المشهد السوفيتي لخدمة فكرة تسميم عالم الفنون والآداب.
أظن—بل في الحقيقة لا مجال للظن، فأنا متأكد تماماً—أن مصر، على مدار 24 عاماً، تعيش حالة “إكليل الشوك المصري”، وتحديداً منذ صدور رواية عمارة يعقوبيان.
إذا عدنا إلى عام 2002 (تاريخ صدور كارثة عمارة يعقوبيان للكاتب علاء الأسواني)، نجد أنها شكلت بالفعل نقطة تحول مفصلية؛ ليس على المستوى الأدبي فحسب، بل في كيفية صناعة الظاهرة الأدبية وتحويلها إلى تحالف إعلامي وتجاري وسياسي بامتياز، رواية شديدة السوء والقبح يتم مدحها والتغازل فيها بشكل مستفز، ويتم تحويلها إلى فيلم بانتاج ضخم خلال عدة شهور بمشاركة جماعية لمجموعة من أشهر الفنانين في مصر، وفي مقدمتهم عادل إمام.
السؤال الآن: ما هي العوامل التي ترجح وجود “إكليل الشوك المصري” الذي دمر القوة الناعمة تماماً منذ عام 2002؟
العامل الأول: صناعة “الظاهرة” وتسليع الأدب
قبل عمارة يعقوبيان، كانت الحركة الأدبية في مصر—رغم كل سلبياتها—تعتمد نسبياً على النقد الأدبي الجاد والتراكم المعرفي، ولكن بعد الرواية الشيطانية، دخل المشهد عصر “الأكثر مبيعاً” (Best Seller) المدعوم بقنوات فضائية وأموال مشبوهة ودور نشر محددة وسلاسل مكتبات؛ حيث تحول النص الأدبي من قيمة فكرية وإنسانية إلى مجرد منتج في خدمة أجندة معينة، منتج ينجح حتى قبل أن يقرأه الجمهور.
العامل الثاني: احتكار المشهد الثقافي وتكريس “الشللية“
تماماً كما وصف كتاب إكليل الشوك الروسي كيف كانت اتحادات الكُتّاب السوفيت تُوزع الحظوة والجوائز والترجمات على المقربين والتابعين، أصبح المشهد المصري تُديره دوائر مغلقة تتبادل المديح والجوائز والظهور الإعلامي، تُفتح أبواب التلميع لأسماء محددة ليست فوق مستوى الشبهات، بينما يُهمش إنتاج أدبي وفكري أكثر عمقاً لمجرد أنه خارج هذه الشبكة المشبوهة، حين يتحدث أحدهم يتم تشغيل إسطوانة السخرية من نظرية المؤامرة.
العامل الثالث: إحلال السطحية محل العمق
في تجربة الاتحاد السوفيتي، عملت المخابرات الأمريكية على ترويج أفكار محددة لتفكيك المجتمع من الداخل، أما في النموذج المصري المعاصر، فقد تحوّل التوجيه نحو “الإثارة المشهدية” وصدم الشارع بالتابوهات السطحية بدلاً من التفكيك الفلسفي والاجتماعي العميق؛ مما خلق ذائقة عامة تستهلك الفرقعة الإعلامية والتفاهة والإباحية والسطحية والجهل وتزهد في الأدب الذي يبني الوعي، والنماذج كثيرة قبل وبعد ينايرز
الخلاصة، إن الكارثة التي تعيشها مصر في مجالات الفن، والأدب، والإعلام، والرياضة تتلخص في انتقال المشهد من “حرية الإبداع والتنافس الشريف” إلى سطوة “الشلة والظاهرة المصنوعة”، لقد أصبح “إكليل الشوك” رمزاً للسياج الخفي الذي يُضرب حول الفكر والفن والاعلام والرياضة؛ فيمنع كل ما هو أصيل من الصعود، ويفرض ما هو مُصنّع سلفاً ليكون الواجهة الوحيدة للمشهد، إلا من رحم ربي.
يتبقى سؤال للنقاش: هل ترى أن هذا “الإكليل” تشكّل بفعل رغبة السوق والمنطق التجاري فحسب، أم أن لأجهزة مخابراتية غربية—صنعت نخبنا الثقافية—يداً متعمدة في هندسته وتكريسه طوال هذه السنوات؟ أنت وحدك ستجيب عن السؤال.
:::::
المصدر: Mohamed Nabil’s Post
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
